باب التزهيد في الدنيا والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن
( 7 ) باب التزهيد في الدنيا والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن 2967( 14 ) [ 2699 ] عن خالد بن عمير العدوي ، قَالَ : خَطَبَنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ - وكان أميرا على البصرة - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ آذَنَتْ بِصَرْمٍ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا ، وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفير جَهَنَّمَ ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ عَامًا لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا ، وَوَاللَّهِ لَتُمْلَأَنَّ ، أَفَعَجِبْتُمْ ؟ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنْ الزِّحَامِ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ ، حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا ، فَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ ، فَاتَّزَرْتُ بِنِصْفِهَا ، وَاتَّزَرَ سَعْدٌ بِنِصْفِهَا ، فَمَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصْبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرٍ مِنْ الْأَمْصَارِ ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ فِي نَفْسِي عَظِيمًا ، وَعِنْدَ اللَّهِ صَغِيرًا ، وَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَتْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلْكًا ، فَسَتَخْبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الْأُمَرَاءَ بَعْدَنَا . ( 7 ) ومن باب : الزهد في الدنيا ( قوله : خطبنا عتبة بن غزوان - وكان أميرا على البصرة - ) عتبة هذا - رضي الله عنه - مازني ، وحليف لبني نوفل ، قديم الإسلام . أسلم سابع سبعة كما ج٧ / ص١٢٣قال .
وهاجر وشهد المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بدرا والمشاهد كلها ، أمره عمر - رضي الله عنه - على جيش ، فتوجه إلى العراق ، ففتح الأبلة والبصرة ووليها ، وبنى مسجدها الأعظم بالقصب ، ثم إنه حج فاستعفى عمر عن ولاية البصرة ، فلم يعفه فقال : اللهم لا تردني إليها ، فسقط عن راحلته ، فمات سنة سبع عشرة ، وهو منصرف من مكة إلى البصرة ، بموضع يقال له : معذر ، ببني سليم ، قاله ابن سعد . ويقال : مات بالربذة ، قاله المدائني . و ( قوله : إن الدنيا قد آذنت بصرم ) أي : أشعرت وأعلمت بزوال وانقطاع .
و ( قوله : وولت حذاء ) أي : سريعة خفيفة ، ومنه قيل للقطاة : حذاء ، أي : منقطعة الذنب قصيرته ، ويقال : حمار أحذ : إذا كان قصير الذنب ، حكاه أبو عبيد ، وهذا مثل كأنه قال : إن الدنيا قد انقطعت مسرعة . و ( قوله : ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها ) الصبابة ، بضم الصاد : البقية اليسيرة ، والصبابة ، بالفتح : رقة الشوق ، ولطيف المحبة ، ويتصابها : يروم صبها على قلة الماء وضعفه . و ( قوله : فانتقلوا بخير ما بحضرتكم ) أي : ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما يحضركم من أعمال البر .
جعل الخير المتمكن منه كالحاضر . و ( قوله : فإنَّه قد ذكر لنا أن الحجر ليلقى من شفير جهنم . الحديث إلى آخره ) يعني : أنه ذكر له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه لم يسمعه هو من النبي صلى الله عليه وسلم ، سمعه من غيره ، فسكت عنه إما ج٧ / ص١٢٤نسيانا ، وإما لأمر يسوغ له ذلك .
ويحتمل أن يكون سمعه هو من النبي صلى الله عليه وسلم ، وسكت عن رفعه للعلم بذلك . وشفير جهنم : حرفها الأعلى . وحرف كل شيء أعلاه وشفيره .
ومنه : شفير العين . ومصراع الباب : ما بين عضادتيه ، وجمعه مصاريع ، وهو ما يسده الغلق . و ( قوله : وهو كظيظ من الزحام ) أي : ممتلئ منه .
يقال : كظه الشراب كظيظا . وقرحت أشداقنا ، أي : تقرحت ، أي : انجرحت من خشونة الورق . والبردة : الشملة ، والعرب تسمي الكساء الذي يُلتحف به بردة ، والبرد - بغير تاء - : نوع من نوع ثياب اليمن الموشية .
و ( قوله : وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت ، حتى يكون آخرها ملكا ) يعني : أن زمان النبوة يكون الناس فيه يعملون بالشرع ، ويقومون بالحق ، ويزهدون في الدنيا ، ويرغبون في الآخرة ، ثم إنه بعد انقراضهم وانقراض خلفائهم يتغير الحال ، وينعكس الأمر ، ثم لا يزال الأمر في تناقص وإدبار إلى ألا يبقى على ج٧ / ص١٢٥الأرض من يقول : الله ! الله ، فيرتفع ما كان الصدر الأول عليه ، وهذا هو المعبر عنه هنا : بالتناسخ ؛ فإنَّ النسخ : هو الرفع والإزالة ، وهذا الحديث نحو قوله صلى الله عليه وسلم : " ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون ، وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون . الحديث " . و ( قوله : حتى يكون آخر عاقبتها ملكا ) يعني أنهم يعدلون عن سنن النبيين وخلفائهم إلى الإقبال على الدنيا واتباع الهوى .
وهذه أحوال أكثر الملوك ، فأمَّا من سلك سبيل الصدر الأول الذي هو زمان النبوة والخلافة من العدل واتباع الحق ، والإعراض عن الدنيا ، فهو من خلفاء الأنبياء ، وإن تأخر زمانه ، كعمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - إذ لم يكن بعد الخلفاء من سلك سبيلهم ، واقتدى بهم في غالب أحوالهم غيره ، رضي الله عنه . لا جرم هو معدود منهم ، وداخل في زمرتهم إن شاء الله تعالى .