باب فضائل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران
( 2431 ) [ 2355] وعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . و ( قوله : " كَمَل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء غير مريم وآسية " ) الكمال : هو التناهي والتمام ، ويقال في ماضيه " كمل " بفتح الميم وضمها ، ويكمُل ج٦ / ص٣٣٢في مضارعه بالضم ، وكمال كل شيء بحسبه ، والكمال المطلق : إنما هو لله تعالى خاصة ، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان : الأنبياء ، ثم تليهم الأولياء ، ويعني بهم : الصديقين والشهداء الصالحين . وإذا تقرر هذا ، فقد قيل : إن الكمال المذكور في الحديث ، يعني به : النبوة ، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين ، وقد قيل بذلك ، والصحيح : أن مريم نبيَّة ، لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك ، كما أوحى إلى سائر النبيين ، وأما آسية ، فلم يرد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة .
بل على صديقيتها وفضيلتها . فلو صحَّت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال . فإنَّه يكون معناه : أن الأنبياء في الرجال كثير ، وليس في النساء نبي إلا هاتين المرأتين .
ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات ، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين . والأولى أن يقال : إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء ، بل يندرج معه كمال الأولياء ، فيكون معنى الحديث : إن نوعي الكمال وجد في الرجال كثيرًا ، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكمل من هاتين المرأتين ، ولم يتعرض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه ، إلا لعائشة خاصة ، فإنَّه فضلها على سائر النساء ، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة ، وهنَّ : مريم بنت عمران ، وخديجة ، وفاطمة ، وآسية ، فإنَّهن أفضل من عائشة ، بدليل الأحاديث المتقدِّمة في باب خديجة ، وبهذا يصحُّ الجمع ، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى . وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته ، وسهولة إساغته ، وعظيم بركته ، ولأنه كان جلَّ أطعمتهم ، وألذَّها بالنسبة إليهم ولعوائدهم ، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل ، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة ، والله تعالى أعلم .