بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ . 499 502 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( الْمَكِّيِّ ) الْأَسَدِيِّ ، مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ .
وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : ثِقَةٌ ، حَافِظٌ ، مُتْقِنٌ ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَى قَوْلِ شُعْبَةَ فِيهِ ، وَرَوَى لَهُ الْجَمِيعُ ، مَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ ، وَقِيلَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ طَاوُسٍ ) ابْنِ كَيْسَانَ ( الْيَمَانِيِّ ) الْحَضْرَمِيِّ ، مَوْلَاهُمُ الْفَارِسِيِّ ، يُقَالُ اسْمُهُ ذَكْوَانَ ، وَطَاوُسٌ لَقَبٌ ، ثِقَةٌ ، فَقِيهٌ ، فَاضِلٌ ، مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ بَعْدَهَا ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ ) تَشْبِيهٌ فِي تَحْفِيظِ حُرُوفِهِ وَتَرْتِيبِ كَلِمَاتِهِ وَمَنْعِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ وَالدَّرْسِ لَهُ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ ( يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ) أَيْ عُقُوبَتِهَا ، وَالْإِضَافَةُ مَجَازِيَّةٌ ، أَوْ مِنْ إِضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إِلَى ظَرْفِهِ ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ) الْعَذَابُ اسْمٌ لِلْعُقُوبَةِ وَالْمَصْدَرُ التَّعْذِيبُ ، فَهُوَ مُضَافٌ إِلَى الْفَاعِلِ مَجَازًا ، أَوِ الْإِضَافَةُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَظْرُوفِ إِلَى ظَرْفِهِ عَلَى تَقْدِيرِ فِي ، أَيْ مِنْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ . ( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ ) امْتِحَانِ وَاخْتِبَارِ ( الْمَسِيحِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَخِفَّةِ السِّينِّ الْمَكْسُورَةِ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ، وَصَحَّفَ مَنْ أَعْجَمَهَا ، يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وَعَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الْأَوَّلُ قُيِّدَ كَمَا قَالَ ( الدَّجَّالِ ) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : الْمَسِيحُ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ ، وَمُخَفَّفٌ عِيسَى ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ .
وَنَقَلَ الْمُسْتَمْلِي عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ الْهَمْدَانِيِّ أَحَدِ الْحُفَّاظِ : الْمَسِيحُ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَلِعِيسَى لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ أَوْ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : مَنْ خَفَّفَهُ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ ، وَمَنْ شَدَّدَ فَلِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ . وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ ، أَوْ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، أَوْ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ ، أَوْ لِأَنَّ رِجْلَهُ لَا أَخْمَصَ لَهَا ، أَوْ لِلَبْسِهِ الْمُسُوحَ ، وَقِيلَ هُوَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَاسِحٌ فَعُرِّبَ الْمَسِيحُ ، وَقِيلَ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ .
( وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا ) هِيَ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ ، وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ ( وَ ) فِتْنَةِ ( الْمَمَاتِ ) قَالَ الْبَاجِيُّ : هِيَ فِتْنَةُ الْقَبْرِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : يَحْتَمِلُ إِذَا احْتُضِرَ ، وَيَحْتَمِلُ فِي الْقَبْرِ أَيْضًا . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يَجُوزُ أَنَّهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ ، وَفِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ ، وَقَدْ صَحَّ : إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ ، وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ : ( عَذَابِ الْقَبْرِ ) ; لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ ، وَقِيلَ : فِتْنَةُ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءُ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ ، وَالْمَمَاتِ : السُّؤَالُ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحَيْرَةِ ، وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ; لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ ، وَفِتْنَةَ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ ، مَنْ رَبُّكَ ؟ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ أَنَا رَبُّكَ ، فَلِذَا وَرَدَ سُؤَالُ الثَّبَاتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ ، ثُمَّ رُوِيَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي قَبْرِهِ أَنْ يَقُولُوا : اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ . وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ مِنْ أَرْبَعٍ : مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ قَالَ الْحَافِظُ : فَهَذَا يُعَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ التَّشَهُّدِ فَيَكُونُ سَابِقًا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَدْعِيَةِ . وَمَا وَرَدَ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَقَبْلَ السَّلَامِ ، انْتَهَى .
وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَقَالَ مُسْلِمٌ بَعْدَهُ : بَلَغَنِي أَنَّ طَاوُسًا قَالَ لِابْنِهِ : أَدَعَوْتَ بِهَا فِي صَلَاتِكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : أَعِدْ صَلَاتَكَ ؛ لِأَنَّ طَاوُسًا رَوَاهُ عَنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ ، وَهَذَا الْبَلَاغُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى وُجُوبَهُ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ .