حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
شرح الزرقاني على الموطأ

بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ

بَاب التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ 532 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ لِلنَّاسِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ . 5 - بَابُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي عَدَدِهِ ، فَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يُكَبَّرُ خَمْسًا ، وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ خَمْسًا .

وَكَانَ عَلِيٌّ يُكَبِّرُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ سِتًّا ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ خَمْسًا ، وَعَلَى سَائِرِ النَّاسِ أَرْبَعًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَنَسٍ ثَلَاثًا رَوَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ . وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا أَرْبَعًا ، وَجَمْعٍ بِأَنَّهُ كَانَ يَرَى الثَّلَاثَ مُجْزِئَةً وَالْأَرْبَعَ أَكْمَلَ مِنْهَا ، أَوْ مَنْ أُطْلِقَ عَنْهُ الثَّلَاثُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ ، فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ التَّكْبِيرُ ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ أَرْبَعٌ ، قَالَ : أَجَلْ غَيْرَ أَنَّ وَاحِدَةً هِيَ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ .

وَلِلْبَيْهَقِيِّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ : كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا وَخَمْسًا وَسِتًّا وَأَرْبَعًا ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعٍ كَأَطْوَلِ الصَّلَاةِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَرْبَعِ وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَشَذَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَقَالَ خَمْسًا . 530 532 - ( مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ ) بِفَتْحِ النُّونِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ بِكَسْرٍ وَخِفَّةِ الْجِيمِ ، وَأَخْطَأَ مَنْ شَدَّدَهَا ، وَتَشْدِيدِ آخِرِهِ ، وَحَكَى الْمُطَرِّزِيُّ التَّخْفِيفَ وَرَجَّحَهُ الصَّغَانِيُّ ، وَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ بْنُ أَبْحَرَ ، مَلِكُ الْحَبَشَةِ ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ ، وَكَانَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا ، وَأَصْحَمَةُ بِوَزْنِ أَرْبَعَةٍ وَحَاؤُهُ مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ مُعْجَمَةٌ ، وَقِيلَ بِمُوَحَّدَةٍ بَدَلَ الْمِيمِ ، وَقِيلَ : صُحْمَةُ بِلَا أَلِفٍ ، وَقِيلَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الصَّادِ ، وَقِيلَ بِمِيمٍ أَوَّلَهُ بَدَلَ الْأَلِفِ ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ فِي اسْمِهِ سِتَّةُ أَلْفَاظٍ لَمْ أَرَهَا مَجْمُوعَةً ، وَمَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ قَالَهُ فِي الْإِصَابَةِ .

( لِلنَّاسِ ) أَيْ أَخْبَرَهُمْ بِمَوْتِهِ ( فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ) فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ ، قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَجَمَاعَةٌ ، وَقِيلَ كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ ، فَفِيهِ جَوَازُ الْإِعْلَامِ بِالْجَنَازَةِ لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ ، وَالنَّعْيُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ صِيَاحٌ ، خِلَافًا لِمَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَوْتِ لِلِاجْتِمَاعِ لِجَنَازَتِهِ ، وَفِي حَدِيثِ : مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَذَا ، وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا يَمُوتُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ يَبْلُغُونَ مِائَةً فَيَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ ، وَشُهُودُ الْجَنَائِزِ خَيْرٌ ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْخَيْرِ خَيْرٌ إِجْمَاعًا ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : يُؤْخَذُ مِنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثُ حَالَاتٍ : الْأُولَى : إِعْلَامُ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ ، فَهَذَا سُنَّةٌ . الثَّانِيَةُ : دَعْوَةُ الْجَفَلَى لِلْمُفَاخَرَةِ ، فَهَذَا يُكْرَهُ .

الثَّالِثَةُ : الْإِعْلَامُ بِالنِّيَاحَةِ وَنَحْوِهَا ، فَهَذَا يَحْرُمُ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، عَنْ عَقِيلٍ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : نُعِيَ لَنَا النَّجَاشِيُّ يَوْمَ مَاتَ فَقَالَ : اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ ( وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى ) مَكَانٌ بِبَطْحَانَ ، فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : فَخَرَجَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْبَقِيعِ أَيْ بَقِيعِ بَطْحَانَ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمُصَلَّى مَوْضِعٌ مُعَدٌّ لِلْجَنَائِزِ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ غَيْرُ مُصَلَّى الْعِيدَيْنِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَهُ الْحَافِظُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدْ تُوُفِّيَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ مِنَ الْحَبَشِ فَهَلُمَّ فَصَلُّوا عَلَيْهِ .

وَلِلْبُخَارِيِّ : فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ . وَلِمُسْلِمٍ : مَاتَ عَبْدٌ لِلَّهِ صَالِحٌ أَصْحَمَةُ . وَفِي الْإِصَابَةِ جَاءَ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَصْبَحْنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ أَخَاكَ أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيَّ قَدْ تُوُفِّيَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ ، فَوَثَبَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَثَبْنَا مَعَهُ حَتَّى جَاءَ الْمُصَلَّى ( فَصَفَّ بِهِمْ ) لَازِمٌ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ أَيْ صَفَّ مَعَهُمْ ، أَوْ مُتَعَدٍّ وَالْبَاءُ زَائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ أَيْ صَفَّهُمْ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْإِمَامَ مُتَقَدِّمٌ فَلَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ صَافٌّ مَعَهُمْ إِلَّا عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَمْ صَفَّهُمْ .

وَفِي النَّسَائِيِّ ، عَنْ جَابِرٍ : كُنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي يَوْمَ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى النَّجَاشِيِّ ، وَفِيهِ أَنَّ لِلصُّفُوفِ عَلَى الْجَنَازَةِ تَأْثِيرًا وَلَوْ كَثُرَ الْجَمْعُ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَدَدٌ كَثِيرٌ ، وَالْمُصَلَّى فَضَاءٌ لَا يَضِيقُ بِهِمْ لَوْ صُفُّوا فِيهِ صَفًّا وَاحِدًا وَمَعَ ذَلِكَ صَفَّهُمْ ، وَهَذَا مَا فَهِمَهُ مَالِكُ بْنُ عُمَيْرَةَ الصَّحَابِيُّ ، فَكَانَ صَفُّ مَنْ يَحْضُرُ صَلَاةَ الْجَنَازَةِ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ سَوَاءٌ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا ، وَيَبْقَى النَّظَرُ إِذَا تَعَدَّدَتِ الصُّفُوفُ وَالْعَدَدُ قَلِيلٌ ، أَوْ كَانَ الصَّفُّ وَاحِدًا ، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . ( وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ) فَفِيهِ أَنَّ تَكْبِيرَ صَلَاةِ الْجَنَازَةِ أَرْبَعٌ وَهُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا صَلَاةٌ عَلَى غَائِبٍ لَا عَلَى الْجَنَازَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَقَالَ : لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ أَرْبَعًا إِلَّا فِي هَذَا ، قَالَ : وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا وَعَلَى قَبْرٍ أَرْبَعًا ، وَأَمَّا عَلَى الْجَنَازَةِ هَكَذَا فَلَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ خُرُوجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُصَلَّى لِقَصْدِ تَكْثِيرِ الْجَمْعِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَإِشَاعَةً لِمَوْتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ : صَلَّى عَلَى عِلْجٍ مِنَ الْحَبَشَةِ ، فَنَزَلَتْ : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكُمْ ( سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 199 ) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ . وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ وَحْشِيٍّ فِي الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ ، وَآخَرُ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَفِيهِ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ كَانَ مُنَافِقًا ، وَفِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ السَّلَفِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ : لَا تُشْرَعُ ، وَنَسَبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنَّهُمْ قَالُوا : ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَدَلَائِلُ الْخُصُوصِيَّةِ وَاضِحَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَكَهُ فِيهَا غَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أُحْضِرَ رُوحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، أَوْ رُفِعَتْ لَهُ جِنَازَتُهُ حَتَّى شَاهَدَهَا ، كَمَا رُفِعَ لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ حِينَ سَأَلَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ صِفَتِهِ ، وَعَبَّرَ غَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كُشِفَ لَهُ حَتَّى رَآهُ .

فَتَكُونُ صَلَاتُهُ كَصَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى مَيِّتٍ رَآهُ وَلَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُونَ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا . وَقَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ : ( يَحْتَاجُ هَذَا النقْل ) تُعُقِّبَ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ كَافٍ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ الْوَاحِدِيُّ بِلَا إِسْنَادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كُشِفَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَرِيرِ النَّجَاشِيِّ حَتَّى رَآهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ . وَلِابْنِ حِبَّانَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : فَقَامُوا وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لَا يَظُنُّونَ إِلَّا أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ .

وَلِأَبِي عَوَانَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ : فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ وَنَحْنُ لَا نَرَى إِلَّا أَنَّ الْجَنَازَةَ قُدَّامَنَا . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّجَاشِيِّ لِإِشَاعَةِ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا ، أَوِ اسْتِئْلَافِ قُلُوبِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي حَيَاتِهِ ; إِذْ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مَيِّتٍ غَائِبٍ غَيْرِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ صَلَاتِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ فَجَاءَ مِنْ طُرُقٍ لَا تَخْلُو مِنْ مَقَالٍ ، وَعَلَى تَسْلِيمِ صَلَاحِيَتِهِ لِلْحُجِّيَّةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مَجْمُوعِ طُرُقِهِ دَفْعٌ بِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُفِعَتْ لَهُ الْحُجُبُ حَتَّى شَاهَدَ جَنَازَتَهُ .

وَقَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ : قَوْلُهُمْ رُفِعَ الْحِجَابُ عَنِ النَّجَاشِيِّ مَمْنُوعٌ ، وَإِنْ سَلِمَ فَكَانَ غَائِبًا عَنِ الصَّحَابَةِ رُدَّ بِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَلَّى كَالْمَيِّتِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَهُوَ يَرَاهُ دُونَ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا . وَأَمَّا ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ قَوْلُهُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ ، قُلْنَا : وَمَا عَمِلَ بِهِ مُحَمَّدٌ تَعْمَلُ بِهِ أُمَّتُهُ ، قَالُوا : طُوِيَتِ الْأَرْضُ وَأُحْضِرَتِ الْجَنَازَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، قُلْنَا : إِنَّ رَبَّنَا عَلَيْهِ لَقَادِرٌ وَنَبِيَّنَا لَأَهْلٌ لِذَلِكَ ، وَلَكِنْ لَا تَقُولُوا إِلَّا مَا رَوَيْتُمْ ، وَلَا تَخْتَرِعُوا حَدِيثًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تُحَدِّثُوا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ ، وَدَعُوا الضِّعَافَ فَإِنَّهَا سَبِيلٌ إِلَى تَلَافِ مَا لَيْسَ لَهُ تَلَافٌ ، وَقَدْ عَلِمْتُ جَوَابَهُ بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ يَكْفِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ جِهَةِ الْمَانِعِ خُصُوصًا ، وَقَدْ جَاءَ مَا يُؤَيِّدُهُ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ فَمَا حَدَّثَنَا إِلَّا بِالثَّابِتَاتِ ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ : وَلَوْ فُتِحَ بَابُ الْخُصُوصِ لَانْسَدَّ كَثِيرٌ مِنْ ظَوَاهِرِ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرَهُ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ مَمْنُوعٌ ، فَإِنَّمَا جَوَّزْنَا الْخُصُوصِيَّةَ ; لِأَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ غَيْرِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُ تَوَفُّرُ الدَّوَاعِي عَلَيْهِ . وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ بِأَرْضٍ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِهَا أَحَدٌ ، فَتَعَيَّنَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مَاتَ غَائِبًا مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ أَبُو دَاوُدَ وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ ، قَالَ الْحَافِظُ : وَهُوَ مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ أَحَدٌ اهـ .

وَهُوَ مُشْتَرِكُ الْإِلْزَامِ فَلَمْ يُرْوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي بَلَدِهِ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَمَحَلُّهُ فِي اتِّسَاعِ الْحِفْظِ مَعْلُومٌ ، وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعَيْنِ هُنَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث