فصل
فصل قال ابن حبان : من كان منكر الحديث على قلته لا يجوز تعديله إلا بعد السبر ، ولو كان ممن يروي المناكير ووافق الثقات في الأخبار لكان عدلًا مقبول الرواية ؛ إذ الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة ، حتى يتبين منهم ما يوجب القدح ، هذا حكم المشاهير من الرواة ، فأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون على الأحوال كلها . قلت : وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان ، من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه ، كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه ، مذهب عجيب ، والجمهور على خلافه . وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب الثقات الذي ألفه ، فإنه يذكر خلقًا ممن ينص أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون ، وكأن عند ابن حبان ، أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور ، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة ، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره .
وقد أفصح ابن حبان بقاعدته ، فقال : العدل من لم يعرف فيه الجرح ؛ إذ التجريح ضد التعديل ، فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه ، إذ لم يكلف الناس ما غاب عنهم . وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به : إذا تعرى راويه من أن يكون مجروحا ، أو فوقه مجروح ، أو دونه مجروح ، أو كان سنده مرسلًا ، أو منقطعًا ، أو كان المتن منكرًا . هكذا نقله الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في الصارم المنكي من تصنيفه ، وقد تصرف في عبارة ابن حبان ، لكنه أتى بمقصده ، وسيأتي بعض كلامه في (أيوب) ، آخر مذكور في حرف الألف [ 1394 ] .
قال الخطيب : أقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم ، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما ، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك ، وهذا باطل ؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته ، فلا تكون روايته عنه تعديلا له ، ولا خبرا عن صدقه . كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث ، أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم ، مع علمهم بأنهم غير مرضيين ، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب ، مثل قول الشعبي : حدثنا الحارث ، وكان كذابًا ، وقول الثوري : حدثنا ثوير بن أبي فاختة ، وكان من أركان الكذب ، وقول يزيد بن هارون : حدثنا أبو روح وكان كذابا ، وقول أحمد بن ملاعب : حدثنا مخول بن إبراهيم ، وكان رافضيا ، وقول أبي الأزهر : حدثنا بكر بن الشرود ، وكان قدريا داعية . قلت : وقد روى هؤلاء كلهم في مواضع أخر عمن سمي ، ساكتين عن وصفهم بما وصفوهم به ، فكيف تكون رواية العدل عن الرجل تعديلًا له ، لكن من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة فإنه إذا روى عن رجل : وصف بكونه ثقة عنده ، كمالك ، وشعبة ، والقطان ، وابن مهدي ، وطائفة ممن بعدهم .