بَابُ الْقِطَاعَةِ فِي الْكِتَابَةِ
قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ ، ثُمَّ يُقَاطِعُهُ بِالذَّهَبِ ، فَيَضَعُ عَنْهُ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابَةِ ، عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ : أَنَّهُ لَيْسَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ ; لِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ ، يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ إِلَى أَجَلٍ ، فَيَضَعُ عَنْهُ ، وَيُنْقِدُهُ ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ الدَّيْنِ ، إِنَّمَا كَانَتْ قِطَاعَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا فِي أَنْ يَتَعَجَّلَ الْعِتْقَ ، فَيَجِبُ لَهُ الْمِيرَاثُ وَالشَّهَادَةُ وَالْحُدُودُ ، وَتُثْبَتُ لَهُ حُرْمَةُ الْعَتَاقَةِ ، وَلَمْ يَشْتَرِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمِ ، وَلَا ذَهَبًا بِذَهَبٍ ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ قَالَ لِغُلَامِهِ : ائْتِنِي بِكَذَا وَكَذَا دِينَارًا ، وَأَنْتَ حُرٌّ ، فَوَضَعَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنْ جِئْتَنِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَلَيْسَ هَذَا دَيْنًا ثَابِتًا ، وَلَوْ كَانَ دَيْنًا ثَابِتًا لَحَاصَّ بِهِ السَّيِّدُ غُرَمَاءَ الْمُكَاتَبِ ، إِذَا مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ ، فَدَخَلَ مَعَهُ فِي مَالِ مُكَاتَبِهِ . 34587 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا ; فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَلَا يُجِيزُهُ ، فَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أُمَّ سَلَمَةَ ، وَبِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ . 34588 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْمُكَاتَبِ فِي مَا يَمْلِكُهُ ، غَيْرُ حُكْمِ الْعَبْدِ ، لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ غَيْرَ نِجَامَتِهِ ، فَأَشْبَهَ الْحُرَّ وَالْأَجْنَبِيَّ ، فِي هَذَا الْمَعْنَى .
34589 - ذَكَرَ الْمُزَنِيُّ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَلَوْ عَجَّلَ لَهُ بَعْضَ الْكِتَابَةِ ; عَلَى أَنْ يُبَرّئهُ مِنَ الْبَاقِي ، لَمْ يَجُزْ ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَ ، وَلَمْ يُعْتَقْ ; لِأَنَّهُ أَبْرَأَهُ مِمَّا لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُ . 34590 - وَرَوَى الرَّبِيعُ ، عَنِ الشَّافِعِيِّ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَتْ نُجُومُهُ غَيْرَ حَالَّةٍ ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَهَا حَالًا ، عَلَى أَنْ يُبَرِّئهُ مِنَ الْبَاقِي فَيَعْتَقَ ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، كَمَا لَا يَجُوزُ فِي دَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ عَلَى حُرٍّ أَنْ يَتَعَجَّلَ بَعْضَهُ ; عَلَى أَنْ يَضَعَ لَهُ بَعْضًا . 34591 - وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنِ الْكُوفِيِّينَ فِي مَنْ كَاتَبَ عَبْدًا لَهُ عَلَى مَالٍ إِلَى أَجَلٍ ، ثُمَّ صَالَحَهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ عَلَى أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ بَعْضَ ذَلِكَ الْمَالِ ، وَيَبْرَأَ مِنْ بَقِيَّتِهِ ، لَمْ يَجُزْ فِيمَا رَوَى أَصْحَابُ «الْإِمْلَاءِ» عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ قَوْلِهِ .
34592 - وَأَمَّا مُحَمَّدٌ ; فَرَوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ . 34593 - وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيُّ مَا رَوَى أَصْحَابُ «الْإِمْلَاءِ» عَنْ أَبِي يُوسُفَ . 34594 - وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ ، وَرَبِيعَةُ ، وَأَبُو الزِّنَادِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ، وَجَابِرٌ ، وَابْنُ هُرْمُزَ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُمَا : ذَلِكَ جَائِزٌ .
34595 - وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَطَاوُسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ . 34596 - وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَرِهَهُ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ . 34597 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : أَمَّا الْعَبْدُ ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ رِبًا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ .
34598 - وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ إِلَى مَالِهِ سَبِيلٌ غَيْرَ مَا كَاتَبَهُ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يَعْجِزَ . 34599 - وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبِيعَ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ ، أَوْ مُكَاتَبِهِ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ نَسِيئَةً ، وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ . 34600 - وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، فِي الْمُكَاتَبِ يُحِيلُ سَيِّدَهُ بِنَجْمٍ لَمْ يَحِلَّ عَلَى دَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; مِنْ أَجْلِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ .
34601 - وَقَالَ سَحْنُونٌ : هُوَ جَائِزٌ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ بِإِجَازَةِ الْقِطَاعَةِ يَرُدُّ هَذَا ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .