باب فضائل خديجة بنت خويلد
( 2437 ) ( 78 ) [ 2344 ] وعنها قالت : اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ! فَغِرْتُ فَقُلْتُ : وَمَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، فَأَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا! . ( 2436 ) ( 77 ) [ 2345] وعنها قالت : لَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ . و ( قولها : " فعرف استئذان خديجة " ) أي تذكر - عند استئذان هالة - خديجة ، وكأن نَغْمةَ هالة كانت تشبه نَغْمةَ خديجة ، وأصلُ هذا كله : أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته ، وما يتعلق به وما يشبهه .
و ( قوله : " اللهم ! هالة " ) يجوز في هالة الرفع على خبر الابتداء ، أي : هذه ج٦ / ص٣١٨هالة فأكرمها وأحسن إليها . والنَّصب على إضمار فعل ، أي : أَكْرِم هالة واحفظها ، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى . و ( قول عائشة - رضي الله عنها - : " وما تذكر من عجوز من عجائز قريش .
" الحديث ، قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغيرة ، وخِفَّة الشباب ، والدَّلال ، ولذلك لم ينكر عليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيئًا مما قالت ، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث : أن الغَيْرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غيرتها ، وليس ذلك أخذًا صحيحًا ، لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب ، لا كل السَّبب ، وذلك أن عائشة - رضي الله عنها - اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة : الغيرة والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال ، وذلك أنها : كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة ، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم ، لا يقال : إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة ، لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت : فغرت ، لأنَّا نقول : لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها ، بل يحتمل : أن تكون الغيرة وحدها ، ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف ، لا سيما ولم ينص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المسقط ما هو ، فبقي الأمر محتملاً للأمرين ، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك ، والله تعالى أعلم . و ( قولها : " حمراء الشِّدقين " ) قيل معناه : أنها بيضاء الشدقين ، والعرب تسمي الأبيض : أحمر ، كراهة في اسم البياض ، لأنَّه يشبه البرص ، وهذا كما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعائشة : " يا حميراء ! لا تأكلي الطين فإنَّه يذهب بهاء الوجه " يعني : يا بيضاء . ج٦ / ص٣١٩قلت : وهذا فيه بُعدٌ في هذا الموضع ، فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل : حمراء الشدقين : بيضاء الشدقين ، فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح ، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها ، وإنَّما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكِبَر ، وذلك : أن من جاوز سن الكهولة ، ولحق سن الشيخوخة ، وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السُّمرة ، والله تعالى أعلم .
و ( قولها : " قد أبدلك الله خيرًا منها " ) تعني بخير : أجمل وأشب - وتعني نفسها - ، لا أنها خير منها عند الله ، وعند رسوله ؛ لما تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام ، وكونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت : يدلّ على عظيم قدرها عنده ، ومحبته لها ، وعلى فضل خديجة أيضًا ، لأنها اختصَّت برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يشاركها فيه أحد ، صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيْرة ، ومن مناكدة الضرة .