بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ 663 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ . 11 - بَابُ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِالْمَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ قَصْرُهُ ، وَزَعَمَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنَّهُ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، رَدَّهُ عَلَيْهِ ابْنُ دِحْيَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْبَابِ وَبِغَيْرِهِ وَجُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدِهِمْ أَنَّهُ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ . قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَهُوَ مُقْتَضَى الِاشْتِقَاقِ وَالتَّسْمِيَةِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : عَاشُورَاءُ مَصْدَرٌ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ ، هُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَيْلَةِ الْعَاشِرِ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا ، فَإِذَا قِيلَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ . وَقِيلَ هُوَ تَاسِعُ الْمُحَرَّمِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فَعَلَى الْأَوَّلِ الْيَوْمُ مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَعَلَى الثَّانِي مُضَافٌ لِلَّيْلَةِ الْآتِيَةِ .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا ، قُلْتُ : هَكَذَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَفِي الْمُصَنَّفِ عَنِ الضَّحَّاكِ : عَاشُورَاءُ يَوْمُ التَّاسِعِ قِيلَ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِشْرِ بِالْكَسْرِ فِي أَوْرَادِ الْإِبِلِ ، تَقُولُ الْعَرَبُ : وَرَدَتِ الْإِبِلُ عِشْرًا إِذَا وَرَدَتِ الْيَوْمَ التَّاسِعِ لِأَنَّهُمْ يَحْسَبُونَ فِي الْإِظْمَاءِ يَوْمَ الْوُرُودِ ، فَإِذَا قَامَتْ فِي الرَّعْيِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ وَرَدَتْ فِي الثَّالِثِ قَالُوا : وَرَدَتْ رِبْعًا ، وَإِنْ رَعَتْ ثَلَاثًا وَفِي الرَّابِعِ وَرَدَتْ قَالُوا : وَرَدَتْ خِمْسًا ، وَإِنْ بَقِيَتْ فِيهِ ثَمَانِيَةً وَوَرَدَتْ فِي التَّاسِعِ قَالُوا : وَرَدَتْ عِشْرًا ، فَيَحْسَبُونَ فِي كُلِّ هَذَا بَقِيَّةَ الْيَوْمِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ ، وَأَوَّلَ الْيَوْمِ الَّذِي تَرِدُ فِيهِ بَعْدَهُ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّاسِعُ عَاشُورَاءَ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ : الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا أَنَّهُ الْعَاشِرُ وَهُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ ، وَتَقْدِيرُ أَخْذِهِ مِنَ الْإِظْمَاءِ بِعِيدٌ . وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الثَّانِي يُرَدُّ عليه ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، فَقِيلَ : إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَقَالَ : إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الَّذِي كَانَ يَصُومُهُ لَيْسَ هُوَ التَّاسِعَ فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْعَاشِرَ ، وَالتَّاسِعُ لَمْ يَبْلُغْهُ وَلَعَلَّهُ لَوْ بَلَغَهُ صَامَهُ مَعَ الْعَاشِرِ كَمَا فِي حَدِيثِ : فَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ ، وَإِلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ حَتَّى لَا يَتَشَبَّهَ بِالْيَهُودِ فِي إِفْرَادِ الْعَاشِرِ ، وَقِيلَ : لِلِاحْتِيَاطِ فِي تَحْصِيلِ عَاشُورَاءَ لِلْخِلَافِ فِيهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ .
665 663 - ( مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ : كَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُمُ اقْتَدَوْا فِي صِيَامِهِ بِشَرْعٍ سَالِفٍ وَلِذَا كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فِيهِ ، لَكِنْ فِي الْمَجْلِسِ الثَّالِثِ مِنْ مَجَالِسِ الْبَاغَنْدِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ قُرَيْشٍ عَاشُورَاءَ فَقَالَ : أَذْنَبَتْ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَعَظُمَ فِي صُدُورِهِمْ فَقِيلَ لَهُمْ صُومُوا عَاشُورَاءَ يُكَفِّرْهُ . وَفِي الْإِكْمَالِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ هَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ مُسَمَّيَاتُهَا لُغَةً أَوْ نَقَلَهَا الشَّارِعُ عَنْهَا وَوَضَعَهَا عَلَى مَعَانٍ أُخَرَ ؟ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ سُنَنَ الْعَرَبِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ ، فَعَرَفُوا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصَّوْمَ وَالْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَتَقَرَّبُوا بِجَمِيعِ ذَلِكَ ، فَمَا خَاطَبَهُمُ الشَّرْعُ إِلَّا بِمَا عَرَفُوهُ تَحْقِيقًا لَا أَنَّهُ أَتَاهُمْ بِأَلْفَاظٍ ابْتَدَعَهَا لَهُمْ أَوْ بِأَلْفَاظٍ لُغَوِيَّةٍ لَا يُعْرَفُ مِنْهَا الْمَقْصُودُ إِلَّا رَمْزًا كَمَا قَالَ الْمُخَالِفُ ، ( وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) يُحْتَمَلُ بِحُكْمِ الْمُوَافَقَةِ لَهُمْ كَالْحَجِّ ، أَوْ إذنَ اللَّهُ لَهُ فِي صِيَامِهِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلُ خَيْرٍ ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ . ( فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ ) فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِلَا رَيْبٍ ( صَامَهُ ) عَلَى عَادَتِهِ ، ( وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ وَبِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ رِوَايَتَانِ اقْتَصَرَ عِيَاضٌ عَلَى الثَّانِيَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْلَافًا لِلْيَهُودِ كَمَا اسْتَأْلَفَهُمْ بِاسْتِقْبَالِ قِبْلَتِهِمْ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَعَلَى كُلٍّ فَلَمْ يَصُمْهُ اقْتِدَاءً بِهِمْ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ مُوَافَقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بُعِثَ تَرَكَ صَوْمَهُ ، فَلَمَّا هَاجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ : ( فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ ) أَيْ صِيَامُهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ ( كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ ) بِالنَّصْبِ ( وَتَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَحَتَّمًا ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَقَعِ الْأَمْرُ بِصَوْمِهِ إِلَّا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِفَرْضِيَّتِهِ فَقَدْ نُسِخَ ، وَلَمْ يُرْوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَدَّدَ لِلنَّاسِ أَمْرًا بِصِيَامِهِ بَعْدَ فَرْضِ رَمَضَانَ ، بَلْ تَرَكَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ عَنْ صِيَامِهِ ، فَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ بِصِيَامِهِ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ لِلْوُجُوبِ فَفِي نَسْخِ الِاسْتِحْبَابِ إِذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، وَإِنْ كَانَ لِلِاسْتِحْبَابِ كَانَ بَاقِيًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ . وَفِي الْإِكْمَالِ قِيلَ : كَانَ صَوْمُهُ صَدْرَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ رَمَضَانَ وَاجِبًا ثُمَّ نُسِخَ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ .
وَقِيلَ : كَانَ سُنَّةً مُرَغَّبًا فِيهِ ثُمَّ خُفِّفَ فَصَارَ مُخَيَّرًا فِيهِ . وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ : لَمْ يَزَلْ فَرْضُهُ بَاقِيًا لَمْ يُنْسَخْ وَانْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ الْيَوْمَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ قَصْدَ صِيَامِهِ بِالتَّعْيِينِ لِحَدِيثٍ جَاءَ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : فَمَنْ شَاءَ . إِلَخْ ، وَحَدِيثُ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ ظَاهِرَانِ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ جَرِيرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ .