باب فضائل عبد الله بن مسعود
( 2462 ) ( 114 ) [ 2372 ] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّهُ قَالَ : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ : عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ تَأْمُرُونِي أَنْ أَقْرَأَ؟ فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَلَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعْلَمُ مِنِّي لَرَحَلْتُ إِلَيْهِ . قَالَ شَقِيقٌ : فَجَلَسْتُ فِي حَلَقِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَا يَعِيبُهُ . ( 2463 ) ( 115 ) [ 2373 ] وعنه قال : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ حَيْثُ نَزَلَتْ، وَمَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَا أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ .
و ( قول عبد الله : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الحديث إلى آخره ) . قال القاضي أبو الفضل : هذا الحديث في الأم مختصر مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث ، وبيانه في سياق آخر ، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل ، وهو شقيق راوي الحديث في " الأم " ، قال : لما أمر في المصاحف بما أمر ، يعني : أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمع عليه ، الذي وجَّه منه النسخ إلى الآفاق ، ورأى هو والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ : أن بقاء تلك المصاحف يدخل اللبس والاختلاف ، ذكر ابن مسعود الغلول ، وتلا الآية ، ثم قال : غلُّوا المصاحف إني غالٌّ مصحفي ، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل ، فإنَّ الله تعالى يقول : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثم قال : على قراءة من تأمرني أن أقرأ ؟ على قراءة زيد بن ثابت ؟ لقد أخذت القرآن من في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بضعًا وسبعين سورة ، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان ، وفي أخرى : صبي من الصبيان ، فتمام هذا الحديث يظهر كلام عبد الله . قلت : و ( قوله : " غلوا مصاحفكم .
" إلى آخره ) ، أي : اكتموها ولا تسلموها ، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها ، كما يفعل من غل شيئًا فإنه يأتي به يوم ج٦ / ص٣٧٤القيامة ، ويحمله ، وكان هذا رأيًا منه انفرد به عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولم يوافقه أحد منهم عليه ، فإنَّه كتم مصحفه ، ولم يظهره ، ولم يقدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره ، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان ، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق ، وقرأ المسلمون عليها ، وترك مصحف عبد الله ، وخفي إلى أن وجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم ، وابتداء دولة المعز ، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين ، على ما سمعناه من بعض مشايخنا ، فأحرق . و ( قوله : " على قراءة من تأمرني أن أقرأ ؟ " ) إنكار منه على من يأمره بترك قراءته ، ورجوعه إلى قراءة زيد مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن ، وإلى أخذه عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فصعب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقرأ بما قرأه زيد أو غيره ، فتمسك بمصحفه وقراءته ، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من المصلحة التي هي من أعظم ما حفظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخل به ، والتغيير بالزيادة والنقصان . وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة ، وفي كيفية الأمر بذلك ، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ : أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما عزموا على كتب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود ، فكتبوه على لغة قريش ، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لحفظ القرآن ، ومن أعلمهم به ، كما شهدوا له بذلك ، غير أنه ـ رضي الله عنه ـ كان هُذليًا كما تقدم ، وكانت قراءته على لغتهم ، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم ، فلذلك لم يدخلوه معهم ، والله تعالى أعلم .
قلت : قد تقدَّم أن أصل البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة ، وذكر اشتقاقه ، والخلاف فيه . و" الحلق " : بفتح الحاء واللام : جمع حلقة بفتح الحاء واللام على ج٦ / ص٣٧٥ما حكاه يونس عن أبي عمرو بن العلاء ، وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم : هؤلاء قوم حلقة ، للذين يحلقون الشعر ، جمع حالق ، وقال الجوهري : الحلقة للدروع - بالسكون - وكذلك حلقة الباب ، وحلقة القوم ، والجمع : الحلق على غير قياس . و ( قوله : " لقد علم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أني أعلمهم بكتاب الله " ) يعني : أنه أعلمهم بأسباب نزوله ، ومواقع أحكامه ، بدليل قوله في الرواية الأخرى : " ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت ، وما من آية إلا وأعلم فيما أُنزلت " ، وسَبَبُ ذلك : ملازمته للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا ، كما قدَّمنا .
وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه ، بدليل قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أقرؤكم أُبَيّ " ) ، والخطابُ للصحابة كلُّهم .