باب مَا جَاءَ فِي الرَّجْمِ
حَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ : أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ : لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ لَكُمْ السُّنَنُ وَفُرِضَتْ لَكُمْ الْفَرَائِضُ وَتُرِكْتُمْ عَلَى الْوَاضِحَةِ إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ : إِيَّاكُمْ أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ : زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى لَكَتَبْتُهَا ، الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ؛ فَإِنَّا قَدْ قَرَأْنَاهَا . قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ . قَالَ يَحْيَى : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ .
1560 1500 - ( مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) الْأَنْصَارِيِّ ( عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ ) رِوَايَةُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ تَجْرِي مَجْرَى الْمُتَّصِلِ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ وَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ سَمَاعَهُ مِنْهُ قَالَهُ أَبُو عُمَرَ ( مِنْ مِنًى ) فِي آخِرِ حَجَّاتِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ( أَنَاخَ ) رَاحِلَتَهُ ( بِالْأَبْطَحِ ) أَيِ الْمُحَصَّبِ ( ثُمَّ كَوَّمَ ) بِشَدِّ الْوَاوِ أَيْ جَمَعَ ( كَوْمَةً ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا أَيْ قِطْعَةً ( بَطْحَاءَ ) أَيْ صِغَارَ الْحَصَى أَيْ جَمَعَهَا وَجَعَلَ لَهَا رَأْسًا ( ثُمَّ طَرَحَ ) أَلْقَى ( عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى ) عَلَى ظَهْرِهِ ( ثُمَّ مَدَّ ) رَفَعَ ( يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ) لِأَنَّهَا قِبْلَةُ الدُّعَاءِ ( فَقَالَ : اللَّهُمَّ كَبِرَتْ ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ( سِنِّي ) أَيْ عُمُرِي فَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ( وَضَعُفَتْ قُوَّتِي ) بِسَبَبِ كِبَرِ سِنِّي ( وَانْتَشَرَتْ ) كَثُرَتْ وَتَفَرَّقَتْ ( رَعِيَّتِي ) الَّتِي أَقُومُ بِتَدْبِيرِهَا وَسِيَاسَتِهَا ( فَاقْبِضْنِي ) تَوَفَّنِي ( إِلَيْكَ ) حَالَ كَوْنِي ( غَيْرَ مُضَيِّعٍ ) لِمَا أَمَرْتَنِي بِهِ ( وَلَا مُفَرِّطٍ ) مُتَهَاوِنٍ بِهِ . ( ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ ) وَلِلْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فِي عَقِبِ ذِي الْحِجَّةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَجَّلْنَا بِالرَّوَاحِ إِلَى أَنْ قَالَ : فَجَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَلَمَّا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَائِلٌ لَكُمْ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ لِي أَنْ أَقُولَهَا لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي فَمَنْ عَقَلَهَا وَوَعَاهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حَيْثُ انْتَهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَمَنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَعْقِلَهَا فَلَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ . ( فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ سُنَّتْ ) بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ النُّونِ الثَّقِيلَةِ ، وَسُكُونِ الْفَوْقِيَّةِ ( لَكُمُ السُّنَنُ ) جُمَعُ سُنَّةٍ ( وَفُرِضَتْ لَكُمُ الْفَرَائِضُ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا لِلْعِلْمِ بِالْفَاعِلِ ( وَتُرِكْتُمْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْضًا ( عَلَى ) الطَّرِيقِ ( الْوَاضِحَةِ ) الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تَخْفَى ( إِلَّا أَنْ تَضِلُّوا بِالنَّاسِ يَمِينًا وَشِمَالًا ) عَنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ الْوَاضِحَةِ لِهَوَى أَنْفُسِكُمْ ( وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ) أَسَفًا وَتَعَجُّبًا مِمَّنْ يَقَعُ مِنْهُ ضَلَالٌ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ الْبَالِغِ ( ثُمَّ قَالَ : إِيَّاكُمْ ) أُحَذِّرُكُمْ ( أَنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ ) أَنْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ( يَقُولُ قَائِلٌ : لَا نَجِدُ حَدَّيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) إِنَّمَا فِيهِ حَدٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَلْدُ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ : أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا ( فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَيْ أَمَرَ بِرَجْمِ مَنْ أُحْصِنَ : مَاعِزٌ وَالْغَامِدِيَّةُ ، وَالْيَهُودِيُّ وَالْيَهُودِيَّةُ ( وَرَجَمْنَا ) بَعْدَهُ ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُهَا ) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبُرْهَانِ : ظَاهِرُهُ أَنَّ كِتَابَتَهَا جَائِزَةٌ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ قَوْلُ النَّاسِ ، وَالْجَائِزُ فِي نَفْسِهِ قَدْ يَقُومُ مِنْ خَارِجِ مَا يَمْنَعُهُ ، وَإِذَا كَانَتْ جَائِزَةً لَزِمَ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً ؛ لِأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْمَكْتُوبِ ، قَالَ : وَقَدْ يُقَالُ : لَوْ كَانَتِ التِّلَاوَةُ بَاقِيَةً لَبَادَرَ عُمَرُ وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى مَقَالَةِ النَّاسِ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ مَانِعًا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ مُشْكِلَةٌ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ عُمَرَ هَذَا الظَّاهِرَ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ الْمُبَالَغَةُ وَالْحَثُّ عَلَى الْعَمَلِ بِالرَّجْمِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ بَاقٍ وَإِنْ نُسِخَ لَفْظُهَا إِذْ لَا يَسَعُ مِثْلُ عُمَرَ مَعَ مَزِيدِ فِقْهِهِ تَجْوِيزَ كَتْبِهَا مَعَ نَسْخِ لَفْظِهَا ، فَلَا إِشْكَالَ وَضَمِيرُ كَتَبْتُهَا لآيَةِ الرَّجْمِ ، وَهِيَ ( الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ ) إِذَا زَنَيَا ( فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ أَيْ جَزْمًا ( فإنا قَدْ قَرَأْنَاهَا ) ثُمَّ نُسِخَ لَفْظُهَا وَبَقِيَ حُكْمُهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْنَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ : وَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ : وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ .
( قَالَ مَالِكٌ : قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : فَمَا انْسَلَخَ ) أَيْ مَضَى ( ذُو الْحِجَّةِ ) الشَّهْرُ الَّذِي خَطَبَ فِيهِ هَذِهِ الْخُطْبَةَ ( حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَرَضِيَ عَنْهُ شَهِيدًا بِيَدِ فَيْرُوزَ النَّصْرَانِيِّ عَبْدِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . ( مَالِكٌ : قَوْلُهُ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ يَعْنِي الثَّيِّبَ وَالثَّيِّبَةَ ) أَيِ الْمُحْصَنَ وَالْمُحْصَنَةَ ، وَإِنْ كَانَا شَابَّيْنِ لَا حَقِيقَةَ الشَّيْخِ ، وَهُوَ مَنْ طَعَنَ فِي السِّنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : ( فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ ) فَإِنَّ الرَّجْمَ لَا يَخْتَصُّ بِالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ ، وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى الْإِحْصَانِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَاعِزٍ : أَحْصَنْتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَهْلِ مَاعِزٍ : أَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ ؟ فَقَالُوا : بَلْ ثَيِّبٌ ، كَمَا مَرَّ .