بَاب صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ : أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ ، وَأَنَا صَائِمٌ ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ . 666 664 - ( مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ) ، قَالَ الْحَافِظُ : هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَتَابَعَهُ يُونُسُ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ .
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ مُعَاوِيَةَ . قَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ( أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ) صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيَّ ، وَهُوَ وَأَبُوهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَقِيلَ : أَسْلَمَ مُعَاوِيَةُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ ، وَكَانَ أَمِيرًا عِشْرِينَ سَنَةً وَخَلِيفَةً عِشْرِينَ ، وَكَانَ يَقُولُ : أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ ، ( يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ ) وَكَانَ أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ الْخِلَافَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَآخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . قَالَ الْحَافِظُ : وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْحَجَّةُ الْأَخِيرَةُ وَكَأَنَّهُ تَأَخَّرَ بِمَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَاشُورَاءَ ( وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ) بِالْمَدِينَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ .
وَقَالَ فِي قَدْمَةٍ قَدِمَهَا ( يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ ) قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ أَوْ يَكْرَهُهُ فَأَرَادَ إِعْلَامَهُمْ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَاسْتِدْعَاؤُهُ الْعُلَمَاءَ تَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ ، أَوِ اسْتِعَانَةً بِمَا عِنْدَهُمْ عَلَى مَا عِنْدَهُ ، أَوْ تَوْبِيخًا أَنَّهُ رَأَى أَوْ سَمِعَ مَنْ خَالَفَهُ ، وَقَدْ خَطَبَ بِهِ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ الْعَظِيمِ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ . قَالَ الْحَافِظُ : وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ لَهُمُ اهْتِمَامًا بِصِيَامِهِ ، فَلِذَا سَأَلَ عَنْ عُلَمَائِهِمْ . ( سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ : هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( صِيَامُهُ ) نَائِبُ الْفَاعِلِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ ، ( وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ ) هَذَا مِنَ الْمَرْفُوعِ ، فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي هَذَا الْيَوْمِ : إِنِّي صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَ فَلْيَصُمْ ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ ، وَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ وَلَا نُسِخَ بِرَمَضَانَ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، فَإِنْ كَانَ سَمِعَ هَذَا بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَإِنَّمَا سَمِعَهُ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَذَلِكَ بَعْدَ نَسْخِهِ بِرَمَضَانَ ، فَمَعْنَى لَمْ يُكْتَبْ لَمْ يُفْرَضْ بَعْدَ إِيجَابِ رَمَضَانَ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي وُجُوبِهِ ، وَإِنْ كَانَ سَمِعَهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ فَيَجُوزُ كَوْنُهُ قَبْلَ افْتِرَاضِهِ ، وَنُسِخَ عَاشُورَاءُ بِرَمَضَانَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الَّذِي قَبْلَهُ وَكَوْنُ لَفْظِ أُمِرَ فِي قَوْلِهَا وَأُمِرَ بِصِيَامِهِ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الصِّيغَةِ الطَّالِبَةِ نَدْبًا وَإِيجَابًا مَمْنُوعٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ فَقَوْلُهَا فُرِضَ رَمَضَانُ .
إِلَخْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ هُنَا فِي الصِّيغَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ التَّخْيِيرَ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ النَّدْبِ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى الْآنِ فَكَانَ بِاعْتِبَارِ الْوُجُوبِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ .