باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته
( 2591 ) [ 2497] وعن عَائِشَةُ : أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ . قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ! قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ - أَوْ تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ . ج٦ / ص٥٧٢و ( قوله صلى الله عليه وسلم : " بئس ابن العشيرة ، أو : رجل العشيرة " ) هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حاله ، وأنه ممن لا غيبة فيه ، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري ، أسلم بعد الفتح ، وقيل : قبله ، وهو من المؤلفة قلوبهم ، وكان من الأعراب الجفاة .
روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي : أن عيينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بغير إذن ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وأين الإذن ؟ فقال : ما استأذنت على أحد من مضر ، وكانت عائشة - رضي الله عنها - مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من هذه الحميراء ؟ فقال : " أم المؤمنين " . فقال : ألا أنزل لك عن أجمل منها ؟ فقالت عائشة - رضي الله عنها - : من هذا يا رسول الله ؟ قال : " هذا أحمق مطاع ، وهو على ما ترين سيد قومه " . وقال الزهري : كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر - رضي الله عنه - يقال له الجد بن قيس ، فقال عيينة لابن أخيه : ألا تدخلني على هذا ؟ فقال : أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي ، فقال : لا أفعل ، فأدخله على عمر - رضي الله عنه - فقال : يا بن الخطاب ، والله ما تقسم بالعدل ، ولا تعطي الجزل ، فغضب عمر - رضي الله عنه - غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به ، فقال ابن أخيه : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول في كتابه : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وإن هذا من الجاهلين .
قال : فخلى عنه عمر ، وكان عمر - رضي الله عنه - وقافا عند كتاب الله تعالى . قال القاضي عياض : وقد كان من عيينة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعد موته ما يدلّ على ضعف إيمانه ، بل فيه علم من إعلام النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه بئس ابن العشيرة ، وقد ظهر ذلك منه ، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - والله أعلم بما ختم له . ج٦ / ص٥٧٣قلت : ويظهر من قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه : " إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من وَدَعَه الناس اتقاء فُحشه " أن عيينة ختم له بخاتمة سوء ، لأنَّه ممن اتقى النبي صلى الله عليه وسلم ، فُحشه وشره ، والناس .
فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة ، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر ، والله تعالى أعلم . ففي حديثه من الفقه : جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه ، والأمير الجائر والكافر ، وصاحب البدعة ، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم ، لكن ما لم يؤدِ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى . والفرق بين المداراة والمداهنة ، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين ، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال ، والمداهنة المذمومة المحرمة : هي بذل الدين لصالح الدنيا ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته ، والرفق في مكالمته ، وطلاقة وجهه ، ولم يمدحه بقول ، ولا روعي في ذلك في حديث .
فعلى هذا فلا يناقض قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الرجل فعله معه ، لأنَّ قوله ذلك إخبار بحق ، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق ، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال ، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال . و ( قوله : " من وَدَعَه ، أو تركه الناس اتقاء فحشه " ) هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن كان الصحيح : وَدَعَه ، فقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم بالأصل المرفوض ، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله :
صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تكلم بمصدر ذلك المرفوض حيث قال : " لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم "، وهذا كله يرد على من قال من النحويين : إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره ، ولا يُتكلم به استغناء عن ذلك بتركه ، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم ، فقد كذبه النقل الصحيح ، وإن أراد أن ذلك يقع ولكنه قليل ، وشاذ في الاستعمال ، فهو الصحيح .