بَاب مَا جَاءَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَحَدَّثَنِي مَالِك ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دَنَانِيرَ ، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَئُونَةِ عَامِلِي ؛ فَهُوَ صَدَقَةٌ . 1871 1824 - ( مَالِكٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَقْسِمُ ) بِفَوْقِيَّةٍ أَوَّلَهُ ، وَتَحْتِيَّةٍ رِوَايَتَانِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِتَاءٍ بَعْدَ الْقَافِ ، وَأُخْرَى بِحَذْفِهَا ، ( وَرَثَتِي ) ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الرِّوَايَةُ بِرَفْعِ الْمِيمِ عَلَى الْخَبَرِ - يَعْنِي الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ - فَفِي فَتْحِ الْبَارِي بِإِسْكَانِ الْمِيمِ عَلَى النَّهْيِ ، وَبِضَمِّهَا عَلَى النَّفْيِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَبِهِ يَسْتَقِيمُ الْمَعْنَى حَتَّى لَا يُعَارِضَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْ مَا لَا يُورَثُ عَنْهُ ، وَتَوْجِيهُ رِوَايَةِ النَّهْيِ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا ، فَنَهَاهُمْ عَنْ قِسْمَةِ مَا يُخَلِّفُ إِنِ اتَّفَقَ أَنَّهُ خَلَّفَ ، وَسَمَّاهُمْ وَرَثَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ ، لَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ ، انْتَهَى ، يَعْنِي لَوْ كُنْتُ مِمَّنْ يُورَثُ ، زَادَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ : أَوِ الْمُرَادُ لَا يُقْسَمُ مَالٌ تَرَكْتُهُ لِجِهَةِ الْإِرْثِ ، فَأَتَى بِلَفْظِ : وَرَثَتِي لِيَكُونَ الْحُكْمُ مُعَلَّلًا بِمَا بِهِ الِاشْتِقَاقُ ، وَهُوَ الْإِرْثُ ، فَالْمَنْفِيُّ قَسْمُهُمْ بِالْإِرْثِ عَنْهُ ( دَنَانِيرَ ) ، كَذَا لِيَحْيَى بِالْجَمْعِ ، وَلِسَائِرِ الرُّوَاةِ دِينَارًا بِالْإِفْرَادِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّوَابُ ، انْتَهَى . قِيلَ : وَهُوَ تَنْبِيهٌ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى .
وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : وَلَا دِرْهَمًا ، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ ، تَابَعَهُ عَلَيْهَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ بِمَعْنَى النَّهْيِ ، فَيَتَّحِدُ مَعْنَى الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ رِوَايَةِ الرَّفْعِ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّفُ شَيْئًا مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِقَسْمِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَأَنَّ الَّذِي يُخَلِّفُهُ مِنْ غَيْرِهِمَا لَا يُقْسَمُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ ، بَلْ يُقْسَمُ مَنَافِعُهُ لِمَنْ ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ ، ( مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي ) وَيَدْخُلُ فِيهِ كِسَوْتُهُنَّ ، وَسَائِرُ اللَّوَازِمِ كَالْمَسَاكِينِ لِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ عَنِ الزَّوَاجِ بِسَبَبِهِ ، أَوْ لِعِظَمِ حُقُوقِهِنَّ لِفَضْلِهِنَّ ، وَقِدَمِ هِجْرَتِهِنَّ وَكَوْنِهِنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِأَنَّهُنَّ كَمَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي مَعْنَى الْمُعْتَدَّاتِ : لِأَنَّهُنَّ لَا يَجُوزُ لَهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَبَدًا ، فَجَرَتْ لَهُنَّ النَّفَقَةُ ، وَتُرِكَتْ حُجَرُهُنَّ لَهُنَّ يَسْكُنَّهَا . ( وَمُؤْنَةِ عَامِلِي ) ، قِيلَ : هُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَالْمُوَافِقُ لِمَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : الْعَامِلُ عَلَى النَّخْلِ ، وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرَانِيُّ ، وَابْنُ بَطَّالٍ ، وَأَبْعَدُ مَنْ قَالَ هُوَ حَافِرُ قَبْرِهِ ، وَقِيلَ : خَادِمُهُ وَقِيلَ : عَامَلُ الصَّدَقَةِ ، وَقِيلَ : الْعَامِلُ فِيهَا كَالْأَجِيرِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أُجْرَةِ الْقَاسِمِ ، قَالَهُ الْحَافِظُ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : الْمُرَادُ كُلُّ عَامِلٍ يَعْمَلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلِيفَةٍ ، أَوْ غَيْرِهِ ، قَامَ بِأَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَبِشَرِيعَتِهِ فَهُوَ عَامِلٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا بُدَّ أَنْ يُكْفَى مُؤْنَتَهُ ، وَإِلَّا ضَاعَ .
( فَهُوَ ) أَيِ الْمَتْرُوكُ بَعْدَمَا ذُكِرَ ( صَدَقَةٌ ) ، مَعْنَى لِأَنِّي لَا أُورَثُ ، أَوْ لَا أُخَلِّفُ مَالًا ، فَإِنْ قِيلَ : مَا وَجْهُ تَخْصِيصِ النِّسَاءِ بِالنَّفَقَةِ ، وَالْمُؤْنَةِ لِلْعَامِلِ ، وَهَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ؟ أَجَابَ التَّقِيُّ السُّبْكِيُّ ، كَمَا فِي الْفَتْحِ بِأَنَّ الْمُؤْنَةَ فِي اللُّغَةِ : الْقِيَامُ بِالْكِفَايَةِ ، وَالْإِنْفَاقُ بَدَلَ الْقُوتِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ النَّفَقَةَ دُونَ الْمُؤْنَةِ ، وَالسِّرُّ فِي التَّخْصِيصِ الْمَذْكُورِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَزْوَاجَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، كَانَ لَا بُدَّ لَهُنَّ مِنَ الْقُوتِ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَالْعَامِلُ لَمَّا كَانَ فِي صُورَةِ الْأَجِيرِ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَا يَكْفِيهِ اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُرْوَةَ : فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا ، فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا ، أَيْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا ، وَتَحْصِيلِ غَلَّاتِهَا لَا بِتَخْصِيصِ الْحَاصِلِ لِنَفْسِهِ ، قَالَ : ثُمَّ بِيَدِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ، ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنٍ ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ كِلَاهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلَانِهَا ، ثُمَّ بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ ، وَهِيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا . زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ : ثُمَّ كَانَتْ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ ، حَتَّى وَلَّى هَؤُلَاءِ ؛ يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ ، فَقَبَضُوهَا .
وَزَادَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي : أَنَّ إِعْرَاضَ الْعَبَّاسِ عَنْهَا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ شُعْبَةَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْمَدَنِيَّ أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ مَكَثَتْ فِي عَهْدِهِ يُوَلِّي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ مَنْ يَقْبِضُهَا ، وَيُفَرِّقُهَا فِي أَهْلِ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ الْحَافِظُ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورُ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا ، وَالْخَمْسُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ ، وَفِي الْفَرَائِضِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْمَغَازِي عَنْ يَحْيَى ، الثَّلَاثَةُ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْخَرَاجِ .