باب لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان وحتى يكثر الهرج وجعل بأس هذه الأمة بينها
( 19 ) [ 2787] وعن ثوبان قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا ، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا ، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ : الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي ألا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بعَامَّةٍ ، وألا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ ، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ ألا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ ، وَأَلا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ : مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا . و ( قوله : وإن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ) أي : جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها . وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره ، ورفع عنه الموانع المعتادة ، فأدرك البعيد من موضعه ، كما أدرك بيت المقدس من مكة ، وأخذ يخبرهم عن آياته ، وهو ينظر إليه ، وكما قال : إني لأبصر قصر المدائن الأبيض .
ويحتمل أن يكون مثلها الله له فرآها ، والأول أولى . و ( قوله : إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ) هذا الخبر قد وجد مخبره كما قال صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك من دلائل نبوته ، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب ، إلى أقصى المشرق ، مما وراء خراسان والنهر ، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد . ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال ، ولذلك لم يذكر أنه أريه ، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه .
و ( قوله : أعطيت الكنزين ) يعني به : كنز كسرى ، وهو ملك الفرس ، وملك قيصر ، وهو ملك الروم ، وقصورهما ، وبلادهما ، وقد دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر حين أخبر عن هلاكهما : ( لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر ؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الذهب ، وبالأبيض عن كنز كسرى ؛ لأنَّ الغالب كان عندهم الفضة والجوهر . وقد ظهر ذلك ، ووجد كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر - رضي الله عنه - فإنَّه سيق إليه تاج كسرى وحليته ، وما كان في بيوت أمواله ، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها ، وكذلك فعل الله بقيصر ، لما فتحت بلاده . و ( قوله : وإني دعوت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة ) كذا صحت الرواية بالباء في ( بعامة ) وكأنها زائدة ؛ لأنَّ عامة صفة لسنة ، فكأنه قال : بسنة عامة ، ويعني بالسنة : الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام .
ويسمى الجدب والقحط : سنة ، ويجمع سنين ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ أي : بالجدب المتوالي . وبيضة المسلمين : معظمهم وجماعتهم ، وفي الصحاح : بيضة كل شيء : حوزته ، وبيضة القوم : ساحتهم ، وعلى هذا فيكون معنى الحديث : أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض ، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض ، وهي : جوانبها . و ( قوله : حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا ) ظاهر ( حتى ) : الغاية ، فيقتضي ظاهر هذا الكلام : أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم ، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض ، وسبي بعضهم لبعض .
وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرقت جماعتهم ، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو ، فقويت شوكة العدو واستولى ، كما شاهدناه في أزماننا هذه في المشرق والمغرب ، وذلك أنه لما اختلف ملوك الشرق ، وتجادلوا استولوا كافر الترك على جميع عراق العجم ، ولما اختلف ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس ، والجزر القريبة منها ، وها هم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام ، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف . ولا يصح أن يكون ( حتى ) هنا بمعنى كي ، لفساد المعنى ، فتدبره .