باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي صلى الله عليه وسلم
( 49 ) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي صلى الله عليه وسلم ( 2451 ) [ 2360 ] عن أبي عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : لَا تَكُونَنَّ إِنْ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ : وَأُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ ، قَالَ : فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَةَ : مَنْ هَذَا؟ أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَتْ : هَذَا دِحْيَةُ ، قَالَ : فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُ خَبَرَنَا ، أَوْ كَمَا قَالَ . قَالَ : فَقُلْتُ لِأَبِي عُثْمَانَ : مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ : مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ .
( 49 ) ومن باب فضائل أم سلمة - رضي الله عنها - زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، واسم أبيها : حذيفة ، يعرف بزاد الراكب ، وكان أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم ، وكانت قبل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد ، وأسلمت هي وزوجها ، وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة ، ويقال : إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة . قال أبو عمر : تزوج بها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد سنتين من الهجرة ، بعد وقعة بدر ، وعقد عليها في شوال ، وابتنى بها في شوال . قال أبو محمد عبد الله بن علي الرَّشاطي : [ هذا وَهْمٌ شنيع ] ، وذلك : أن زوجها أبا سلمة شهد أحدًا ، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث ، فجرح فيها جرحًا اندمل ، ثم انتقض به فتوفي منه لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة أربع ، وانقضت عدَّة أم سلمة منه في شوال سنة أربع ، وبنى بها عند انقضائها .
قال : وقد ذكر أبو عمر هذا في صدر الكتاب ، وجاء به على الصواب . وتوفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين . وقيل : توفيت في شهر رمضان ، أو شوال سنة تسع وخمسين ، وصلَّى عليها أبو هريرة ، وقيل : سعيد بن زيد ، ودفنت بالبقيع .
وأما زينب : فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرة بن كبير بن ج٦ / ص٣٥٨غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة ، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة ، وكانت تفخر على أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول لهنَّ : أنكحكن أولياؤكن ، وإن الله أنكحني بنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من فوق سبع سماوات ، تعني بذلك قوله تعالى : زَوَّجْنَاكَهَا توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ ، وفي هذا العام استفتحت مصر . وقيل : توفيت سنة إحدى وعشرين ، وفيها فتحت الإسكندرية ، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به ، وكان للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية ، وتدعى أم المساكين لحنوِّها عليهم ، وهي من بني عامر ، تزوجها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ سنة ثلاث ، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا ، شهرين أو ثلاثة ، وتوفيت في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش ، قتل عنها يوم أحد . و ( قول سلمان : " لا تكونن إن استطعت أول من تدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنَّها معركة الشيطان " ) .
كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله . وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طريق صحيح ، وهو الذي يليق بمساق الخبر ، لأنَّ معناه ليس مما يدرك بالرأي والقياس ، وإنما يدرك بالوحي ، وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم بن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان . قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " لا تكن أوَّل من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنَّها معركة الشيطان ، فيها باض الشيطان وفرَّخ " .
والمعركة : موضع القتال ، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه ، ومصارعة بعضهم بعضا ، فشبه ج٦ / ص٣٥٩السوقَ ، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بما يحملهم عليه من المكر ، والخديعة ، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب ، والأيمان الكاذبة ، واختلاط الأصوات ، وغير ذلك بمعركة الحرب ، وبمن يصرع فيها . و ( قوله : " وبها ينصب رايته " ) إعلام بإقامته في الأسواق ، وجمع أعوانه إليه فيها . ويفيد هذا الحديث : أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع لهلاك الناس ، فينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا بحكم الضرورة ، ولذلك قال : " لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها " ، ولأن من كان أول داخل فيها أو آخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان ، وصرفه عن أمور دينه ، وجعل همَّه السوق ، وما يُعمل فيها فأهلكه .
فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله : أنه قد دخل محل الشيطان ، ومحل جنوده ، وأنه إن أقام هنالك هلك ، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته ، وتحرز من سوء عاقبته ، وبليته . وقد تقدَّم القول في تمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة ، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها ، وأن الإيمان بذلك كله واجب ، لما دل عليه من السمع الصادق ، وكان دحية بن خليفة رجلاً حسن الصورة ، فلذلك تمثل بصورته جبريل ـ عليه السلام ـ وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ، وكان من كبار ج٦ / ص٣٦٠الصحابة ، لم يشهد بدرًا ، شهد أحدًا وما بعدها ، وبقي إلى خلافة معاوية ، وأرسله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قيصر في سنة ست من الهجرة فآمن قيصر ، وأبت بطارقته أن تؤمن ، فأخبر دحية بذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : " ثبت ملكه " .