بَابُ الْعَمَلِ فِي السَّلَامِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ : لِأَنَّ وَضْعَ السَّلَامِ إِنَّمَا هُوَ لِحِكْمَةِ إِزَالَةِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُلْتَقِيَيْنِ ، إِذَا الْتَقَيَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا ، أَوْ لِمَعْنَى التَّوَاضُعِ الْمُنَاسِبِ لِحَالِ الْمُؤْمِنِ ، أَوْ لِلتَّعْظِيمِ ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ : إِمَّا اكْتِسَابُ وُدٍّ ، أَوِ اسْتِدْفَاعُ مَكْرُوهٍ ، وَهَذَا مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِزِيَادَةِ : وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ . ( وَإِذَا سَلَّمَ مِنَ الْقَوْمِ ) الرَّاكِبِينَ أَوِ الْمَاشِينَ أَوِ الْقَلِيلِينَ أَوِ الصِّغَارِ ( وَاحِدٌ ) مِنْهُمْ ( أَجْزَأَ عَنْهُمْ ) فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ فَهُوَ أَصْلٌ لِلْإِجْمَاعِ ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالسَّلَامِ سُنَّةُ كِفَايَةٍ إِذَا سَلَّمَ وَاحِدٌ ، كَفَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْمُرَادُ بِالسَّلَامِ هُنَا الرَّدُّ ؛ لِأَنَّ الرَّادَّ مُسْلِمٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ : أَجَزَأَ فِيمَا وَاجِبٌ ، وَالِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ ، وَالرَّدُّ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا فِيهِمَا ، فَبَطَلَ تَأْوِيلُ الطَّحَاوِيِّ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ ابْتَدَأَ السَّلَامَ نُصْرَةً لِمَذْهَبِهِ أَنَّ رَدَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : يُجْزِئُ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرَّتْ أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْقُعُودِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ ، فَسَوَّى بَيْنَ الِابْتِدَاءِ ، وَالرَّدِّ أَنَّهُمَا عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ لَا مُعَارِضَ لَهُ . وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَشَبَّهَهُ الشَّافِعِيُّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ، والتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْجِهَادِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ ، وَمَعْنَى إِجْزَائِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فِي تَحْصِيلِ السُّنَّةِ لِلْإِجْمَاعِ ، عَلَى أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهِ سُنَّةٌ ، انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مَا فَهِمَهُ الطَّحَاوِيُّ ، لَكِنْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ : أَجْزَأَ ، أَيْ فِي السُّنَّةِ ، كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ أَبُو عُمَرَ آخِرًا ، وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ فَرْضُ عَيْنٍ .
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .