حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب جَامِعِ الْوُضُوءِ

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ ؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ، أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، فَلَا يُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ ، أُنَادِيهِمْ : أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ، فَأَقُولُ : فَسُحْقًا فَسُحْقًا فَسُحْقًا . 60 58 - ( مَالِكٌ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ يَعْقُوبَ الْحُرَقِيِّ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا قَافٌ ، الْمَدَنِيِّ ، عَنِ : ابْنِ عُمَرَ ، وَأَنَسٍ وَطَائِفَةٍ ، وَعَنْهُ : ابْنُهُ شِبْلٌ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَمَالِكٌ ، وَشُعْبَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( عَنْ أَبِيهِ ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ الْمَدَنِيِّ مَوْلَى الْحُرَقَةِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَقَافٍ ، فَخْذٌ مِنْ جُهَيْنَةَ ، ثِقَةٌ ، رَوَى لَهُ وَلِابْنِهِ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ .

( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبَرَةِ ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ وَالْكَسْرُ أَقَلُّهَا ، مَوْضِعُ الْقُبُورِ . ( فَقَالَ : ) لِيَحْصُلَ لَهُمْ ثَوَابُ التَّحِيَّةِ وَبَرَكَتُهَا ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) قَالَ ابْنُ قُرْقُولٍ : بِنَصْبِ دَارٍ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ النِّدَاءِ الْمُضَافِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، قَالَ : وَيَصِحُّ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْكَافِ وَالْمِيمِ فِي عَلَيْكُمْ ، وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ الْجَمَاعَةُ أَوِ الْأَهْلُ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ مِثْلُهُ أَوْ أَهْلُ الْمَنْزِلِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : يَعْنِي الِاخْتِصَاصَ اللُّغَوِيَّ لَا الصِّنَاعِيَّ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ تَقْدِيمُ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ أَوِ الْمُخَاطَبِ ، ا هـ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحِيٌّ أَيْضًا . قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْكَشَّافِ : الْمُرَادُ بِالِاخْتِصَاصِ هُنَا النَّصْبُ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ ، وَقَدْ أَكْثَرَ الْكِرْمَانِيُّ من التعبير بِالِاخْتِصَاصِ فِي مِثْلِ هَذَا .

قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَعِيَاضٌ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ أُحْيُوا لَهُ حَتَّى سَمِعُوا كَلَامَهُ كَأَهْلِ الْقَلِيبِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَمْوَاتًا لِامْتِثَالِ أُمَّتِهِ ذَلِكَ بَعْدَهُ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهُوَ الْأَظْهَرُ . ( وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ : لِلْعُلَمَاءِ فِي إِتْيَانِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا شَكَّ فِيهِ أَقْوَالٌ ، أَظْهَرُهَا : أَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّكِّ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّبَرُّكِ وَامْثِتَالِ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : الِاسْتِثْنَاءُ قَدْ يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ لَا شَكًّا كَقَوْلِهِ : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ( سُورَةُ الْفَتْحِ : الْآيَةُ 27 ) ، وَلَا يُضَافُ الشَّكُّ إِلَى اللَّهِ .

وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ يَحْسُنُ بِهِ كَلَامُهُ . وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى اللُّحُوقِ فِي هَذَا الْمَكَانِ وَالْمَوْتِ بِالْمَدِينَةِ . وَالرَّابِعُ : أَنَّ إِنْ بِمَعْنَى إِذْ .

وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى اسْتِصْحَابِ الْإِيمَانِ لِمَنْ مَعَهُ . وَالسَّادِسُ : أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مَنْ يُظَنُّ بِهِمُ النِّفَاقُ فَعَادَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَيْهِمْ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى مَعْنَى مُؤْمِنِينَ أَيْ لَاحِقُونَ فِي حَالِ إِيمَانٍ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ لَا يَأْمَنُهَا أَحَدٌ ، أَلَا تَرَى قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ( سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : الْآيَةُ 35 ) ، وَقَوْلَ يُوسُفَ : تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( سُورَةُ يُوسُفَ : الْآيَةُ 101 ) ، وَلِأَنَّ نَبِيَّنَا يَقُولُ : اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ اهـ .

وَاسْتَبْعَدَ الْأَبِيُّ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَنْصَارِ : الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ ، قَالَ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلُ . ( وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ ) فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَيُحْتَمَلُ تَمَنِّي لِقَائِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ قَالَهُ عِيَاضٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ أَصْحَابَهُ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ وَيَرَاهُمْ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : أَنِّي لَقِيتُ ( إِخْوَانَنَا ) قِيلَ وَجْهُ اتِّصَالِ وَدِّهِ ذَلِكَ بِرُؤْيَةِ أَصْحَابِ الْقُبُورِ أَنَّهُ عِنْدَ تَصَوُّرِهِ السَّابِقِينَ تَصَوَّرَ اللَّاحِقِينَ أَوْ كُشِفَ لَهُ عَنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ . ( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي ) ، قَالَ الْبَاجِيُّ : لَمْ يَنْفِ بِذَلِكَ أُخُوَّتَهُمْ وَلَكِنْ ذَكَرَ مَرْتَبَتَهُمُ الزَّائِدَةَ بِالصُّحْبَةِ وَاخْتِصَاصَهُمْ بِهَا ، وَإِنَّمَا مَنَعَ أَنْ يُسَمَّوْا بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ وَالْوَصْفَ عَلَى سَبِيلِ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ لِلْمُسَمَّى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِأَرْفَعِ حَالَاتِهِ وَأَفْضَلِ صِفَاتِهِ ، وَلِلصَّحَابَةِ بِالصُّحْبَةِ دَرَجَةٌ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهَا أَحَدٌ فَيَجِبُ أَنْ يُوصَفُوا بِهَا ، اهـ .

وَقَبِلَهُ عِيَاضٌ ثُمَّ النَّوَوِيُّ وَزَادَ : فَهَؤُلَاءِ إِخْوَةٌ صَحَابَةٌ ، وَالَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا إِخْوَةٌ لَيْسُوا بِصَحَابَةٍ . وَقَالَ الْأَبِيُّ : حَمَلَ الْبَاجِيُّ الْأُخُوَّةَ عَلَى أَنَّهَا فِي الْإِيمَانِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الصُّحْبَةَ أَخَصُّ ، وَحَمَلَهَا أَبُو عُمَرَ عَلَى أُخُوَّةِ الْعِلْمِ وَالْقِيَامِ بِالْحَقِّ عِنْدَ قِلَّةِ الْقَائِمِينَ بِهِ ، الْمَقُولُ فِيهِمْ وَهُوَ يُخَاطِبُ أَصْحَابَهُ : لِلْعَامِلِ مِنْهُمْ أَجْرُ سَبْعِينَ مِنْكُمْ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفَهُمْ بِهِ ، وَرَأَى أَنَّ هَذِهِ الْأُخُوَّةَ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الصُّحْبَةِ وَلَا يَبْعُدُ كُلٌّ مِنَ الْحَمْلَيْنِ . ( وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ ) ، وَدَلَّ بِإِثْبَاتِ الْأُخُوَّةِ لِهَؤُلَاءِ عَلَى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ وَأَنَّهُمْ حَازُوا فضيلة الْآخِرِيَّةِ كَمَا حَازَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِيَّةِ ، وَهُمُ الْغُرَبَاءُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ وَهُمُ الْخُلَفَاءُ الَّذِينَ أَفَادَهُمْ بِقَوْلِهِ : رَحِمَ اللَّهُ خُلَفَائِي وَهُمُ الْقَابِضُونَ عَلَى دِينِهِمْ عِنْدَ الْفِتَنِ ، الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : الْقَابِضُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْسُرُ عَلَى الْفَطِنِ اسْتِخْرَاجُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَأَوْرَدَ كَيْفَ يَتَمَنَّى رُؤْيَتَهُمْ وَهُوَ حَيٌّ وَهُمْ حِينَئِذٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا وُجُودَ لَهُمْ فِي الْخَارِجِ وَالْمَعْدُومُ لَا يُرَى ، وَأَيْضًا هُوَ مِنْ تَمَنِّي مَا لَا يَكُونُ لِأَنَّ عُمْرَهُ لَا يَمْتَدُّ حَتَّى يَرَى آخِرَهُمْ .

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ أَوْ رُؤْيَةُ تَمْثِيلٍ بِمَعْنَى أَنْ يُمَثَّلُوا لَهُ كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ الْجَنَّةُ فِي عُرْضِ الْحَائِطِ ، أَوْ أَنَّ هَذَا مِنْ رُؤْيَةِ الْكَوْنِ وَزَوْيِ الْأَرْضِ حَتَّى رَأَى مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ لَهُ ، وَعَبَّرَ عَنْ هَذَا بَعْضُ الْعَارِفِينَ بِأَنَّ عِلْمَ الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ ، وَعِلْمُهُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّسَبِ الزَّمَانِيَّةِ ، فَكَذَا عِلْمُ أَنْبِيَائِهِ حَالَةَ التَّجَلِّي وَالْكَشْفِ ، فَهُمْ لِمَا خُلِقُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّطْهِيرِ وَالتَّجَرُّدِ عَنِ الْأَدْنَاسِ صَارَتْ مِرْآةُ الْكَوْنِ تَنْجَلِي فِي سَرَائِرِهِمْ ، وَصَارَ الْكَوْنُ كُلُّهُ كَأَنَّهُ جَوْهَرَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُمْ مِرْآتُهُ الْمَصْقُولَةُ الَّتِي تَنْجَلِي فِيهَا الْحَقَائِقُ وَالدَّقَائِقُ ، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَقَامِ الْجَمْعِ وَوَقْتِ التَّجَلِّي وَرُبَّمَا كَانَ فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحَةٍ ، ثُمَّ بَعْدَهَا يَرْجِعُ الْعَبْدُ لِوَطَنِهِ وَإِلَى شُهُودِ تَفْرِقَتِهِ وَأَحْكَامِ حِسِّهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْحَالُ مُسْتَمِرًّا تَمَنَّى أَنْ يَرَاهُمْ رُؤْيَةَ كَشْفٍ وَإِدْرَاكٍ فِي ذَلِكَ الْآنَ ، وَبِتَأَمُّلِ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَبَرِ : تَجَلَّى لِي عِلْمُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَخَبَرِ : زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ ، اهـ . وَأُورِدَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَمَنِّيِ الْمَوْتَ وَقَدْ قَالَ : لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ ، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمَلْزُومِيَّةِ وَإِنْ سَلِمَتْ ، فَالْمَنْعُ لِمَا قَالَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ تَمَنٍّ حَقِيقِيٌّ وَقَدْ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً وَإِنَّمَا هُوَ تَشْرِيفٌ لِقَدْرِ أُولَئِكَ الْإِخْوَانِ . ( وَأَنَا فَرَطُهُمْ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَبَعْدَ الطَّاءِ هَاءٌ أَيْ فَرَطُ إِخْوَانِنَا وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ بِالْكَافِ بَدَلَ الْهَاءِ خِطَابًا لِلصَّحَابَةِ .

( عَلَى الْحَوْضِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : يُرِيدُ أَنَّهُ يَتَقَدَّمُهُمْ إِلَيْهِ وَيَجِدُونَهُ عِنْدَهُ ، يُقَالُ : فَرَطْتُ الْقَوْمَ إِذَا تَقَدَّمْتَهُمْ لِتَرْتَادَ لَهُمُ الْمَاءَ وَتُهَيِّئَ لَهُمُ الدِّلَاءَ وَالرِّشَاءَ ، وَافْتَرَطَ فُلَانٌ ابْنًا لَهُ أَيْ تَقَدَّمَ لَهُ ابْنٌ . اهـ . وَبِهَذَا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فَضَرَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلًا لِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ يُهَيِّئُ لَهُمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَا أَمَامَكُمْ وَأَنْتُمْ وَرَائِي لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ أُمَّتَهُ شَافِعًا وَعَلَى الْحَوْضِ .

( فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ ) ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ : كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ . ( قَالَ : أَرَأَيْتَ ) أَخْبِرْنِي ( لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ ) وَلِمُسْلِمٍ : لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ ( خَيْلٌ غُرٌّ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الرَّاءِ جَمْعُ أَغَرَّ أَيْ ذُو غُرَّةٍ . وَهِيَ بَيَاضٌ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ ( مُحَجَّلَةٌ ) بِمُهْمَلَةٍ فَجِيمٍ مِنَ التَّحْجِيلِ وَهُوَ بَيَاضٌ فِي ثَلَاثَةِ قَوَائِمَ مِنْ قَوَائِمِ الْفَرَسِ وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَجْلِ وَهُوَ الْخَلْخَالُ ( فِي خَيْلٍ دُهْمٍ ) بِضَمِّ الدَّالِ وَسُكُونِ الْهَاءِ جَمْعُ أَدْهَمَ وَالدُّهْمَةُ السَّوَادُ ( بُهْمٍ ) جَمْعُ بَهِيمٍ قِيلَ هُوَ الْأَسْوَدُ أَيْضًا ، وَقِيلَ : الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنُهُ لَوْنَ سِوَاهُ سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ أَبْيَضَ أَوْ أَحْمَرَ بَلْ يَكُونُ لَوْنُهُ خَالِصًا .

( أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ) يَعْرِفُهَا ، وَبَلَى حَرْفُ إِيجَابٍ يَرْفَعُ حُكْمَ النَّفْيِ وَيُوجِبُ نَقِيضَهُ أَبَدًا . ( قَالَ : فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) حَالَ كَوْنِهِمْ ( غُرًّا ) أَصْلُ الْغُرَّةِ لَمْعَةٌ بَيْضَاءُ فِي جَبْهَةِ الْفَرَسِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِي الْجَمَالِ وَالشُّهْرَةِ وَطِيبِ الذِّكْرِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا النُّورُ الْكَائِنُ فِي وُجُوهِ أُمَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( مُحَجَّلِينَ ) مِنَ التَّحْجِيلِ وَالْمُرَادُ النُّورُ أَيْضًا .

( مِنَ الْوُضُوءِ ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَاءُ ، قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ السِّيمَا إِنَّمَا تَكُونُ لِمَنْ تَوَضَّأَ فِي الدُّنْيَا ، وَبِهِ جَزَمَ الْأَنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا تَكُونُ حَتَّى لِمَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ كَمَا يُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ مَنْ صَلَّى وَمَنْ لَا ، وَفِي قِيَاسِهِ عَلَى الْإِيمَانِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَالشَّهَادَةُ وَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ وَفَعَلَ الْحَرَامَ ، بِخِلَافِ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَمُجَرَّدُ فَضِيلَةٍ وَتَشْرِيفٍ لِمَنْ تَوَضَّأَ بِالْفِعْلِ لَا لِسِوَاهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُتَوَضِّئُ فِي حَيَاتِهِ لَا مَنْ وَضَّأَهُ الْغَاسِلُ ، فَلَوْ تَيَمَّمَ لِعُذْرٍ طُولَ حَيَاتِهِ حَصَلَتْ لَهُ السِّيمَا لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْوُضُوءِ وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوءًا فَقَالَ : الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُؤْمِنِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ . ( وَأَنَا فَرَطُهُمْ ) مُتَقَدِّمُهُمُ السَّابِقُ . ( عَلَى الْحَوْضِ ) وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِتَقَدُّمِهِ سَابِقًا ، لَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّ مُسْلِمًا رَوَى السَّابِقَ بِالْكَافِ فَعَلَيْهِ يَكُونُ بَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ كَمَا أَنَّهُ فَرَطُ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذَا أَوَّلًا كَذَلِكَ هُوَ فَرَطٌ لِأُمَّتِهِ الْآتِينَ بَعْدَهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .

( فَلَا يُذَادَنَّ ) بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٍ فَمُهْمَلَةٍ أَيْ لَا يُطْرَدَنَّ ، كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى ، وَمُطَرِّفٌ ، وَابْنُ نَافِعٍ عَلَى النَّهْيِ أَيْ لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدٌ فِعْلًا يُذَادُ بِهِ عَنْ حَوْضِي . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيَشْهَدُ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا : إِنِّي فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، فَلَا يَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، وَرَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ : فَلَيُذَادَنَّ بِلَامِ التَّأْكِيدِ عَلَى الْإِخْبَارِ أَيْ لَيَكُونَنَّ لَا مَحَالَةَ مَنْ يُذَادُ . قَالَ الْبَاجِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَسْلَمُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ : أَلَا لَيُذَادَنَّ ( رِجَالٌ ) بِالْجَمْعِ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ إِلَّا يَحْيَى ، فَقَالَ رَجُلٌ بِالْإِفْرَادِ قَالَهُ أَبُو عِمْرَانَ عَلَى إِرَادَةِ الْجِنْسِ ( عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ ) يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنَ الْإِبِلِ بِخِلَافِ الْجَمَلِ ، فَالذَّكَرُ كَالْإِنْسَانِ وَالرَّجُلِ .

( الضَّالُّ ) الَّذِي لَا رَبَّ لَهُ فَيَسْقِيهِ ( أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مُشَدَّدَةً يَسْتَوِي فِيهِ الْجَمْعُ وَالْمُفْرَدُ وَالْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فِي لُغَة الحجاز ، وَمِنْهُ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 18 ) أَيْ تَعَالَوْا . ( أَلَا هَلُمَّ أَلَا هَلُمَّ ) ذَكَرَهُ ثَلَاثًا ( فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ غَيَّرُوا سُنَّتَكَ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فَأَقُولُ : رَبِّ إِنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ : مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ، وَاسْتَشْكَلَ مَعَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم : حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ وَمَمَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ ، تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ ، فَمَا كَانَ مِنْ حَسَنٍ حَمِدْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكُمْ ، رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ عَرْضًا مُجْمَلًا فَيُقَالُ : عَمِلَتْ أُمَّتُكَ شَرًّا عَمِلَتْ خَيْرًا ، أَوْ أَنَّهَا تُعْرَضُ دُونَ تَعْيِينِ عَامِلِهَا ، ذَكَرَهُ الْأَبِيُّ وَفِيهِمَا بُعْدٌ ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَتُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ غُدْوَةً وَعَشِيًّا فَيَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالِهِمْ ، فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ مُنَادَاتَهُمْ لِزِيَادَةِ الْحَسْرَةِ وَالنَّكَالِ ، إِذْ بِمُنَادَاتِهِ لَهُمْ حَصَلَ عِنْدَهُمْ رَجَاءُ النَّجَاةِ ، وَقَطْعُ مَا يُرْجَى أَشَدُّ فِي النَّكَالِ وَالْحَسْرَةِ مِنْ قَطْعِ مَا لَا يُرْجَى ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إِنَّهُمْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ لِأَنَّهُ أَيْضًا زِيَادَةٌ فِي تَنْكِيلِهِمْ ، وَهِيَ أَجْوِبَةٌ إِقْنَاعِيَّةٌ يَرُدُّ عَلَى ثَالِثِهَا رِوَايَةُ : فَأَقُولُ : رَبِّ إِنَّهُمْ مِنْ أُمَّتِي ، فَيَقُولُ : مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ( فَأَقُولُ فَسُحْقًا ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِهَا لُغَتَانِ أَيْ بُعْدًا ( فَسُحْقًا فَسُحْقًا ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَنَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أَلْزَمَهُمُ اللَّهُ أَوْ سَحَقَهُمْ سُحْقًا .

قَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّينَ وَكُلُّ مَنْ تَوَضَّأَ يُحْشَرُ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ فَلِأَجْلِهَا دَعَاهُمْ ، وَلَوْ لَمْ تَكُنِ السِّيمَا إِلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ لَمَا دَعَاهُمْ وَلَمَا ظَنَّ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَدَّلَ بَعْدَهُ وَارْتَدَّ ، فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلْمِهِ بِهِمْ أَيَّامَ حَيَاتِهِ وَإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ غُرَّةٌ وَلَا تَحْجِيلٌ لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ عِنْدَهُ فِي حَيَاتِهِ وَصُحْبَتِهِ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ وَظَاهِرِهِ ، قَالَ عِيَاضٌ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُعْطَوْنَ نُورًا وَيُطْفَأُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، فَكَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ نُورًا بِظَاهِرِ إِيمَانِهِمْ لِيَغْتَرُّوا بِهِ حَتَّى يُطْفَأَ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ عَلَى الصِّرَاطِ ، كَذَلِكَ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ غُرَّةٌ وَتَحْجِيلٌ حَتَّى يُذَادُوا عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إِلَى الْوُرُودِ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَمَكْرًا بِهِمْ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُحَتِّمُ بِهِ لِلْمَذَادِينَ بِدُخُولِ النَّارِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُذَادُوا وَقْتًا فَتَلْحَقُهُمْ شِدَّةٌ وَيَقُولُ لَهُمْ سُحْقًا ، ثُمَّ يَتَلَافاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَيُشَفِّعُ فِيهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عِيَاضٌ وَالْبَاجِيُّ : وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .

زَادَ عِيَاضٌ : أَوْ مَنْ بَدَّلَ بِبِدْعَةٍ لَا تُخْرِجُهُ عَنِ الْإِسْلَامِ . قَالَ غَيْرُهُ : وَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ غُرَّةٍ وَتَحْجِيلٍ لِكَوْنِهِمْ مِنْ جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ ، وَأَشَدُّهُمْ مَنْ خَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ ، وَكَذَلِكَ الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَطَمْسِ الْحَقِّ وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُخَافُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ عُنُوا بِهَذَا الْخَبَرِ ، اهـ .

وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ بِنَحْوِهِ فِي مُسْلِمٍ أَيْضًا وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنَّ ابْنَ شَاكِرٍ رَوَى فِي كِتَابِ مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْمُوَطَّأَ فَقَالَ : مَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ أَلَّفَ كِتَابًا أَحْسَنَ مِنْ مُوَطَّأِ مَالِكٍ وَمَا ذَكَرَ فِيهِ مِنَ الْأَخْبَارِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَرْغُوبًا عَنْهُ الرِّوَايَةُ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ فِي كُتُبِهِ ، وَمَا عَلِمْتُهُ ذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ ذِكْرُ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَا فِي حَدِيثِ : لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي ، فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ مَالِكًا ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهُ فِي الْمُوَطَّأِ .

ورد في أحاديث3 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث