بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي التَّدْبِيرِ
ج٢٣ / ص٣٧٤( 3 ) بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي التَّدْبِيرِ 1519 - قَالَ مَالِكٌ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ عَتَاقَةٍ أَعْتَقَهَا رَجُلٌ فِي وَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا فِي صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَنَّهُ يَرُدُّهَا مَتَى شَاءَ ، وَيُغَيِّرُهَا مَتَى شَاءَ ، مَا لَمْ يَكُنْ تَدْبِيرًا ، فَإِذَا دَبَّرَ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى رَدِّ مَا دَبَّرَ . قَالَ مَالِكٌ : وَكُلُّ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ أَمَةٌ ، أَوْصَى بِعِتْقِهَا وَلَمْ تُدَبَّرْ ، فَإِنَّ وَلَدَهَا لَا يُعْتَقُونَ مَعَهَا إِذَا عَتَقَتْ ، وَذَلِكَ أَنَّ سَيَّدَهَا يُغَيِّرُ وَصِيَّتَهُ إِنْ شَاءَ ، وَيَرُدَّهَا مَتَى شَاءَ ، وَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا عَتَاقَةً ، وَأَنَّهَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قَالَ لِجَارِيَتِهِ : إِنْ بَقِيَتْ عِنْدِي فُلَانَةُ حَتَّى أَمُوتَ فَهِيَ حُرَّةٌ . قَالَ مَالِكٌ : فَإِنْ أَدْرَكَتْ ذَلِكَ ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ ، وإِنْ شَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ بَاعَهَا وَوَلَدَهَا ، لِأَنَّهُ لَمْ يُدْخِلْ وَلَدَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا جُعِلَ لَهَا .
قَالَ : وَالْوَصِيَّةُ فِي الْعَتَاقَةِ مُخَالِفَةٌ لِلتَّدْبِيرِ ، فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ . قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بِمَنْزِلَةِ التَّدْبِيرِ ، كَانَ كُلُّ مُوصٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ ، وَمَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ ، وَكَانَ قَدْ حَبَسَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ ج٢٣ / ص٣٧٥34986 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ - فِيمَا عَلِمْتُ - أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَيْسَتْ كَالتَّدْبِيرِ إِلَّا مَنْ جَعَلَ الْمُدَبَّرَ وَصِيَّةً ، أَجْرَى لِلْمُدَبَّرِ الرُّجُوعَ فِيمَا دَبَّرَ كَالرُّجُوعِ فِي الْوَصِيَّةِ ; فَمَنْ قَالَ بِهَذَا رَأَى التَّدْبِيرَ كَالْوَصِيَّةِ ، فَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ : الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةٌ . 34987 - وَلَيْسَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّ الْوَصِيَّةَ تَدْبِيرٌ ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ : لَيْسَ الْمُدَبَّرُ وَصِيَّةً ، لَمْ يُجِزْ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ ، وَلَا الرُّجُوعَ فِيهِ .
34988 - وَسَنَذْكُرُ فِي بَابِ : بَيْعِ الْمُدَبَّرِ ، مَنْ رَأَى بَيْعَهُ ، وَرَآهُ وَصِيَّةً ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . 34989 - وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي لَفْظِ التَّدْبِيرِ . 34990 - فَقَالَ مَالِكٌ : إِذَا قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ وَجْهَ الْوَصِيَّةِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَإِنْ أَرَادَ التَّدْبِيرَ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهِ .
34991 - وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ : إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إِنْ مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ . 34992 - وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ . 34993 - قَالُوا : وَإِنْ قَالَ : إِنْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ جَازَ ج٢٣ / ص٣٧٦بَيْعُهُ ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ، فَهُوَ حُرٌّ .
34994 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ قَالَ : إِنْ قَدِمْتُ مِنْ سَفَرِي ، أَوْ مُتُّ مِنْ مَرَضِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ . 34995 - وَاخْتَلَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، فِي مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ ، هَلْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ وَصِيَّةً ، أَوْ تَدْبِيرًا ، حَتَّى مَاتَ : 34996 - فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : هُوَ عَلَى الْوَصِيَّةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ التَّدْبِيرُ . 34997 - وَقَالَ أَشْهَبُ : إِنْ كَانَ ذَلِكَ ، فِي غَيْرِ حِينِ إِحْدَاثِ وَصِيَّةٍ ولَا سَفَرٍ ، وَلَا لِمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
فَهُوَ تَدْبِيرٌ . 34998 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ مُدَبَّرٌ ، أَوْ : أَنْتَ عَتِيقٌ ، أَوْ : حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ، أَوْ : حِينَ مُتُّ ، أَوْ : مَتَى دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَهَذَا كُلُّهُ تَدْبِيرٌ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُهُ فِي مَا شَاءَ مِنْهُ ، وَيَبِيعُهُ مَتَى شَاءَ ، فَهُوَ وَصِيَّةٌ ، وَالْمُدَبَّرُ عِنْدَهُ وَصِيَّةٌ ، يُرْجَعُ فِيهِ كَمَا يُرْجَعُ فِي سَائِرِ الْوَصَايَا .