باب السُّنَّةِ فِي الشُّرْبِ وَمُنَاوَلَتِهِ عَنْ الْيَمِينِ
( وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ ) الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ( فَشَرِبَ ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( ثُمَّ أَعْطَى الْأَعْرَابِيَّ ) ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ : فَقَالَ عُمَرُ - وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَعْرَابِيَّ - أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَكَ ، فَأَعْطَاهُ الْأَعْرَابِيَّ عَنْ يَمِينِهِ ، ( وَقَالَ : الْأَيْمَنَ فَالْأَيْمَنَ ) ضُبِطَ بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِيرِ : أَعْطِ الْأَيْمَنَ ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ : الْأَيْمَنُ أَحَقُّ ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَرَجَّحَ الرَّفْعَ بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ : الْأَيْمَنُونَ الْأَيْمَنُونَ ، قَالَ أَنَسٌ : فَهِيَ سُنَّةٌ ، أَيْ تَقْدِمَةُ الْأَيْمَنِ ، وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إِلَّا ابْنُ حَزْمٍ ، فَقَالَ : لَا يَجُوزُ تقدمة غير الْأَيْمَنُ إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَقَى ، قَالَ : ابْدَؤُوا بِالْكُبَرَاءِ ، أَوْ قَالَ : بِالْأَكَابِرِ ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ أَحَدٌ بَلْ كَانُوا كُلُّهُمْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مَثَلًا . وَفِيهِ أَنَّ خَلْطَ اللَّبَنِ بِالْمَاءِ لِلشُّرْبِ جَائِزٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَغِشٌّ ، وَأَنَّ الْمَجْلِسَ عَنِ الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ سَوَاءٌ ، إِذْ لَوْ كَانَ الْفَضْلُ لِلْيَمِينِ لَمَا آثَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَعْرَابِيَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَقِيلَ : كَانَ الْأَعْرَابِيُّ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ فَلِذَا جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سَبَقَ أَبَا بَكْرٍ ، فَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَكَانٍ مِنْ مَجْلِسِ الْعَالِمِ أَوْلَى بِهِ مَنْ غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ، وَأَنَّهُ لَا يُقَامُ أَحَدٌ مِنْ مَجْلِسِهِ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ أَفْضَلَ مِنْهُ ، وَقَدْ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَجَمِيعِ الْأُمُورِ لِمَا شَرَّفَ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الْيَمِينِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْأَشْرِبَةِ ، الْبُخَارِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَلَهُ مُتَابَعَاتٌ وَطُرُقٌ .