باب فضائل سعد بن أبي وقاص
( 2413 ) ( 46 ) [ 2321 ] وعنه قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَيْنَا، قَالَ : وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و ( قول المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - : " اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا " ) كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم ، وقيل : كان منهم : عُيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كصهيب ، وسلمان ، وعمار ، وبلال ، وسالم ، ومِهجَع ، وسعد هذا ، وابن مسعود ، وغيرهم ممن كان على مثل حالهم استصغارًا لهم ، وكِبرًا عليهم ، واستقذارًا لهم ، فإنهم قالوا : يُؤذوننا بريحهم ، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبى ، فقالوا له : اجعل لنا يومًا ولهم يومًا ، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك ، فهمَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك ، ودعا عليًّا ليكتب ، فقام الفقراء وجلسوا ناحية ، فأنزل الله تعالى الآية . قلتُ : ولهذا أشار سعد بقوله : فوقع في نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما شاء الله أن يقع . وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم ، وإسلام قومهم ، ورأى أن ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئًا ، ولا ينقصُ لهم قدرًا ، فمال إليه ، فأنزل ج٦ / ص٢٨٥الله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فنهاه عما همَّ به من الطرد ، لا أنه أوقع الطرد ، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم ، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا رآهم بعد ذلك يقول : " مرحبًا بقوم عاتبني الله فيهم " ، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام .
و ( قوله : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، قيل معناه : يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير ، وبالعشي : قيل معناه : بطلب العفو عن التقصير ، وقيل معناه : يذكرون الله بعد صلاة الصبح ، وصلاة العصر . وقيل : يصلون الصبح والعصر ، وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يصلون الصلوات الخمس ، وقال يحيى بن أبي كثير : هي مجالس الفقه بالغداة والعشي ، وقيل يعني به : دوام أعمالهم وعباداتهم ، وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذكر ؛ لأنَّ من عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل . و ( قوله : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي : يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى .
ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره ، ويصح أن يقال : يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم ، أي : وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين . ج٦ / ص٢٨٦و ( قوله : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ أي : من جزائهم ، ولا كفاية رزقهم ، أي : جزاؤهم ورزقهم ، وجزاؤك ورزقك على الله تعالى ، لا على غيره ، فكأنه يقول : وإذا كان الأمر كذلك : فأقبل عليهم وجالسهم ، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل . فإن فعلت كنت ظالِمًا ، وحاشاه من وقوع ذلك منه ، وإنَّما هذا بيان للأحكام ، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام .
وهذا نحو قوله تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وقد علم الله منه : أنه لا يشرك ، ولا يحبط عمله . و ( قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ نصب بالفاء في جواب النفي ، وقد تقدم : أن أصله وضع الشيء في غير موضعه ، ويحصل من فوائد الآية والحديث : النهي عن أن يُعظم أحدٌ لجاهه ، وأثوابه ، وعن أن يحتقر أحد لخموله ، ورثاثة أثوابه .