بَاب الْمَقَامِ عِنْدَ الْبِكْرِ وَالْأَيِّمِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ لَا يَلْحَقُكِ هَوَانٌ وَلَا يَضِيعُ مِنْ حَقِّكِ شَيْءٌ بَلْ تَأْخُذِينَهُ كَامِلًا . قَالَ الْأُبِّيُّ : وَقِيلَ الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا قَبِيلَتُهَا لِأَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَعَدَمَ الْمُبَالَاةِ بِهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِأَهْلِهَا ، فَالْبَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَوَانٍ وَعَلَى الثَّانِي لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ لَا يَلْحَقُ أَهْلَكِ هَوَانٌ بِسَبَبِكِ ( إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ ) أَيْ أَقَمْتُ سَبْعًا لِأَنَّهُمُ اشْتَقُّوا الْفِعْلَ مِنَ الْوَاحِدِ إِلَى الْعَشَرَةِ ( وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ ) أَيْ أَقَمْتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بَقِيَّةِ نِسَائِي سَبْعًا ( وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ ) أَيْ أَقَمْتُ ثَلَاثًا ( عِنْدَكِ وَدُرْتُ ) عَلَى بَقِيَّةِ نِسَائِي بِالْقَسْمِ يَوْمًا يَوْمًا ، فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي أَنَّ الْقَسْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ يَوْمَيْنِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ مَعَ التَّرَاضِي هَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : وَإِنَّمَا يَدُلُّ لِمَالِكٍ إِنْ كَانَ مَعْنَى دُرْتُ مَا ذَكَرَ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْمُخَالِفُ مَعْنَاهُ دُرْتُ بِالتَّثْلِيثِ ، وَرَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَبِقَوْلِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ فَجَعَلَهُ حُكْمًا مُبْتَدَأً ، وَالْأَوْلَى فِي رَدِّهِ أَنَّ قَوْلَهُ دُرْتُ إِحَالَةٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ وَالْمَعْرُوفُ مِنْهُ فِي الْقَسْمِ إِنَّمَا كَانَ يَوْمًا يَوْمًا .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ ( فَقَالَتْ : ثَلِّثْ ) قَالَ عِيَاضٌ : اخْتَارَتِ التَّثْلِيثَ مَعَ أَخْذِهَا بِثَوْبِهِ حِرْصًا عَلَى طُولِ إِقَامَتِهِ عِنْدَهَا لِأَنَّهَا رَأَتْ أَنَّهُ إِذَا سَبَّعَ لَهَا وَسَبَّعَ لِغَيْرِهَا لَمْ يَقْرُبْ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : لَاطَفَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَذَا الْقَوْلِ الْحَسَنِ أَيْ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ تَمْهِيدًا لِلْعُذْرِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الثَّلَاثِ ، أَيْ لَيْسَ اقْتِصَارِي عَلَيْهَا لِهَوَانِكِ عَلَيَّ وَلَا لِعَدَمِ رَغْبَةٍ فِيكِ وَلَكِنَّهُ الْحُكْمُ ثُمَّ خَيَّرَهَا بَيْنَ الثَّلَاثِ وَلَا قَضَاءَ لِغَيْرِهَا ، وَبَيْنَ السَّبْعِ وَيَقْضِي لِبَقِيَّةِ أَزْوَاجِهِ فَاخْتَارَتِ الثَّلَاثَ لِيَقْرُبَ رُجُوعُهُ إِلَيْهَا ؛ لِأَنَّ فِي قَضَاءِ السَّبْعِ لِغَيْرِهَا طُولَ مَغِيبِهِ عَنْهَا ، انْتَهَى . وَفِيهِ تَخْيِيرُ الثَّيِّبِ بَيْنَ الثَّلَاثِ بِلَا قَضَاءٍ وَالسَّبْعِ وَالْقَضَاءِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ : لَا تُخَيَّرُ ، وَتَرَكُوا حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ لِحَدِيثِ أَنَسٍ : لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَبِهِ تُعُقِّبَ نَقْلُ النَّوَوِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ : وَيُمْكِنُ عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا رَأَى ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ خُصَّ فِي النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ ا هـ .
وَمَعْنَاهُ أَنَّ احْتِمَالَ الْخُصُوصِيَّةِ مَنَعَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ ، فَرَجَعَ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ ، وَفِي قَوْلِهِ إِنْ شِئْتِ . إِلَخْ ، أَنَّهُ لَا يُحَاسِبُ الثَّيِّبَ بِالثَّلَاثِ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ إِذْ لَوْ حُوسِبَتْ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ السَّبْعِ وَالثَّلَاثِ وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَعْدَادِ . وَقَالَ الْأُبِّيُّ : وَجْهُ احْتِجَاجِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتِ الثَّلَاثُ حَقًّا لِلثَّيِّبِ خَالِصَةً لَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَدُورَ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعًا لِأَنَّ الثَّلَاثَ حَقٌّ لَهَا .
وَالْجَوَابُ مَا قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّهُ إِنَّمَا هِيَ لَهَا بِشَرْطِ أَن لا تَخْتَارَ السَّبْعَ ، أَيْضًا فَمَعْنَاهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ سَبَّعْتُ بَعْدَ التَّثْلِيثِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَقَسْمُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَزْوَاجِهِ إِنَّمَا هُوَ تَطْيِيبٌ لِقُلُوبِهِنَّ وَإِلَّا فَالْقَسْمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : الْآيَةُ 51 ] وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ بِهِ عَلَى صُورَةِ الْإِرْسَالِ ، وَتَابَعَهُ عَلَى إِرْسَالِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَوَصَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، وَتَابَعَهُ فِي شَيْخِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ أَيْضًا وَلِهَذَا اسْتَدْرَكَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى مُسْلِمٍ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنَّ مُسْلِمًا بَيَّنَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي إِرْسَالِهِ وَاتِّصَالِهِ ، وَمَذْهَبُهُ وَمَذْهَبُ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ : إِذَا رُوِيَ الْحَدِيثُ مُرْسَلًا وَمُتَّصِلًا فَالْحُكْمُ لِلْوَصْلِ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةٍ .