بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالطِّيَرَةِ
وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ : عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ ابْنِ عَطِيَّةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ ، وَلَا يَحُلَّ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ وَلْيَحْلُلْ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ أَذًى . 1715 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ بُكَيْرٍ ) - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ - ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ) - بِالْجِيمِ - الْمَخْزُومِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيِّ ، نَزِيلِ مِصْرَ مِنَ الثِّقَاتِ ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ : بَعْدَهَا ( عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ ) كَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَتَابَعَهُ قَوْمٌ . وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ الْأَشْجَعِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَتَابَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، وَأَبُو مُصْعَبٍ ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ ، أَيْ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ ، وَابْنُ عَطِيَّةَ اسْمُهُ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطِيَّةَ ، وَيُكَنَّى أَبَا عَطِيَّةَ ، قِيلَ : هُوَ مَجْهُولٌ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مَحْفُوظٌ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنَ بُكَيْرٍ فِي ذِكْرِهِ بِأَدَاةِ الْكُنْيَةِ ، بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي صَحَابِيِّهِ ، فَقَالَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ : أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ ، لَكِنَّهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي هَاشِمٍ الرِّفَاعِيِّ رَاوِيهِ عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا عَدْوَى ) أَيْ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا ، أَيْ لَا يَسْرِي ، وَلَا يَتَجَاوَزُ شَيْءٌ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ بِهِ ، يُقَالُ : أَعْدَى فُلَانٌ فَلَانًا مِنْ عِلَّةٍ بِهِ ، وَذَلِكَ عَلَى مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ الْمُتَطَبِّبَةُ فِي الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُدَرِيِّ وَالْحَصْبَاءِ وَالسِّحْرِ وَالرَّمَدِ وَالْأَمْرَاضِ الْوَبَائِيَّةِ ، وَالْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ .
( وَلَا هَامَ ) وَفِي لَفْظٍ : وَلَا هَامَةَ بِخِفَّةِ الْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ ؛ اسْمُ طَائِرٍ مِنْ طَيْرِ اللَّيْلِ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهِ ، فَيَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ ، وَقِيلَ : هُوَ الْبُومَةُ كَانُوا يَتَشَاءَمُونَ بِهَا ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ ، أَيْ لَا يُتَطَيَّرُ بِهِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ نَفْيُ زَعْمِهِمْ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ قَتِيلٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسَهُ طَائِرٌ ، فَلَا يَزَالُ يَقُولُ : اسْقُونِي حَتَّى يُقْتَلَ قَاتِلُهُ ، فَيَطِيرُ ، وَقِيلَ : كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِظَامَ الْمَيِّتِ تَصِيرُ هَامَةً ، وَقِيلَ : إِنَّ رُوحَهُ تَنْقَلِبُ هَامَةً فَتَطِيرُ وَيُسَمُّونَهَا : الصَّدَى ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا تَفْسِيرُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ ، قَالَ : وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُرَادَ النَّوْعَانِ ، وَأَنَّهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَانِ . ( وَلَا صَفَرَ ) : الشَّهْرُ الْمَعْرُوفُ ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُحَرِّمُهُ ، وَتَسْتَحِلُّ الْمُحَرَّمَ ، وَهُوَ النَّسِيءُ ، فَجَاءَ الْإِسْلَامُ بِرَدِّ ذَلِكَ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُرْوَى عَنْ مَالِكٍ ، وَقِيلَ : كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ صَفَرَ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تَهِيجُ عِنْدَ الْجُوعِ لِلنَّاسِ ، وَالْمَاشِيَةِ ، وَرُبَّمَا قَتَلَتْ صَاحِبَهَا ، وَأَنَّهَا تُعْدِي أَقْوَى مِنَ الْجَرَبِ ، فَالْحَدِيثُ لِنَفْيِ ذَلِكَ ، أَوْ لِنَفْيِ الْعَدْوَى ، بِهِ قَوْلَانِ ، وَأُيِّدَ هَذَا التَّفْسِيرُ بِمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عبدِ اللهِ فَسَّرَ الصَّفَرَ فَقَالَ : كَانَ يُقَالُ : حَيَّاتُ الْبَطْنِ ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : هُوَ نَفْيٌ لِمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ شَهْرَ صَفَرٍ تَكْثُرُ فِيهِ الدَّوَاهِي .
( وَلَا يَحُلَّ ) - بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْحَاءِ - وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا يُورِدُ ( الْمُمْرِضُ ) - بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَفَتْحِهَا - مِنَ الْإِبِلِ ( عَلَى الْمُصِحِّ ) - بِكَسْرِ الصَّادِ - مِنْهَا فَرُبَّمَا يُصَابُ بِذَلِكَ فَيَقُولُ الَّذِي أَوْرَدَهُ : لَوْ أَنِّي مَا أَحْلَلْتُهُ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ هَذَا شَيْءٌ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحِلَّهُ لَأَصَابَهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ فَنَهَى عَنْهُ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي لَا يُؤْمَنُ غَالِبًا مِنْ وُقُوعِهَا فِي طَبْعِ الْإِنْسَانِ ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ ، وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْجُذَامَ لَا يُعْدِي ، لَكِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا نَفْرَةً وَكَرَاهِيَةً لِمُخَالَطَتِهِ . وَفِي الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ ، وَلَا هَامَةَ ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَمَا بَالُ الْإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ ، فَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ ، فَيَجِيءُ الْبَعِيرُ الْأَجْرَبُ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيُجْرِبُهَا كُلَّهَا ؟ قَالَ : فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فَمَا أَجْرَبَ الْأَوَّلَ ؟ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ نَفْسٍ ، وَكَتَبَ حَالَهَا ، وَمُصَابَهَا ، وَرِزْقَهَا ، الْحَدِيثَ ، فَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَقَدَرِهِ ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ ( سورة الْحَدِيدِ : الْآيَةُ 22 ) الْآيَةَ . وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْ إِيرَادِ الْمُمْرِضِ ، فَمِنْ بَابِ اجْتِنَابِ الْأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى ، وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا لِلْهَلَاكِ ، أَوِ الْأَذَى ، وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِاتِّقَاءِ أَسْبَابِ الْبَلَاءِ إِذَا كَانَ فِي عَافِيَةٍ مِنْهَا .
وَفِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ بِحَائِطٍ مَائِلٍ فَقَالَ : أَخَافُ مَوْتَ الْفَوَاتِ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ : ( وَلْيَحْلُلِ الْمُصِحُّ حَيْثُ شَاءَ ) فَلَهُ نُزُولُ مَحَلَّةِ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ . ( قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ أَذًى ) أَيْ يَتَأَذَّى بِهِ ، لَا أَنَّهُ يُعْدِي ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ بِإِبِلِهِ ، أَوْ غَنَمِهِ الْجَرِبَةِ ، فَيَحُلَّ بِهَا عَلَى مَاشِيَةٍ صَحِيحَةٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَهُ فِي رَجُلٍ يَكُونُ بِهِ الْجُذَامُ ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الصَّحِيحِ يُؤْذِيهِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يُعْدِي ، فَالْأَنْفُسُ تَكْرَهُهُ ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ أَذًى ، يَعْنِي لَا لِلْعَدْوَى .
وَأَمَّا الصَّحِيحُ ، فَلَهُ أَنْ يَنْزِلَ مَحَلَّةَ الْمَرِيضِ إِنْ صَبَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَمَلَتْهُ نَفْسُهُ .