ومن سورة الشعراء
[ 2898 ] وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾وَرَهْطَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ : يَا صَبَاحَاهْ ، فَقَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ ؟ قَالُوا : مُحَمَّدٌ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَقَالَ : أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ، قَالَ : فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ . قَالَ : فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ ، أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا ؟ ثُمَّ قَامَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ . هكَذَا قَرَأَهُ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ .
و ( قوله : وَتَبَّ ) معطوف على الأول ، وكلاهما بمعنى الدعاء ، وقيل : الأول : دعاء ، والثاني : إخبار بإجابة الدعاء فيه ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ، وابن عباس - رضي الله عنهم - : ( وقد تب ) ، وقيل : كلاهما خبر ، فالأول : خسرت يداه ، مراده من الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ إذ كان مراده قتله ، وإخفاء كلمته . وتب هو : بما أصابه من العذاب ، وقيل : تب في نفسه ، وتب في ولده وكسبه ؛ إذ لم يغنيا عنه شيئًا ، ولا جرّا له نفعا . و ( قوله : حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ) الجمهور : على رفع ( حمالة ) على الصفة أو البدل ، أو على أنه خبر ابتداء محذوف ، وقرأه عاصم بالنصب على الذم ، ويجوز أن يكون حالا ، وسميت بذلك لأنَّها كانت تُلقي الشوك في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لتؤذيه ، قاله الضحاك .
وقيل ؛ لأنَّها كانت نقالة للحديث نمامة ، فكانت تشعل نار العداوة ، كما تشعل النار في الحطب . قال الشاعر : إن بني الأدرم حمالو الحطب هم الوشاة في الرضا وفي الغضب وقال قتادة : لأن مصيرها إلى النار كالحطب . يقال : فلان يحتطب على ظهره ، أي : يجني على نفسه .
و ( قوله : ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ ) الجيد : العنق ، وجمعه : أجياد . والمسد - هنا - : الليف ، وسمي الليف مسدا ؛ لأنَّه يُمْسَد منه المسد ، وهو : الحبل ؛ أي : يُفْتَل . قال الشاعر : أعوذ بالله من ليل يقربني إلى مضاجعه كالدلو بالمسد أي : الحبل المفتول ، وأصل المسد : الفتل .
يقال : دابة ممسودة ؛ أي : شديدة الأسر . أي : يُجعل في عنقها حبل من نار مفتول ، ولعله السلسلة التي قال الله تعالى : فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا والله تعالى أعلم .