باب مَا جَاءَ فِي الْحِنْثِ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَحَدَّثَنِي مَالِك عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ، قَالُوا : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . 1435 1404 - ( مَالِكٌ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) بْنِ يَعْقُوبَ الْجُهَنِيِّ أَحَدِ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ تَابِعِيٍّ صَغِيرٍ ، رَأَى أَنَسًا ، وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ( عَنْ مَعْبَدِ بْنِ كَعْبٍ السَّلَمِيِّ ) بِفَتْحَتَيْنِ ، نِسْبَةً إِلَى بَنِي سَلَمَةَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، الْمَدَنِيِّ التَّابِعِيِّ الثِّقَةِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَوْلُ بَعْضِ الرُّوَاةِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ خَطَأٌ ، إِنَّمَا هُوَ مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ ( عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ) الْمَدَنِيِّ الثِّقَةِ ، وَيُقَالُ : لَهُ رُؤْيَةٌ ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، وَأَبُوهُ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ ، أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ) لَيْسَ هُوَ الْبَاهِلِيَّ إِنَّمَا هُوَ الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ ، قِيلَ : اسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ بْنُ سَهْلٍ ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ، وَفِي الْإِصَابَةِ : اسْمُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ إِيَاسٌ ، وَقِيلَ : عَبْدُ اللَّهِ ، وَبِهِ جَزَمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقِيلَ : ثَعْلَبَةُ ، وَقِيلَ : سَهْلٌ ، وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ إِيَاسٍ ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ مِنْهَا فِي مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ ، خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّهُ مِنْ أَجْلِ أُمِّهِ فَوَجَدَهَا مَاتَتْ فَصَلَّى عَلَيْهَا . أَخْرَجَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنِ اقْتَطَعَ ) افْتَعَلَ مِنَ الْقَطْعِ ( حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ ) جَرَى عَلَى الْغَالِبِ ، وَكَذَلِكَ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ ( بِيَمِينِهِ ) بِحَلِفِهِ الْكَاذِبِ ( حَرَّمَ ) مَنَعَ ( اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ ) إِنِ اسْتَحَلَّ أَوْ إِنْ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ ، أَوْ هُوَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَيَجُوزُ تَخَلُّفُهُ كَمَا مَرَّ ( قَالُوا : وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا ) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، أَيْ غُصْنًا مَقْطُوعًا ( مِنْ أَرَاكٍ ) شَجَرٍ يُسْتَاكُ بِقُضْبَانِهِ ، الْوَاحِدَةُ أَرَاكَةٌ ، وَيُقَالُ هِيَ شَجَرَةٌ طَوِيلَةٌ نَاعِمَةٌ كَثِيرَةُ الْوَرَقِ وَالْأَغْصَانِ وَلَهَا ثَمَرٌ فِي عَنَاقِيدَ يُسَمَّى الْبَرِيرُ ، بِمُوَحَّدَةٍ ، وِزَانَ أَمِيرٍ ، يَمْلَأُ الْعُنْقُودُ الْكَفَّ ( وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا ) وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا ( مِنْ أَرَاكٍ ، وَإِنْ كَانَ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) زِيَادَةً فِي التَّنْفِيرِ لِئَلَّا يُتَهَاوَنَ بِالشَّيْءِ الْيَسِيرِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِ الْحَقِّ وَكَثِيرِهِ فِي التَّحْرِيمِ ، أَمَّا فِي الْإِثْمِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ مَنِ اقْتَطَعَ الْقَنَاطِيرَ الْمُقَنْطَرَةَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَمَنِ اقْتَطَعَ الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ ، وَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَنْعِ وَتَعْظِيمِ الْأَمْرِ وَتَهْوِيلِهِ ، بِدَلِيلِ تَأْكِيدِ تَحْرِيمِ الْجَنَّةِ وَإِيجَابِ النَّارِ ، وَأَحَدُهُمَا يَسْتَلْزِمُ الْآخَرَ ، وَالْحَالُ يَقْتَضِي هَذَا التَّأْكِيدَ لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الِاعْتِدَاءِ الْغَايَةَ حَيْثُ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ سَبِيلٌ ، وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَةٍ وَاجِبَةِ الرِّعَايَةِ وَهِيَ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ ، وَأَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ قَوْلُهُ مُسْلِمٍ قَيْدٌ فَلَوِ اقْتَطَعَ حَقَّ كَافِرٍ لَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ ، أَوْ لَيْسَ بِقَيْدٍ ؟ بَلْ وَرَدَ لِبَيَانِ أَنَّ رِعَايَةَ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَشَدُّ لِأَنَّ حُرْمَةَ حَقِّ الْمُسْلِمِ أَقْوَى ؟ وَقِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلدِّلَالَةِ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْكَافِرِ أَوْجَبُ رِعَايَةً ، فَإِنَّ إِرْضَاءَ الْمُسْلِمِ بِإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرْضِيَ اللَّهُ خَصْمَهُ فَيَعْفُوَ عَنْ ظَالِمِهِ ، وَأَمَّا إِرْضَاءُ الْكَافِرِ بذلك فَغَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَكُونُ الْأَمْرُ صَعْبًا ، فَإِذَا كَانَ حَقُّ مَنْ يُتَصَوَّرُ الْخَلَاصُ مِنْ ظُلْمِهِ وَاجِبَ الرِّعَايَةِ فَحَقُّ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ أَوْلَى .
وَقَالَ عِيَاضٌ : الْحَدِيثُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، فَالْمُسْلِمُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُمَا سَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ الْقَطْعِ . فَأَمَّا فِي الْعُقُوبَةِ فَيَنْبَغِي أَنَّ حَقَّ الْكَافِرِ أَخَفُّ ، قَالَ الْأبِيُّ : وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ، يَعْنِي ابْنَ عَرَفَةَ ، وَوَجْهُهُ بِمَا ثَبَتَ مِنْ رَفْعِ دَرَجَةِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْكَافِرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ - وَهِيَ الْيَمِينُ الصَّبْرُ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا مَالُ مُسْلِمٍ - مِنَ الْكَبَائِرِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَوْعَدَ اللَّهُ أَوْ رَسُولُهُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَا كَفَارَّةَ فِي ذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا اقْتَطَعَهُ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرَهُ ، عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَمَعْمَرٌ وَطَائِفَةٌ : يُكَفِّرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِمَّا عَلَيْهِ ، وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا جَاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا كَفَّارَةَ لَهُ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ : أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى مَالِ أَخِيهِ كَاذِبًا . اهـ .
وَهَذَا الْحَدِيثُ تَابَعَ مَالِكًا عَلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عِنْدِ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ .