بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوَحْدَةِ فِي السَّفَرِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا . 1833 1786 - ( مَالِكٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ) كِيسَانَ ( الْمَقْبُرِيِّ ) - بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَفَتْحِهَا - ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا لِمُعْظَمِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، وَرَوَاهُ بِشْرُ بْنُ عُمَرَ الزَّهْرَانِيُّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَرَوِيُّ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ شَبَّابَةَ عَنْهُ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَصَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ رِوَايَةَ إِسْقَاطِ عَنْ أَبِيهِ لِاتِّفَاقِ مَالِكٍ ، وَابْنِ كَثِيرٍ ، وَسُهَيْلٍ عَلَى إِسْقَاطِهِ ، وَانْتَقَدَ عَلَى الشَّيْخَيْنِ إِخْرَاجَهُمَا رِوَايَةَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَلَى مُسْلِمٍ إِخْرَاجَهُ رِوَايَةَ اللَّيْثِ بِإِثْبَاتٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ لَا يَقْدَحُ ، فَإِنَّ سَمَاعَ سَعِيدٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ مَعْرُوفٌ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَفْسِهِ فَحَدَّثَ بِهِ عَنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ ، فَقَالَ : سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ سَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَالطَّرِيقَانِ جَمِيعًا مَحْفُوظَانِ اهـ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنْ سَعِيدًا لَيْسَ بِمُدَلِّسٍ ، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مُتَّصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ : ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) : يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَيَّدَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ لِلْمُتَّصِفِ بِهِ خِطَابُ الشَّرْعِ ، فَيَنْتَفِعُ بِهِ ، وَيَنْقَادُ لَهُ ، أَوْ أَنَّ الْوَصْفَ ذُكِرَ لِتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ بِأَنَّهَا إِذَا سَافَرَتْ بِلَا مَحْرَمٍ خَالَفَتْ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الْمُقْتَضِي الْمَوْقُوفَ عِنْدَمَا نُهِيَتْ عَنْهُ ، أَوْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَلَمْ يُقْصَدْ بِهِ إِخْرَاجُ الْكَافِرَةِ كِتَابِيَّةً أَوْ حَرْبِيَّةً كَمَا قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِالْمَفْهُومِ .
( تُسَافِرُ ) هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِدُونِ أَنْ ، نَظِيرُ قَوْلِهِمْ تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ ، فَتَسْمَعُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَتُسَافِرُ مَوْضِعُهُ رَفْعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، فَيَجُوزُ رَفْعُهُ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ أَنْ ، قَالَهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ ، ( مَسِيرَةَ ) مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى السَّيْرِ ، بِمَعِيشَةَ ؛ بِمَعْنَى الْعَيْشِ ، وَلَيْسَتِ التَّاءُ فِيهِ لِلْمَرَّةِ . ( يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ - أَيْ : حَرَامٍ ( مِنْهَا ) بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ تَنْزِيهًا سَفَرَهَا مَعَ ابْنِ زَوْجِهَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ ، وَحَدَاثَةِ الْحُرْمَةِ ، وَلِأَنَّ الدَّاعِيَ إِلَى النَّفْرَةِ عَنِ امْرَأَةِ الْأَبِ ، لَيْسَ كَالدَّاعِي إِلَى النَّفْرَةِ عَنْ سَائِرِ الْمَحَارِمِ ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّفْرَةِ عَنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ ، وَعَلَّلَهُ الْبَاجِيُّ بِعَدَاوَةِ الْمَرْأَةِ لِرَبِيبِهَا ، وَعَدَمِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهَا ، وَصَوَّبَ غَيْرُهُ التَّعْلِيلَ الْأَوَّلَ ، زَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : أَوْ زَوْجٍ ، وَفِي مَعْنَاهُ السَّيِّدُ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذِكْرُ الزَّوْجِ ، لِقَيْسَ عَلَى الْمَحْرَمِ قِيَاسًا جَلِيًّا ، وَلَفْظُ امْرَأَةٍ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النِّسَاءِ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ ، لَا عَنِ الْبَاجِيِّ ، كَمَا زَعَمَ أَنَّهُ فِي الشَّابَّةِ ، أَمَّا الْكَبِيرَةُ الَّتِي لَا تُشْتَهَى فَتُسَافِرُ فِي كُلِّ الْأَسْفَارِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِيهِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا حَرَامٌ ، وَمَا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ جَسَدِهَا غَالِبًا عَوْرَةٌ ، فَالْمَظِنَّةُ مَوْجُودَةٌ فِيهَا ، وَالْعُمُومُ صَالِحٌ لَهَا ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهُ .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْمَرْأَةُ مَظِنَّةُ الطَّمَعِ فِيهَا ، وَمَظِنَّةُ الشَّهْوَةِ ، وَلَوْ كَبِيرَةً ، وَقَدْ قَالُوا : لِكُلِّ سَاقِطَةٍ لَاقِطَةٌ ، وَيَجْتَمِعُ فِي الْأَسْفَارِ مِنْ سُفَهَاءِ النَّاسِ وَسَقْطِهِمْ مَنْ لَا يَتَرَفَّعُ عَنِ الْفَاحِشَةِ بِالْعَجُوزِ وَغَيْرِهَا لِغَلَبَةِ شَهْوَتِهِ وَقِلَّةِ دَيْنِهِ وَمُرُوءَتِهِ وَحَيَائِهِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا : أَنْ تُسَافِرَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَبِي دَاوُدَ : لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثًا إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْمَذْكُورَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : تُسَافِرُ مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ : يَوْمٍ ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ بَرِيدٍ بَدَلُ يَوْمٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ : يَوْمَيْنِ ، وَفِي أُخْرَى : إِطْلَاقُ السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ ، فَجَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَعِيَاضٌ ، وَغَيْرُهُمْ ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ لِلْعُلَمَاءِ بِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ السَّائِلِينَ ، فَسُئِلَ مَرَّةً عَنْ سَفَرِهَا لَيْلَةً ، فَقَالَ : لَا ، وَأُخْرَى عَنْ سَفَرِهَا يَوْمًا ، فَقَالَ : لَا ، وَهَكَذَا فِي جَمِيعِهَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْدِيدٌ ، قَالَ الْأَبِيُّ : وَالْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ جَوَابًا لِسَائِلَيْنِ ، فَلَا مَفْهُومَ لِأَحَدِهَا ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفِقْهُ جَمَعَ أَحَادِيثَ الْبَابِ ، فَحَقُّ النَّاظِرِ أَنْ يَسْتَحْضِرَ جَمِيعَهَا ، وَيَنْظُرَ أَخَصَّهَا فَيُنِيطُ الْحُكْمَ بِهِ ، وَأَخَصُّهَا بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ يَوْمٌ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ فِيهِ امْتَنَعَ فِيمَا هُوَ أَكْثَرُ ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنْ يَوْمٍ وُصْفُ السَّفَرِ الْمَذْكُورِ فِي جَمِيعِهَا ، فَيُمْنَعُ فِي أَقَلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ ، ثُمَّ أَخَصُّ مِنَ اسْمِ السَّفَرِ الْخَلْوَةُ بِهَا ، فَلَا تُعَرِّضُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا بِالْخَلْوَةِ مَعَ أَحَدٍ ، وَإِنْ قَلَّ الْزَمْنُ لِعَدَمِ الْأَمْنِ لَا سِيَّمَا مَعَ فَسَادِ الزَّمَنِ ، وَالْمَرْأَةُ فِتْنَةٌ إِلَّا فِيمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النُّفْرَةِ مِنْ مَحَارِمِ النَّسَبِ ، وَقَدِ اتَّقَى بَعْضُ السَّلَفِ الْخَلْوَةَ بِالْبَهِيمَةِ ، وَقَالَ : شَيْطَانٌ مُغْوِيٌّ ، وَأُنْثَى حَاضِرَةٌ اهـ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا بِأَنَّ الْيَوْمَ الْمَذْكُورَ بِمَعْنَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْمَجْمُوعَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَاللَّيْلَ مِنَ الْيَوْمِ ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ يَوْمَيْنِ مُدَّةَ مَغِيبِهَا فِي هَذَا السَّفَرِ فِي السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ ، فَأَشَارَ مَرَّةً لِمَسَافَةِ السَّفَرِ وَمَرَّةً لِمُدَّةِ الْمَغِيبِ ، وَهَكَذَا فِي ذِكْرِ الثَّلَاثِ ، فَقَدْ يَكُونُ الْيَوْمُ الْوَسَطُ بَيْنَ السَّيْرِ وَالرُّجُوعِ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهَا ، حَيْثُ سَافَرَتْ لَهُ فَتَتَّفِقُ الْأَحَادِيثُ ، وَقَدْ يَكُونُ هَذَا كُلُّهُ تَمْثِيلًا بِأَقَلِّ الْأَعْدَادِ ، إِذِ الْوَاحِدُ أَوَّلُ الْعَدَدِ ، وَالِاثْنَانِ أَوَّلُ الْكَثِيرِ وَأَقَلُّهُ ، وَالثَّلَاثَةُ أَقَلُّ الْجَمْعِ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا فِي قِلَّةِ الزَّمَانِ لَا يَحِلُّ لَهَا السَّفَرُ فِيهِ مَعَ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فَكَيْفَ بِمَا زَادَ ؟ وَبِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا اهـ .
وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ ، وَمَنْ وَافَقَهُمَا عَلَى أَنَّ الْمَحْرَمَ ، أَوِ الزَّوْجَ شَرْطٌ فِي اسْتِطَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِلْحَجِّ ، فَإِنَّهُ حَرُمَ عَلَيْهَا السَّفَرُ إِلَّا مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَالْحَجُّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْفَارِ ، فَيَكُونُ حَرَامًا عَلَيْهَا فَلَا يَجِبُ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا ، وَطَائِفَةٌ لَا يُشْتَرَطُ الْمَحْرَمُ ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا تَحُجُّ مَعَ مَنْ تَثِقُ بِهِ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ ، وَاخْتُلِفَ : هَلْ مُرَادُهُ مَجْمُوعُ الصِّنْفَيْنِ ، أَوْ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا ؟ وَأَكْثَرُ مَا نُقِلَ عَنْهُ اشْتِرَاطُ النِّسَاءِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تَحُجُّ مَعَ امْرَأَةٍ حُرَّةٍ مسْلَمَةٍ ثِقَةٍ ، وَاعْتَرَضَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّهَا لَا تَكُونُ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا ، فَإِبَاحَةُ الْخُرُوجِ مَعَهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ خِلَافُ السُّنَّةِ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي حَجِّ الْفَرْضِ ، فَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَا تَخْرُجُ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ ، وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِحَمْلِهِ عَلَى حَجِّ التَّطَوُّعِ ، لَا الْفَرْضِ قِيَاسًا عَلَى الْإِجْمَاعِ فِي الْكَافِرَةِ ، إِذَا أَسْلَمَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْهِجْرَةُ مِنْهَا وَإِنْ بِلَا مَحْرَمٍ ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْهِجْرَةِ .
وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّ إِقَامَتَهَا فِي دَارِ الْكُفْرِ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهَا تَخْشَى عَلَى دِينِهَا وَنَفْسِهَا ، وَلَا كَذَلِكَ تَأْخِيرُ الْحَجِّ لِلْخِلَافِ فِي فَوْرِيَّتِهِ وَتَرَاخِيهِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ مُخَالَفَةُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ( سورة آلِ عِمْرَانَ : الْآيَةُ 97 ) ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالْبَدَنِ ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ قَادِرٍ عَلَيْهِ بِبَدَنِهِ ، وَمَنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا قَادِرَةٌ بِبَدَنِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهَا ، فَلَمَّا تَعَارَضَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِرُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، فَجَمَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنْ جَعَلَ الْحَدِيثَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِطَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ، وَرَأَى مَالِكٌ ، وَمُوَافِقُوهُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الْأَمْنِيَّةُ بِنَفْسِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْأَسْفَارِ الْوَاجِبَةِ ، وَقَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِحَمْلِ الْأَخْبَارِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الطَّرِيقُ أَمْنًا . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُمْكِنُ أَنَّ الْمَنْعَ إِنَّمَا خَرَجَ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنَ الْخَلْوَةِ ، وَانْكِشَافِ عَوْرَاتِهِنَّ غَالِبًا ، فَإِذَا أُمِنَ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الرُّفْقَةِ نِسَاءٌ تَنْحَاشُ إِلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، قَالَ الْبَاجِيُّ : وَهَذَا عِنْدِي فِي الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ ، فَأَمَّا فِي الْقَوَافِلِ الْعَظِيمَةِ ، فَهِيَ كَالْبِلَادِ يَصِحُّ فِيهَا سَفَرُهَا دُونَ نِسَاءٍ ، وَدُونَ مَحْرَمٍ ، انْتَهَى . وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَيْدَ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَمَحَلُّ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ كَوُجُودِ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مُنْقَطِعَةٍ مَثَلًا ، فَلَهُ أَنْ يَصْحَبَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا خَافَ عَلَيْهَا لَوْ تَرَكَهَا ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ ، وَفِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ أُخَرُ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا .
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ يَحْيَى ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالنُّفَيْلِيِّ ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ يُدَوِّنُ عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ الْمَازِرِيُّ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَكَذَا رَوَاهُ مُعْظَمُ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، انْتَهَى . وَفِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِيهِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي الْأَطْرَافِ ، وَلِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ .