سؤال النبي أبي بن كعب كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة
4640 - وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ . 4641 - وَمِنْ أَحْسَنِهِمْ لَهُ سِيَاقَةً يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا رُوحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَهُوَ يُصَلِّي - فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيْ أُبَيُّ ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ إِنَّ أُبَيًّا خَفَّفَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْكَ ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِي إِذْ دَعَوْتُكَ ؟ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْتُ أُصَلِّي . قَالَ : أَفَلَسْتَ تَجِدُ فِيمَا أَوْحِيَ إِلَيَّ أَنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ أَبَدًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - .
قَالَ : أَيْ أُبَيُّ ، أَتُحِبُّ أَنْ أُعَلِّمَكَ سُورَةً لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلُهَا . قُلْتُ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : فَإِنِّي أَرْجُو أَلَّا تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَتَّى تَعْلَمَهَا .
قَالَ : ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِيَدِي ، فَحَدَّثَنِي وَأَنَا أَتَبَاطَأُ بِهِ مَخَافَةَ أَنْ أَبْلُغَ الْبَابَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْحَدِيثَ ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْبَابِ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي . قَالَ : كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ . قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ أُمَّ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ ، وَلَا فِي الزَّبُورِ ، وَلَا فِي الْفُرْقَانِ - مِثْلُهَا ، إِنَّهَا السَّبْعُ الْمَثَانِي ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ .
4645 - وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . فَمَنْ دُعِيَ الْيَوْمَ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ ، إِلَّا فِي أَمْرٍ لَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا ، أَوْ يَقْضِي بِهِ فَرْضًا ، ثُمَّ يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدُ . 4646 - وَلَوْ أَجَابَ أُبَيُّ رَسُولَ اللَّهِ لَكَانَ ذَلِكَ خَاصًّا لَهُ دُونَ غَيْرِهِ ; لِقَوْلِهِ : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 4650 - وَفِيهِ وَضْعُ الرَّجُلِ يَدَهُ عَلَى يَدِ صَدِيقِهِ إِذَا حَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَهُ ، وَهَذَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْكَبِيرِ لِلصَّغِيرِ ; لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأْنِيسِ وَالتَّأْكِيدِ فِي الْوِدِّ . 4651 - وَفِي قَوْلِ أُبَيٍّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، السُّورَةَ الَّتِي وَعَدْتَنِي - دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ ، وَرَغْبَتِهِ فِيهِ .
وَكَذَلِكَ كَانَ إِبْطَاؤُهُ فِي مَشْيِهِ مَحَبَّةً فِي الْعِلْمِ ، وَحِرْصًا عَلَيْهِ . 4652 - وَأَمَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ . قَالَ : فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ - فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى سُقُوطِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ مِنْ أَوَّلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَعَلَى سُقُوطِ التَّوْجِيهِ .
4653 - وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ; لِأَنَّ التَّوْجِيهَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَغَيْرِهِ . وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . 4654 - وَلَكِنَّهُ يَدُلُّ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ أَسْقَطَهُ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ : مَا تَقُولُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ : كَيْفَ تَقْرَأُ إِذَا افْتَتَحْتَ الصَّلَاةَ ؟ فَأَجَابَهُ : إِنَّ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاةِ لَا تُفْتَتَحُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْرَأَ بِغَيْرِهَا إِلَّا بَعْدَ الِافْتِتَاحِ بِهَا ; بِدَلِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ .
وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فِي سُقُوطِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، وَإِنَّمَا فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَتِحُ الْقِرَاءَةَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ اسْمٌ لَهَا ، كَمَا يُقَالُ قَرَأْتُ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ، وَقَرَأْتُ ن وَالْقَلَمِ ، وَقَرَأْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ ; وَهَذِهِ كُلُّهَا أَسْمَاءٌ لِلسُّوَرِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُسْقِطُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ بِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - . 4655 - وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْمُتَنَازِعِينَ قَدْ طَالَ ، وَكَثُرَ فِيهِ الشَّغَبُ ، وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ : إِنَّهُ مَنْ تَرَكَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، أَوْ غَيْرِهَا مُتَأَوِّلًا - فَلَا حَرَجَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِإِيجَابِ قِرَاءَتِهَا دَلِيلٌ ، لَا مُعَارِضَ لَهُ وَلَا إِجْمَاعَ ; لِأَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِي أَنَّهَا آيَةٌ إِلَّا فِي سُورَةِ النَّمْلِ . وَمَنْ قَرَأَهَا فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهَا - فَلَا حَرَجَ ; فَقَدْ رُوِيَتْ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرْفُوعَةٌ ، وَعَمِلَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ : ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَسَنُبَيِّنُ هَذَا فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - .
4656 - وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ تُقْرَأُ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ ، وَحُكْمُ كُلِّ رَكْعَةٍ كَحِكَمِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فِي الْقِيَاسِ وَالنَّظَرِ . وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ أَوْجَبَ قِرَاءَتَهَا . 4657 - وَأَمَّا الْمَعْنَى فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ : أُمُّ الْقُرْآنِ - فَهُوَ بِمَعْنَى أَصْلِ الْقُرْآنِ ، وَأُمُّ الشَّيْءِ : أَصْلُهُ ، كَمَا قِيلَ : أُمُّ الْقُرَى لِمَكَّةَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا يُقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ .
4661 - وَفِيهَا تَعْلِيمُ الدُّعَاءِ إِلَى الْهُدَى ، وَمُجَانَبَةُ طَرِيقِ مَنْ ضَلَّ وَغَوَى ، وَالدُّعَاءُ لِبَابُ الْعِبَادَةِ ; فَهِيَ أَجْمَعُ سُورَةٍ لِلْخَيْرِ ، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ مِثْلُهَا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 4662 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهَا دُونَ غَيْرِهَا ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهَا مِنْهَا ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْوِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ .
4669 - وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَثْبَتُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ ; لِمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي ذَلِكَ .