بَاب غُسْلِ الْمَيِّتِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا ، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي . قَالَتْ : فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ ، فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ، تَعْنِي بِحِقْوِهِ إِزَارَهُ . 518 521 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ ) بِفَوْقِيَّةٍ بِلَفْظِ وَاحِدَةِ التَّمَائِمِ ، وَاسْمُهُ كَيْسَانُ ( السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) الْأَنْصَارِيِّ مَوْلَاهُمْ ، ( عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ) اسْمُهَا نُسَيْبَةُ ، بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مُصَغَّرٌ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ : فَتْحُ النُّونِ وَكَسْرُ السِّينِ ، بِنْتُ كَعْبٍ ، وَيُقَالُ بِنْتُ الْحَارِثِ ( الْأَنْصَارِيَّةِ ) صَحَابِيَّةٌ فَاضِلَةٌ مَشْهُورَةٌ مَدَنِيَّةٌ ، ثُمَّ سَكَنَتِ الْبَصْرَةَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَصَحُّ مِنْهُ وَلَا أَعَمُّ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا ( قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ ) وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبَ : دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ وَجَمْعٌ بِأَنَّهُ دَخَلَ حِينَ شَرَعَ النِّسْوَةُ فِي الْغُسْلِ .
وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : مَاتَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا زَيْنَبُ وَالِدَةُ أُمَامَةَ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِهِ ، مَاتَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَنَا : اغْسِلْنَهَا الْحَدِيثَ . وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ : دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ وَفِي مُبْهَمَاتِ ابْنِ بَشْكُوَالَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ وَلِلدُّولَابِيِّ عَنْ أُمِّ عَمْرَةَ : أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ كَانَتْ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُمْكِنُ تَرْجِيحُهُ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ ، وَبِهِ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ ، وَالْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ ، وَعَزْوُ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ أَيْ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَسْمِيَتُهَا أُمَّ كُلْثُومٍ لِبَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ قُصُورٌ شَدِيدٌ ، وَقَوْلُ الْمُنْذِرِيِّ : إِنَّهَا مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ بِبَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْهَا غَلَطٌ ، فَالْمَيِّتَةُ وَهُوَ بِبَدْرٍ رُقَيَّةُ .
( فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا ) أَمْرٌ لِأُمِّ عَطِيَّةَ وَمَنْ مَعَهَا ، وَوَقَفْتُ مِنْ تَسْمِيَتِهِنَّ عَلَى ثَلَاثٍ ، فَعِنْدَ الدُّولَابِيِّ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَنْ غَسَّلَهَا ، قَالَتْ : وَمَعَنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ عَنْ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ بِقَافٍ وَنُونٍ الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ : كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَهَا . وَلِلْطَبَرَانِيِّ عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ مَا يُومِئ إِلَى أَنَّهَا حَضَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا ، قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى الْغُسْلِ ، أَوْ إِلَى الْعَدَدِ ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ فَيَثْبُتُ الْمُدَّعَى .
قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَكِنَّ قَوْلَهُ ( ثَلَاثًا ) لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّ لَفْظَ ( ثَلَاثًا ) لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِهِ تَحْتَ الْأَمْرِ ، فَيُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِأَصْلِ الْغُسْلِ ، وَالنَّدْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَارِ اهـ . وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ أَيْ وَالْمَالِكِيَّةِ لَا تَأْبَى ذَلِكَ . وَذَهَبَ الْحَسَنُ وَالْكُوفِيُّونَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُزَنِيُّ إِلَى وُجُوبِ الثَّلَاثِ ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَهَا غُسِلَ مَوْضِعُهُ فَقَطْ ، وَلَا يُزَادُ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ .
( أَوْ خَمْسًا ) وَفِي رِوَايَةِ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ : اغْسِلْنَهَا وَتْرًا وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا وَأَوْ لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّخْيِيرِ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَطْلُوبٌ ، وَالثَّلَاثَةَ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِهَا لَمْ يُشْرَعْ مَا زَادَ وَإِلَّا زِيدَ وَتْرًا حَتَّى يَحْصُلَ الْإِنْقَاءُ ، وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ تَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ : أَوْ خَمْسًا ، إِشَارَةٌ إِلَى الْإِيتَارِ ; لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِ وَسَكَتَ عَنِ الْأَرْبَعِ ، ( أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ ; لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ . وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ سَبْعًا التَّعْبِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَأَمَّا سِوَاهَا فَإِمَّا سَبْعًا وَإِمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ ، فَيُحْتَمَلُ تَفْسِيرُهُ بِالسَّبْعِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَكَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ثَلَاثًا وَإِلَّا فَخَمْسًا وَإِلَّا فَأَكْثَرَ ، قَالَ : فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَبْعٌ ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) تَفْوِيضٌ إِلَى اجْتِهَادِهِنَّ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّمَا فُوِّضَ إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الْإِيتَارُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ إِنْ رَأَيْتُنَّ فِعْلَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ يَكْفِي ، قَالَهُ كُلَّهُ الْحَافِظُ بِبَعْضِ اخْتِصَارٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَجَمِيعُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ قَالُوا : إِنَّ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ، إِلَّا يَحْيَى ، وَهُوَ مِمَّا عُدَّ مِنْ سَقْطِهِ ، وَفِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مِنَ الْفِقْهِ رَدُّ عَدَدِ الْغَسْلَاتِ إِلَى الْغَاسِلِ عَلَى حَسَبِ مَا يَرَى بَعْدَ الثَّلَاثِ مِنْ بُلُوغِ الْوَتْرِ فِيهَا ، ( بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : اغْسِلْنَهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ وَيُخَضْخَضُ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ وَيُدَلَّكُ بِهِ جَسَدُهُ ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ فَهَذِهِ غَسْلَةٌ . وَقَالَ قَوْمٌ : يَطْرَحُ وَرَقَاتِ السِّدْرِ فِي الْمَاءِ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ فَيَتَغَيَّرَ عَنْ وَصْفِ الْمُطْلَقِ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَحْمَدُ فَقَالَ : يُغْسَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي التَّطْهِيرِ بالماء المضاف إِذَا لَمْ يَسْلُبِ الْمَاءَ الْإِطْلَاقَ اهـ .
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي بَقِيَّةِ الِاغْتِسَالَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ ، خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّنْظِيفِ ، فَيُجْزِئُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلسَّرَفِ ، وَقِيلَ : شُرِعَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ جُنُبٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ لَازِمَهُ أَنْ لَا يَشْرَعَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ ، ( وَاجْعَلْنَ فِي ) الْغَسْلَةِ ( الْآخِرَةِ ) بِكَسْرِ الْخَاءِ ( كَافُورًا ) طِيبٌ مَعْرُوفٌ ، يَكُونُ مِنْ شَجَرٍ بِجِبَالِ الْهِنْدِ وَالصِّينِ ، يُظِلُّ خَلْقًا كَثِيرًا وَتَأْلَفُهُ النُّمُورُ ، وَخَشَبُهُ أَبْيَضُ هَشٌّ ، وَيُوجَدُ فِي أَجْوَافِهِ الْكَافُورُ ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ ، وَلَوْنُهُ أَحْمَرُ ، وَإِنَّمَا يَبْيَضُّ بِالتَّصْعِيدِ ( أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، قَالَ أَيَّ اللَّفْظَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي ; لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ . وَجَزَمَ فِي رِوَايَةِ الثَّقَفِيِّ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ ، وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : إِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْحَنُوطِ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ ، وَحِكْمَةُ الْكَافُورِ زِيَادَةً عَلَى تَطْيِيبِ رَائِحَةِ الْمَوْضِعِ لِلْحَاضِرِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّةَ نُفُوذٍ ، وَخَاصِّيَّةً فِي تَصْلِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ وَطَرْدِ الْهَوَامِّ عَنْهُ ، وَرَدِّ مَا يَتَحَلَّلُ مِنَ الْفَضَلَاتِ ، وَمَنْعِ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ أَقْوَى الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا سِرُّ جَعْلِهِ فِي الْأَخِيرَةِ ; إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاءُ ، وَهَلْ يَقُومُ الْمِسْكُ مَثَلًا مَقَامَهُ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّطْيِيبِ ؟ نَعَمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَدْ يُقَالُ : إِذَا عُدِمَ الْكَافُورُ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ إِذَا مَاثَلَهُ وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ الْحَافِظُ .
( فَإِذَا فَرَغْتُنَّ ) مِنْ غَسْلِهَا ( فآذِنَّنِي ) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ الْأُولَى مُشَدَّدَةً وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ ، أَيْ أَعْلِمْنَنِي ( قَالَتْ ) أُمُّ عَطِيَّةَ ( فَلَمَّا فَرَغْنَا ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي ، جَمَاعَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَفِي رِوَايَةٍ فَرَغْنَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ لِجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ ( آذَنَّاهُ ) أَعْلَمْنَاهُ ( فَأَعْطَانَا حَقْوَهُ ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ ( فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ( إِيَّاهُ ) أَيِ اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا ، أَيِ الثَّوْبَ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا تَبَرُّكًا ، وَحِكْمَةُ تَأْخِيرِهِ مَعَهُ حَتَّى فَرَغْنَ مِنَ الْغُسْلِ دُونَ إِعْطَائِهِ لَهُنَّ لِيَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْ جَسَدِهِ الْكَرِيمِ بِلَا فَاصِلٍ مِنَ انْتِقَالِهِ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِهَا ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ ( تَعْنِي ) أُمُّ عَطِيَّةَ ( بِحَقْوِهِ إِزَارَهُ ) ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ مَجَازًا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إِزَارَهُ وَالْحَقْوُ فِي هَذَا عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالثَّلَاثَةُ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، الثَّلَاثَةُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ بِزِيَادَاتٍ ، وَمَدَارُهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأُخْتِهِ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ .