قول مالك فيمن ارتهن متاعا فهلك المتاع عند المرتهن
قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الرَّهْنِ . يَرْهَنُهُ أَحَدُهُمَا صَاحِبُهُ . فَيَقُولُ الرَّاهِنُ : أَرْهَنْتُكَهُ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ .
وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِعِشْرِينَ دِينَارًا وَالرَّهْنُ ظَاهِرٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ . قَالَ : يَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى يُحِيطَ بِقِيمَةِ الرَّهْنِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا زِيَادَةَ فِيهِ وَلَا نُقْصَانَ عَمَّا حَلَفَ أَنْ لَهُ فِيهِ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ بِحَقِّهِ .
وَكَانَ أَوْلَى بِالتَّبْدِئَةِ بِالْيَمِينِ ؛ لِقَبْضِهِ الرَّهْنَ وَحِيَازَتِهِ إِيَّاهُ . إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الرَّهْنِ أَنْ يُعْطِيَهُ حَقَّهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ ، وَيَأْخُذَ رَهْنَهُ . 32052 - قَالَ : وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ أَقَلَّ مِنَ الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى .
ثُمَّ يُقَالُ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تُعْطِيَهُ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ وَتَأْخُذَ رَهْنَكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الَّذِي قُلْتَ أنَّكَ رَهَنْتَهُ بِهِ ، وَيَبْطُلُ عَنْكَ مَا زَادَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ . فَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ بَطَلَ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ . 32053 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا بَيِّنٌ كُلُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَصْلِ قَوْلِهِ ، لَا خِلَافَ عِنْدِ أَصْحَابِهِ ، وَمُنْتَحِلِي مَذْهَبِهِ فِيهِ ، إِلَّا فِي قَوْلِهِ : أُحْلِفَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الْعِشْرِينَ الَّتِي سَمَّى ، ثُمَّ قِيلَ لِلرَّاهِنِ : إِمَّا أَنْ تَحْلِفَ عَلَى مَا قُلْتَ ، وَلَا يَلْزَمُكَ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ رَهْنِكَ ، أَوْ مَبْلَغٍ أَقْرَرْتَ بِهِ مِنَ الدَّيْنِ ، وَإِمَّا أَنْ يَغْرَمَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ ، وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ .
32054 - فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا . 32055 - وَبَعْضُهُمْ قَالَ : قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ مِمَّا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ إِنْ لَمْ يُقِمِ الْمُرْتَهِنُ بَيِّنَةَ بِمَا ادَّعَاهُ ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ الرَّاهِنُ . 32056 - وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا لِمَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ عِنْدِهِ ، وَمَا ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ مِنَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ فِيه الْبَيِّنَةِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَلَهُ أَيْضًا عِنْدَهُ رَدُّ الْيَمِينِ إِنْ شَاءَ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَصْلِهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا .
32057 - وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ ، فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْهُمْ ، قَالَ : الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الرَّهْنُ إِذَا اخْتَلَفَ هُوَ وَالْمُرْتَهِنُ فِيهِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الْمُرْتَهِنِ يَمِينَهُ عَلَيْهِ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ إِذَا ضَاعَ فِي يَدِهِ ، وَاخْتَلَفَ هُوَ وَالرَّاهِنُ فِي قِيمَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ طَلَبَ الرَّاهِنِ يَمِينُهُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ الرَّاهِنُ فِيهِ . 32058 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا ، وَالثَّوْرِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ إِذَا خَالَفَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ مَا رُهِنَ بِهِ الرَّهْنُ ، وَلَمْ يُرَاعُوا مَبْلَغَ قِيمَةِ الرَّهْنِ ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ قَدْ يُسَاوِي مَا رُهِنَ بِهِ ، وَقَدْ لَا يُسَاوِي ، وَالْمُرْتَهِنُ يَدَّعِي فِيهِ مَا لَا يُقِرُّ لَهُ بِهِ الرَّاهِنُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ ، وَالْبَيِّنَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفَ الرَّاهِنُ ، وَأَخَذَ رَهَنَهُ ، وَادَّعَى مَا أَقَرَّ بِهِ . 32059 - وَهَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَطَائِفَةٍ .
32060 - وَحَجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَإِجْمَاعُهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنَ إِذَا اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنِ ادَّعَى مِنَ الثَّمَنِ مَا يَكُونُ قِيمَةَ السِّلْعَةِ . 32061 - وَالْحُجَّةُ لِمَالِكٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ قَالَ : فَجَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنَ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ بِحَقِّهِ وَثِيقَةً لَهُ ، فَكَأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى مَبْلَغِ الْحَقِّ ، فَقَامَ مَقَامَ الشَّاهِدِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ قِيمَتَهُ ، وَمَا جَاوَزَ قِيمَتَهُ فَلَا وَثِيقَةَ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلَ الرَّاهِنِ . 32062 - وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ طَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .