بَاب مَا جَاءَ فِي الدُّعَاءِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكَ الْحَمْدُ ، أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ، أَنْتَ الْحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ، وَبِكَ آمَنْتُ ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ، وَبِكَ خَاصَمْتُ ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَأَخَّرْتُ وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ ، أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ . 500 503 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ) مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ( الْمَكِّيِّ ، عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَقُولُ ) فِي مَوْضِعِ نَصْبِ خَبَرِ كَانَ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابُ ( إِذَا ) ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ كَانَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ أَوَّلَ مَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ .
وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ قَالَ بَعْدَمَا يُكَبِّرُ : ( اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ ) وَالْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ عَلَى التَّفْضِيلِ ، وَأَلْ فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ ( أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا وَبِكَ يَهْتَدِي مَنْ فِيهِمَا ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْتَ الْمُنَزَّهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، يُقَالُ فُلَانٌ مُنَوَّرٌ أَيْ مُبَرَّأٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَيُقَالُ هُوَ مَدْحٌ تَقُولُ : فُلَانٌ نُورُ الْبَلَدِ أَيْ مُزَيِّنُهُ . ( وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّامُ ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الْمُشَدَّدَةِ فَأَلِفٍ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ الْحَنْظَلِيِّ الْمَكِّيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ بِزِنَةِ فَعَّالٍ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ . وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ : ( قَيِّمُ ) ، وَهُمَا وَالْقَيُّومُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
( السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ : وَمَنْ فِيهِنَّ أَيْ أَنْتَ الَّذِي تَقُومُ بِحِفْظِهِمَا وَحِفْظِ مَنْ أَحَاطَتْ بِهِ وَاشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ ، تُؤْتِي كُلًّا مَا بِهِ قِوَامُهُ ، وَتُقَوِّمُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ بِمَا تَرَاهُ مِنْ تَدْبِيرِكَ . وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ مُجَاهِدٌ : الْقَيُّومُ : الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ . وَقَرَأَ عُمَرُ الْقَيَّامُ أَيْ فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ ، أَيْ بِخِلَافِ الْقَيِّمِ ، فَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ ، وَقِيلَ الْقَيِّمُ : الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْخَلْقِ وَمُدَبِّرُ الْعَالَمِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ ، وَمِنْهُ قَيِّمُ الطِّفْلِ ، وَالْقَيُّومُ وَالْقَيَّامُ : الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا لَا بِغَيْرِهِ ، وَيَقُومُ بِهِ كُلُّ مَوْجُودٍ حَتَّى لَا يُتَصَوَّرَ وُجُودُ شَيْءٍ وَلَا دَوَامُ وَجُودِهِ إِلَّا بِهِ ، فَمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ اسْتَرَاحَ عَنْ كَدِّ التَّدْبِيرِ وَتَعَبِ الِاشْتِغَالِ وَعَاشَ بِرَاحَةِ التَّفْوِيضِ ، فَلَا يَضِنُّ بِكَرِيمَةٍ وَلَا يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ لِلدُّنْيَا كثر قِيمَةٍ .
( وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ ) عَبَّرَ بِمَنْ تَغْلِيبًا لِلْعُقَلَاءِ عَلَى غَيْرِهِمْ ، فَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَكَافِلُهُ وَمُغَذِّيهِ وَمُصْلِحُهُ الْعَوْدُ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ ، وَتَكْرِيرُ الْحَمْدِ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ وَلِيُنَاطَ بِهِ كُلَّ مَرَّةٍ مَعْنًى آخَرُ ، وَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ إِفَادَةُ التَّخْصِيصِ ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا خَصَّ الْحَمْدَ بِاللَّهِ قِيلَ لَهُ : لِمَ خَصَصْتَنِي ؟ قَالَ : لِأَنَّكَ الْقَائِمُ بِحِفْظِ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . ( أَنْتَ الْحَقُّ ) أَيِ الْمُتَحَقِّقُ الْوُجُودِ الثَّابِتُ بِلَا شَكٍّ فِيهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا الْوَصْفُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالْحَقِيقَةِ خَاصٌّ بِهِ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ ، إِذْ وَجُودُهُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَلَا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ .
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : يَحْتَمِلُ أَنْتَ الْحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ إِلَهٌ ، أَوْ بِمَعْنَى مَنْ سَمَّاكَ إِلَهًا فَقَدْ قَالَ الْحَقَّ . ( وَقَوْلُكَ الْحَقُّ ) أَيْ مَدْلُولُهُ ثَابِتٌ ( وَوَعْدُكَ الْحَقُّ ) لَا يَدْخُلُهُ خُلْفٌ ، وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِهِ وَهُوَ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ . ( وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ) الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَآلِ الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْجَزَاءِ عَلَى الْأَعْمَالِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ رُؤْيَتُكَ فِي الْآخِرَةِ حَيْثُ لَا مَانِعَ ، وَقِيلَ : الْمَوْتُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ بَاطِلٌ هُنَا .
قَالَ الْحَافِظُ : وَهَذَا وَمَا بَعْدَهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَعْدِ لَكِنَّ الْوَعْدَ مَصْدَرٌ وَمَا بَعْدَهُ هُوَ الْمَوْعُودُ بِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنَ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ . ( وَالْجَنَّةُ حُقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْجُودٌ ( وَالسَّاعَةُ حَقٌّ ) أَيْ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، وَأَصْلُ السَّاعَةَ الْقِطْعَةُ مِنَ الزَّمَانِ ، وَإِطْلَاقُ اسْمِ الْحَقِّ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْأُمُورِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا ، وَأَنَّهَا مَا يَجِبُ أَنْ يُصَدَّقَ بِهَا ، وَتَكْرَارُ لَفْظِ ( حَقٌّ ) مُبَالَغَةٌ فِي التَّأْكِيدِ . زَادَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ طَاوُسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ : وَالنَّبِيُّونَ حُقٌّ ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ ، وَعُرِّفَ الْحَقُّ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ .
قَالَ الطِّيبِيُّ : لِلْحَصْرِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ وَمَا سِوَاهُ فِي مَعْرِضِ الزَّوَالِ ، قَالَ لَبِيدٌ : أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وَكَذَا قَوْلُهُ : وَكَذَا وَعْدُهُ مُخْتَصٌّ بِالْإِنْجَازِ دُونَ وَعْدِ غَيْرِهِ ، وَالتَّنْكِيرُ فِي الْبَوَاقِي لِلتَّعْظِيمِ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : التَّعْرِيفُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِهَذَا الِاسْمِ بِالْحَقِيقَةِ إِذْ هُوَ مُقْتَضَى الْأَدَاةِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَوَعْدُهُ ; لِأَنَّ وَعْدَهُ كَلَامُهُ ، وَتُرِكَتْ فِي الْبَوَاقِي ; لِأَنَّهَا أُمُورٌ مُحْدَثَةٌ وَالْمُحْدَثُ لَا يَجِبُ لَهُ الْبَقَاءُ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ ، وَبَقَاءُ مَا يَدُومُ مِنْهُ عُلِمَ مخبر الصَّادِقِ لَا مِنْ جِهَةِ اسْتِحَالَةِ فَنَائِهِ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : وَهُنَا سِرٌّ دَقِيقٌ وَهُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَظَرَ إِلَى الْمَقَامِ الْإِلَهِيِّ وَمُقَرَّبِي حَضْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ عَظَّمَ شَأْنَهُ وَفَخَّمَ مَنْزِلَتَهُ حَيْثُ ذَكَرَ النَّبِيِّينَ ، وَعَرَّفَهَا بِلَامِ الِاسْتِغْرَاقِ ، ثُمَّ خَصَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْنِهِمْ وَعَطَفَهُ عَلَيْهِمْ إِيذَانًا بِالتَّغَايُرِ ، وَأَنَّهُ فَائِقٌ عَلَيْهِمْ بِأَوْصَافٍ مُخْتَصَّةٍ بِهِ ، فَإِنَّ تَغَايُرَ الْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ التَّغَايُرِ فِي الذَّاتِ ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِ اسْتِقْلَالًا بِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَرَّدَهُ عَنْ ذَاتِهِ كَأَنَّهُ غَيْرُهُ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ تَصْدِيقَهُ ، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَنَظَرَ إِلَى افْتِقَارِ نَفْسِهِ نَادَى بِلِسَانِ الِاضْطِرَارِ فِي مَطَاوِي الِانْكِسَارِ فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ) انْقَدْتُ وَخَضَعْتُ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، ( وَبِكَ آمَنْتُ ) أَيْ صَدَّقْتُ ، ( وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ ) أَيْ فَوَّضْتُ أُمُورِي تَارِكًا النَّظَرَ فِي الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ ، ( وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ ) رَجَعَتْ إِلَيْكَ مُقْبِلًا بِقَلْبِي عَلَيْكَ ، ( وَبِكَ ) أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْبُرْهَانِ وَبِمَا لَقَّنْتَنِي مِنَ الْحُجَّةِ ( خَاصَمْتُ ) مَنْ خَاصَمَنِي مِنَ الْكُفَّارِ ، أَوْ بِتَأْيِيدِكَ وَنَصْرِكَ قَاتَلْتُ ، ( وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ) كُلَّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ وَمَا أَرْسَلْتَنِي بِهِ لَا إِلَى مَنْ كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ مِنْ كَاهِنٍ وَنَحْوِهِ ، وَقَدَّمَ جَمِيعَ صِلَاتِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهَا إِشْعَارًا بِالتَّخْصِيصِ وَإِفَادَةً لِلْحَصْرِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : وَلَكَ الْحَمْدُ ، ( فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ) قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ ( وَأَخَّرْتُ ) عَنْهُ ( وَأَسْرَرْتُ ) أَخْفَيْتُ ، ( وَأَعْلَنْتُ ) أَظْهَرْتُ ، أَوْ مَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي وَمَا تَحَرَّكَ بِهِ لِسَانِي ، زَادَ فِي رِوَايَةِ للبُخَارِيِّ : وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي وَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، وَقَالَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ إِمَّا تَوَاضُعًا وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا لِرَبِّهِ ، أَوْ تَعْلِيمًا لِأُمَّتِهِ لِيُقْتَدَى بِهِ ، قَالَ الْحَافِظُ : كَذَا قِيلَ ، وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ ، إِذْ لَوْ كَانَ لِلتَّعْلِيمِ فَقَطْ لَكَفَى فِيهِ أَمْرُهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا زَادَ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ طَاوُسٍ : أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ، أَيِ الْمُقَدِّمِ لِي فِي الْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْمُؤَخِّرِ لِي فِي الْبَعْثِ فِي الدُّنْيَا . ( أَنْتَ إِلَهِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ للْبُخَارِيِّ : وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ ; لِأَنَّ لَفْظَ الْقَيِّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْجَوَاهِرِ وَقِوَامَهَا مِنْهُ ، وَالنُّورِ إِلَى أَنَّ الْأَعْرَاضَ أَيْضًا مِنْهُ ، وَالْمُلْكِ إِلَى أَنَّهُ حَاكِمٌ عَلَيْهَا إِيجَادًا وَعَدَمًا يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، فَلِذَا قَرَنَ كُلًّا مِنْهَا بِالْحَمْدِ وَخَصَّصَ الْحَمْدَ بِهِ .
ثُمَّ قَوْلُهُ : أَنْتَ الْحَقُّ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَبْدَأِ ، وَالْقَوْلُ وَنَحْوُهُ إِلَى الْمَعَاشِ ، وَالسَّاعَةُ وَنَحْوُهَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَعَادِ ، وَفِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى النُّبُوَّةِ ، وَإِلَى الْجَزَاءِ ثَوَابًا وَعِقَابًا ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَى اللَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ ، انْتَهَى . وَفِيهِ زِيَادَةُ مَعْرِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَظَمَةِ رَبِّهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ ، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ ، وَالِاعْتِرَافُ لِلَّهِ بِحُقُوقِهِ ، وَالْإِقْرَارُ بِصِدْقِ وَعْدِهِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ طَرِيقِ مَعْنٍ كِلَيْهِمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا .