حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى

وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ، قَالُوا : بَلَى ، قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ : وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . 490 493 - ( مَالِكٌ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ) مَيْسَرَةَ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ، عَابِدٌ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَخَرَّجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . ( أَنَّهُ قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ) عُوَيْمِرٌ مُصَغَّرٌ ، وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ، وَكَانَ عَابِدًا مَشْهُورًا بِكُنْيَتِهِ ، مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، وَقِيلَ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ( أَلَا ) حَرْفُ تَنْبِيهٍ يُؤَكَّدُ بِهِ الْجُمْلَةُ الْمُصَدِّرَةُ بِهِ ( أَخْبِرُكُمْ ) وَفِي رِوَايَةٍ أُنْبِئُكُمْ ( بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ) أَيْ أَفْضَلِهَا لَكُمْ ( وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ) أَيْ مَنَازِلِكُمْ فِي الْجَنَّةِ ( وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ) أَيْ أَنْمَاهَا وَأَطْهَرِهَا عِنْدَ رَبِّكُمْ وَمَالِكِكُمْ ( وَخَيْرٍ ) بِالْخَفْضِ ( لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ ) وَفِي رِوَايَةٍ إِنْفَاقِ ( الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، الْفِضَّةِ ( وَخَيْرٍ لَكُمْ ) بِالْخَفْضِ أَيْضًا عَطْفٌ عَلَى خَيْرِ أَعْمَالِكُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَذْلِ أَمْوَالِكُمْ وَنُفُوسِكُمْ ؟ قَالَهُ الطِّيبِيُّ ( مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ) الْكُفَّارَ ( فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ) يَعْنِيَ تَقْتُلُوهُمْ وَيَقْتُلُوكُمْ بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَالُوا : بَلَى ) أَخْبِرْنَا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ : قَالُوا وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ( قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ) ; لِأَنَّ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مِنَ الْأَنْفَالِ وَقِتَالِ الْعَدُوِّ ، وَسَائِلُ وَوَسَائِطُ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالذِّكْرُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَسْنى ، وَرَأْسُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْعُلْيَا وَالْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى الْإِسْلَامِ ، وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا أَرْكَانُهُ ، وَالشُّعْبَةُ الَّتِي هِيَ أَعْلَى شُعَبِ الْإِيمَانِ ، بَلْ هِيَ الْكُلُّ وَلَيْسَ غَيْرَهُ قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ( سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : الْآيَةُ 108 ) أَيِ الْوَحْيُ مَقْصُورٌ عَلَى التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهُ الْقَصْدُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْوَحْيِ ، وَوَقَعَ غَيْرُهُ تَبَعًا وَلِذَا آثَرَهَا الْعَارِفُونَ عَلَى جَمِيعِ الْأَذْكَارِ لِمَا فِيهَا مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِالْوِجْدَانِ وَالذَّوْقِ ، قَالُوا : وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ كَانَ أَفْضَلَ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، وَلَوْ خُوطِبَ شُجَاعٌ بَاسِلٌ يَحْصُلُ بِهِ نَفْعُ الْإِسْلَامِ فِي الْقِتَالِ لَقِيلَ لَهُ الْجِهَادُ ، أَوْ غَنِيٌّ يَنْتَفِعُ الْفُقَرَاءُ بِمَالِهِ لَقِيلَ الصَّدَقَةُ ، أَوِ الْقَادِرُ عَلَى الْحَجِّ لَقِيلَ لَهُ الْحَجُّ ، أَوْ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ قِيلَ بَرَّهُمَا ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ .

وَقَالَ الْحَافِظُ : الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا الذِّكْرُ الْكَامِلُ ، وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ذِكْرُ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ بِالشُّكْرِ وَاسْتِحْضَارِ عَظَمَةِ الرَّبِّ ، وَهَذَا لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ ، وَفَضْلُ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ذِكْرِ اللِّسَانِ الْمُجَرَّدِ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ ، وَهُوَ ذِكْرُهُ عِنْدَ الْأَوَامِرِ بِامْتِثَالِهَا وَالْمَعَاصِي بِاجْتِنَابِهَا ، وَذِكْرُ اللِّسَانِ وَاجِبٌ كَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ وَشِبْهِ ذَلِكَ ، وَمَنْدُوبٌ وَهُوَ سَائِرُ الْأَذْكَارِ ، فَالْوَاجِبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَضَّلَ عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْبَرِّ ، وَالْمَنْدُوبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَضَّلَ لِعِظَمِ ثَوَابِهِ وَهُدَاهُ لِطَرِيقِ الْخَيْرِ أَوْ لِكَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ ، انْتَهَى . وَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنَ التِّلَاوَةِ ، وَيُعَارِضُهُ خَبَرُ : أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمَّتِي تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَجَمَعَ الْغَزَالِيُّ بِأَنَّ الْقُرْآنَ أَفْضَلُ لِعُمُومِ الْخَلْقِ ، وَالذِّكْرَ أَفْضُلُ لِلذَّاهِبِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ فِي بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى صُنُوفِ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالْإِرْشَادِ إِلَى الطَّرِيقِ ، فَمَا دَامَ الْعَبْدُ مُفْتَقِرًا إِلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَتَحْصِيلِ الْمَعَارِفِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى ، فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ وَاسْتَوْلَى الذِّكْرُ عَلَى قَلْبِهِ فَمُدَاوَمَةُ الذِّكْرِ أَوْلَى ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُجَاذِبُ خَاطِرَهُ وَيَسْرَحُ بِهِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، وَالذَّاهِبُ إِلَى اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إِلَى الْجَنَّةِ بَلْ يَجْعَلُ هَمَّهُ هَمًّا وَاحِدًا وَذِكْرَهُ ذِكْرًا وَاحِدًا لِيُدْرِكَ دَرَجَةَ الْفَنَاءِ وَالِاسْتِغْرَاقِ .

قَالَ تَعَالَى : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ( سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ : الْآيَةُ 45 ) وَأَخَذَ ابْنُ الْحَاجِّ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ تَرْكَ طَلَبِ الدُّنْيَا أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَخْذِهَا وَالتَّصَدُّقِ بِهَا ، وَأَيَّدَهُ بِمَا فِي الْقُوتِ عَنِ الْحَسَنِ : لَا شَيْءَ أَفْضَلُ مِنْ رَفْضِ الدُّنْيَا ، وَبِمَا فِي غَيْرِهِ عَنْهُ : أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلَيْنِ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الدُّنْيَا بِحَلَالِهَا فَأَصَابَهَا فَوَصَلَ بِهَا رَحِمَهُ وَقَدَّمَ فِيهَا نَفْسَهُ ، وَتَرْكَ الْآخَرُ الدُّنْيَا . فَقَالَ : أَحَبُّهُمَا إِلَيَّ الَّذِي جَانَبَ الدُّنْيَا . ( قَالَ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ) مَيْسَرَةُ ( وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) كُنْيَةٌ ( مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ) بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ، مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا ، وَإِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ وَالْقُرْآنِ ، مَاتَ بِالشَّامِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ، وَهَذَا قَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ مُعَاذٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ ) ، وَفِي رِوَايَةٍ آدَمِيٌّ ( مِنْ عَمَلٍ ) وَفِي رِوَايَةٍ عَمَلًا ( أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ) ; لِأَنَّ حَظَّ الْغَافِلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَارِهِمُ الْأَوْقَاتُ وَالسَّاعَاتُ الَّتِي عَمَّرُوهَا بِذِكْرِ اللَّهِ ، وَسَائِرُ مَا عَدَاهُ هَدَرُ .

كَيْفَ وَنَهَارُهُمْ شَهْوَةٌ ، وَنَوْمُهُمُ اسْتِغْرَاقٌ وَغَفْلَةٌ ، فَيَقْدَمُونَ عَلَى رَبِّهِمْ فَلَا يَجِدُونَ مَا يُنْجِيهِمْ إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ حَتَّى يَنْقَطِعَ ، ثُمَّ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ حَتَّى يَنْقَطِعَ ، ثُمَّ تَضْرِبَ بِسَيْفِكَ حَتَّى يَنْقَطِعَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فَضَائِلُ الذِّكْرِ كَثِيرَةٌ لَا يُحِيطُ بِهَا كِتَابٌ وَحَسْبُكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ( سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ : الْآيَةُ 45 ) أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ الْعَبْدَ فِي الصَّلَاةِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَمَعْنَى ذِكْرِ اللَّهِ الْعَبْدَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَدِيثِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنْ ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَأَكْرَمَ .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث