حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة

قصة غزوة الحديبية وهي على تسعة أميال من مكة خرج إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة ست . قاله نافع ، وقتادة ، والزهري ، وابن إسحاق ، وغيرهم . وعروة في مغازيه ، رواية أبي الأسود .

وتفرد علي بن مسهر ، عن هشام ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الحديبية في رمضان . وكانت الحديبية في شوال . وفي الصحيحين عن هدبة ، عن همام ، قال : حدثنا قتادة ، أن أنسا أخبره أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة ، إلا العمرة التي مع حجته ، عمرة الحديبية زمن الحديبية في ذي القعدة ، وعمرة من العام المقبل ، وعمرة من الجعرانة ، حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة ، وعمرة مع حجته .

وقال الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخرمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه ، فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره وأحرم منها . أخرجه البخاري . وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد بيعة الرضوان - قال : كنا يومئذ ألفا وثلاث مائة .

وكانت أسلم يومئذ ثمن المهاجرين . أخرجه مسلم . وعلقه البخاري في صحيحه .

وقال حصين بن عبد الرحمن ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن جابر قال : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة . متفق عليه . وخالفه الأعمش ، عن سالم ، عن جابر ، فقال : كنا أربع عشرة مائة ، أصحاب الشجرة .

اتفقا عليه أيضا . وكأن جابرا قال ذلك على التقريب . ولعلهم كانوا أربع عشرة مائة كاملة تزيد عددا لم يعتبره ، أو خمس عشرة مائة تنقص عددا لم يعتبره .

والعرب تفعل هذا كثيرا ، كما تراهم قد اختلفوا في سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاعتبروا تارة السنة التي ولد فيها والتي توفي فيها فأدخلوهما في العدد . واعتبروا تارة السنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة . ويبين هذا أن قتادة قال : قلت لسعيد بن المسيب : كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان ؟ قال : خمس عشرة مائة .

قلت : إن جابرا قال : كانوا أربع عشرة مائة . قال : يرحمه الله - ، وهم . هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة .

أخرجه البخاري . وقال عمرو بن دينار : سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة . فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنتم خير أهل الأرض .

اتفقا عليه من حديث ابن عيينة . وقال الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر : كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة . صحيح .

وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر : نحرنا عام الحديبية سبعين بدنة ، البدنة عن سبعة . قلنا لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال : ألفا وأربع مائة بخيلنا ورجلنا . وكذلك قاله البراء بن عازب ، ومعقل بن يسار ، وسلمة بن الأكوع ، في أصح الروايتين عنه .

والمسيب بن حزم ، من رواية قتادة ، عن سعيد ، عن أبيه . قال البخاري : معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور ، ومروان بن الحكم ، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه ، قالا : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه . حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدي وأشعره ، وأحرم بالعمرة .

وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش . وسار حتى إذا كان بعذبة الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال : إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك جموعا ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أشيروا علي .

أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم ؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين وإن لجوا تكن عنقا قطعها الله . أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه ؟ قال أبو بكر : الله ورسوله أعلم ، إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد ، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه . قال : فروحوا إذا .

قال الزهري في الحديث : فراحوا ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين . فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش ، فانطلق يركض نذيرا لقريش . وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت راحلته فقال الناس : حل حل ، فألحت ، فقالوا : خلأت القصواء ، خلأت القصواء .

قال : فروحوا إذا . قال الزهري : قال أبو هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال المسور ومروان في حديثهما : فراحوا ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش - رجع الحديث إلى موضعه - قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق ، ولكن حبسها حابس الفيل .

ثم قال : والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها . ثم زجرها فوثبت به . قال : فعدل حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء ، إنما يتبرضه الناس تبرضا ، فلم يلبثه الناس أن نزحوه ، فشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العطش .

فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، قال : فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه . فبينا هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة ، وكانوا عيبة نصح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل تهامة . فقال : إني تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت .

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نجئ لقتال أحد ولكنا جئنا معتمرين ، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس ، وإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإلا فقد جموا ، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو لينفذن الله أمره . فقال بديل : سأبلغهم ما تقول . فانطلق حتى أتى قريشا فقال : إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولا ، فإن شئتم نعرضه عليكم فعلنا ، فقال سفهاؤهم : لا حاجة لنا في أن تحدثنا عنه بشيء .

وقال ذوو الرأي منهم : هات ما سمعته . قال : سمعته يقول كذا وكذا . فحدثهم بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال : أي قوم ألستم بالوالد ؟ قالوا : بلى . قال : ألست بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : هل تتهموني ؟ قالوا : لا .

قال : ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني ؟ قالوا : بلى . قال : فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد ، فاقبلوها ودعوني آته . قالوا : ائته .

فأتاه فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال نحوا من قوله لبديل . فقال : أي محمد أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك ؟ وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقاء أن يفروا ويدعوك . فقال له أبو بكر - رضي الله عنه - : امصص بظر اللات .

أنحن نفر عنه وندعه ؟ قال : من ذا ؟ قال : أبو بكر . قال : والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك . قال : وجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كلما كلمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه السيف وعليه المغفر ، فكلما أهوى عروة إلى لحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ضرب يده بنعل السيف وقال : أخر يدك .

فرفع رأسه فقال : من هذا ؟ قالوا : المغيرة بن شعبة . فقال : أي غدر ، أوَ لست أسعى في غدرتك ؟ قال : وكان المغيرة صحب قوما في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أما الإسلام فأقبل ، وأما المال فلست منه في شيء . ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - فوالله ما تنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم يدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم بأمر ابتدروه ، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون إليه النظر تعظيما له .

فرجع عروة إلى أصحابه فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك ، وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي ، والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا . والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا أمرهم ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، ولا يحدون إليه النظر تعظيما له ، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها . فقال رجل من بني كنانة : دعوني آته .

فقالوا : ائته . فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن ، فابعثوها له . فبعثت له .

واستقبله القوم يلبون . فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت ، فرجع إلى أصحابه فقال : رأيت البدن قد قلدت وأشعرت ، فما أرى أن يصدوا عن البيت . فقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص فقال : دعوني آته .

فقالوا : ائته . فلما أشرف عليهم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا مكرز وهو رجل فاجر . فجعل يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - .

فبينا هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو . قال معمر : وأخبرني أيوب ، عن عكرمة أنه قال : لما جاء سهيل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : قد سهل لكم من أمركم . قال الزهري في حديثه : فجاء سهيل بن عمرو فقال : هات اكتب بيننا وبينك كتابا .

فدعا الكاتب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتب ﴿بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو ، ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا ﴿بسم الله الرحمن الرحيم .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : اكتب باسمك اللهم ، ثم قال : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . فقال سهيل : والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب محمد بن عبد الله .

قال الزهري : وذلك لقوله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها . فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف . فقال : والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ، ولكن لك من العام المقبل .

فكتب . فقال سهيل : على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا . فقال المسلمون : سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما ؟ فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظهر المسلمين .

فقال سهيل : وهذا أول ما أقاضيك عليه أن ترده . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنا لم نقض الكتاب بعد . قال : فوالله إذا لا نصالحك على شيء أبدا .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : فأجره لي . قال : ما أنا بمجيره لك . قال : بلى ، فافعل ، قال : ما أنا بفاعل .

قال مكرز : بلى قد أجرناه . قال أبو جندل : معاشر المسلمين أأرد إلى المشركين وقد جئت مسلما ، ألا ترون ما قد لقيت ؟ - وكان قد عذب عذابا شديدا في الله - . فقال عمر : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ ، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ، ألست نبي الله ؟ قال : بلى ، قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري .

قلت : أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : بلى ، أنا أخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر فقلت : يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال : بلى .

قلت : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : فلم نعطي الدنية في ديننا إذا ؟ قال : أيها الرجل إنه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره ، فاستمسك بغرزه حتى تموت . فوالله إنه لعلى الحق .

قلت : أو ليس كان يحدثنا أنه سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى ، أفأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : الزهري .

قال عمر : فعملت لذلك أعمالا . فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قوموا فانحروا ثم احلقوا . قال : فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ثلاث مرات .

فلما لم يقم منهم أحد ، قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس . فقالت : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك ، ثم تدعو بحالقك فيحلقك . فقام فخرج فلم يكلم أحدا حتى فعل ذلك .

فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا ، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما . ثم جاءه نسوة مؤمنات ، وأنزل الله : إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن حتى بلغ ولا تمسكوا بعصم الكوافر . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك ، فتزوج إحداهما معاوية ، والأخرى صفوان بن أمية .

ثم رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، فجاءه أبو بصير ، رجل من قريش ، وهو مسلم ، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلت لنا . فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة ، فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا جيدا جدا فاستله الآخر فقال : أجل والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت .

فقال أبو بصير : أرني أنظر إليه . فأمكنه منه فضربه حتى برد . وفر الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو ، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : قتل – والله - صاحبي وإني لمقتول .

قال : فجاء أبو بصير فقال : يا نبي الله قد أوفى الله ذمتك ، والله قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم .

فخرج حتى أتى سيف البحر . وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير ، فلا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير ، حتى اجتمعت منهم عصابة . قال : فوالله لا يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم .

فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم ، فمن أتاه منهم فهو آمن . فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم فأنزل : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم حتى بلغ حمية الجاهلية . وكانت حميتهم أنهم لم يقروا بنبي الله ولم يقروا ب﴿بسم الله الرحمن الرحيم ، وحالوا بينهم وبين البيت .

أخرجه البخاري ، عن المسندي ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، بطوله . وقال قرة ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من يصعد الثنية - ثنية المرار - فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل . فكان أول من صعد خيل بني الخزرج .

ثم تبادر الناس بعد ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر . فقلنا : تعال يستغفر لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال : والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم .

وإذا هو رجل ينشد ضالة . أخرجه مسلم . وقال البخاري : عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحا ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .

كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها فما تركنا فيها قطرة . فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركها غير بعيد ، ثم إنها أصدرتنا نحن وركابنا . أخرجه البخاري .

وقال عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه قال : قدمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديبية ، ونحن أربع عشرة مائة ، وعليها خمسون شاة ما ترويها . فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جباها ، فإما دعا وإما بزق فيها فجاشت فسقينا واستقينا . أخرجه مسلم .

وقال البكائي : قال ابن إسحاق : حدثني الزهري ، عن عروة ، عن مسور ، ومروان بن الحكم أنهما حدثاه قالا : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لا يريد قتالا . وساق معه الهدي سبعين بدنة ، وكان الناس سبع مائة رجل ، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر . قال ابن إسحاق : وكان جابر بن عبد الله - فيما بلغني - يقول : كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة .

قلت : قد ذكرنا عن جماعة من الصحابة كقول جابر . ثم ساق ابن إسحاق حديث الزهري بطوله ، وفيه ألفاظ غريبة ، منها : وجعل عروة بن مسعود يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والمغيرة واقف على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديد . قال : فجعل يقرع يد عروة إذا تناول لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويقول : اكفف يدك عن لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا تصل إليك .

فيقول عروة : ويحك ما أفظك وأغلظك . قال : فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال له عروة : من هذا يا محمد ؟ قال : هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة .

قال : أي غدر ، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس ؟ . قال ابن هشام : أراد عروة بقوله هذا أن المغيرة قبل إسلامه قتل ثلاثة عشرة رجلا مِنْ بَنِي مَالِكٍ بنْ ثَقِيفٍ . فَتَهَايَجَ الْحَيّانِ مِنْ ثَقِيفٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً ، وأصلح الأمر .

وقال ابن لهيعة : حدثنا أبو الأسود ، قال عروة : وخرجت قريش من مكة ، فسبقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بلدح وإلى الماء ، فنزلوا عليه ، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قد سبق نزل على الحديبية ، وذلك في حر شديد وليس بها إلا بئر واحدة ، فأشفق القوم من الظمأ وهم كثير ، فنزل فيها رجال يميحونها ، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدلو من ماء فتوضأ في الدلو ومضمض فاه ثم مج فيه ، وأمر أن يصب في البئر ، ونزع سهما من كنانته فألقاه في البئر ودعا الله - تعالى - ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها ، وهم جلوس على شفتها . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - سلك على غير الطريق التي بلغه أن قريشا بها . قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر ، أن رجلا من أسلم قال : أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : فسلك بهم طريقا وعرا أخزل من شعاب ، فلما خرجوا منه - وقد شق ذلك على المسلمين - وأفضوا إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قولوا : نستغفر الله ونتوب إليه فقالوا ذلك .

فقال : والله إنها للحطة التي عرضت على بني إسرايئل فلم يقولوها . قال عبد الملك بن هشام : فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس فقال : اسلكوا ذات اليمين بين ظهري المحمص في طريق تخرجه على ثنية المرار ، مهبط الحديبية من أسفل مكة فلما رأت قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش . وقال شعبة ، وغيره ، عن حصين ، عن سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يوم الشجرة ؟ قال : كنا ألفا وخمس مائة : وذكر عطشا أصابهم ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بماء في تور فوضع يده فيه ، فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون ، فشربنا ووسعنا وكفانا ، ولو كنا مائة ألف لكفانا .

وقد أخرجه البخاري من أوجه أخر عن حصين . وقال أبو عوانة ، عن الأسود بن قيس ، عن نبيح العنزي قال : قال جابر بن عبد الله : غزونا أو سافرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونحن يومئذ أربع عشرة مائة ، فحضرت الصلاة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل في القوم من طهور ؟ فجاء رجل يسعى بإداوة فيها شيء من ماء ليس في القوم ماء غيره ، فصبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قدح ثم توضأ ، ثم انصرف وترك القدح . قال : فركب الناس ذلك القدح وقالوا : تمسحوا تمسحوا .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على رسلكم ، حين سمعهم يقولون ذلك . قال : فوضع كفه في الماء والقدح وقال : سبحان الله . ثم قال : أسبغوا الوضوء .

فوالذي ابتلاني ببصري لقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يرفعها حتى توضؤوا أجمعون . رواه مسدد عنه . وقال عكرمة بن عمار العجلي ، حدثنا إياس بن سلمة ، عن أبيه قال : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة ، فأصابنا جهد ، حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا .

فأمر نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نطعا ، فاجتمع زاد القوم على النطع . فتطاولت لأحزر كم هو ؟ فحزرته كربضة العنز ونحن أربع عشرة مائة . قال : فأكلنا حتى شبعنا جميعا ثم حشونا جرباننا .

ثم قال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - : هل من وضوء ؟ فجاء رجل بإداوة له ، فيها نطفة فأفرغها في قدح . فتوضأنا كلنا ، ندغفقه دغفقة ، أربع عشرة مائة . قال : ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا : هل من طهور ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فرغ الوضوء .

أخرجه مسلم . وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب قال : قال ابن عباس : لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية كلمه بعض أصحابه فقالوا : جهدنا وفي الناس ظهر فانحره . فقال عمر : لا تفعل يا رسول الله فإن الناس إن يكن معهم بقية ظهر أمثل .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ابسطوا أنطاعكم وعباءكم . ففعلوا . ثم قال : من كان عنده بقية من زاد وطعام فلينثره .

ودعا لهم ثم قال : قربوا أوعيتكم . فأخذوا ما شاء الله . يحدثه نافع بن جبير .

وقال يحيى بن سليم الطائفي ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما نزل مر الظهران في صلح قريش قال أصحابه : لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها وشحومها وحسونا من المرق أصبحنا غدا إذا عدونا عليهم وبنا جمام . قال : لا ، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم . فبسطوا أنطاعا ثم صبوا عليها فضول أزوادهم .

فدعا لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبركة ، فأكلوا حتى تضلعوا شبعا ، ثم لففوا فضول ما فضل من أزوادهم في جربهم . مالك ، عن إسحاق بن أبي طلحة ، عن أنس قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء ، فلم يجدوه . فأتي بوضوء ، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده في ذلك الإناء وأمر الناس أن يتوضؤوا منه .

قال : فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه . فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم . متفق عليه .

وقال حماد بن زيد : حدثنا ثابت ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا بماء فأتي بقدح رحراح فجعل القوم يتوضؤون . فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين من توضأ منه ، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه . متفق عليه .

وقال عبد الله بن بكر : حدثنا حميد ، عن أنس قال : حضرت الصلاة ، فقام من كان قريب الدار إلى أهله يتوضأ وبقي قوم . فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمخضب من حجارة فيه ماء ، فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فتوضأ القوم . قلنا : كم هم ؟ قال : ثمانون وزيادة .

أخرجه البخاري . وجاء أنهم كانوا بقباء . وقال ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان بالزوراء يتوضؤون .

فوضع كفه في الماء ، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا . فقلنا لأنس : كم كنتم ؟ قال : زهاء ثلاث مائة . أخرجه مسلم ، والبخاري أيضا بمعناه ، والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد .

وقال أبو عبد الرحمن المقرئ : حدثنا عبد الرحمن بن زياد ، قال : حدثني زياد بن نعيم الحضرمي ، قال : سمعت زياد بن الحارث الصدائي ، قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكر حديثا طويلا منه : فوضع كفه - صلى الله عليه وسلم - في الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عينا تفور . فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لولا أن أستحيي من ربي لسقينا واستقينا . عبد الرحمن ضعيف .

وهذه الأحاديث تدل على البركة في الماء غير مرة . وقال إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنا نأكل مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نسمع تسبيح الطعام . وأتي بإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه - صلى الله عليه وسلم - .

فقال : حي على الطهور المبارك والبركة من السماء . حتى توضأنا كلنا . أخرجه البخاري .

وقال أبو كدينة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإناء من ماء ، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه ، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه . وذكر الحديث . إسناده جيد .

وقال ابن لهيعة : حدثنا أبو الأسود ، قال : قال عروة في نزوله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية : ففزعت قريش لنزوله عليهم ، فأحب أن يبعث إليهم رجلا . فدعا عمر ليبعثه فقال : إني لا آمنهم ، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي ، فأرسل عثمان فإن عشيرته بها . فدعا عثمان فأرسله وقال : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وادعهم إلى الإسلام .

وأمره أن يأتي رجالا بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح . فانطلق عثمان فمر على قريش ببلدح . فقالت قريش : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكم لأدعوكم إلى الإسلام ، ويخبركم أنا لم نأت لقتال وإنما جئنا عمارا .

فدعاهم عثمان كما أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالوا : قد سمعنا ما تقول فانفذ لحاجتك . وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص فرحب به وأسرج فرسه ، فحمل عليه عثمان فأجاره ، وردفه أبان حتى جاء مكة .

ثم إن قريشا بعثوا بديل بن ورقاء ؛ فذكر الحديث والصلح . وذكر أنهم أمن بعضهم بعضا وتزاوروا . فبينا هم كذلك ، وطوائف من المسلمين في المشركين ، إذ رمى رجل رجلا من الفريق الآخر .

فكانت معاركة ، وتراموا بالنبل والحجارة . وصاح الفريقان وارتهن كل واحد من الفريقين من فيهم ، فارتهن المسلمون سهيل بن عمرو وغيره ، وارتهن المشركون عثمان وغيره . ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى البيعة .

ونادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ألا إن روح القدس قد نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بالبيعة ، فاخْرُجوا على اسم الله فبايعوا ، فثار المسلمون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا أبدا . فذكر القصة بطولها ، وفيها : فقال المسلمون - وهم بالحديبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان - : خلص عثمان من بيننا إلى البيت فطاف به . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أظنه طاف بالبيت ونحن محصورون .

قالوا : وما يمنعه يا رسول الله وقد خلص ؟ قال : ذلك ظني به أن لا يطوف بالكعبة حتى يطوف معنا . فرجع إليهم عثمان ، فقال المسلمون : اشتفيت يا أبا عبد الله من الطواف بالبيت ؟ فقال عثمان : بئس ما ظننتم بي ، فوالذي نفسي بيده لو مكثت بها مقيما سنة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيم بالحديبية ما طفت بها حتى يطوف بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت فأبيت . وقال البكائي ، عن ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - حين بلغه أن عثمان قد قتل - : لا نبرح حتى نناجز القوم .

فدعا الناس إلى البيعة . فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة . فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الموت ، وكان جابر يقول : لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر .

وقال يونس ، عن ابن إسحاق : حدثني بعض آل عثمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضرب بإحدى يديه على الأخرى وقال : هذه لي وهذه لعثمان إن كان حيا . ثم بلغهم أن ذلك باطل ، ورجع عثمان ، ولم يتخلف عن بيعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد إلا الجد بن قيس أخو بني سلمة . قال جابر : والله لكأني أنظر إليه لاصقا بإبط ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد ضبأ إليها يستتر بها من الناس .

وقال الحسن بن بشر البجلي : حدثنا الحكم بن عبد الملك - وليس بالقوي قاله النسائي - عن قتادة ، عن أنس قال : لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيعة الرضوان كان عثمان رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة . فبايع الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن عثمان في حاجة الله ورسوله . فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم .

وقال ابن عيينة : حدثنا أبو الزبير ، سمع جابرا يقول : لما دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة وجدنا رجلا منا يقال له الجد بن قيس مختبئا تحت إبط بعير . أخرجه مسلم من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير . وبه قال : لم نبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - على الموت ، ولكن بايعناه على أن لا نفر .

أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة ، عن ابن عيينة . وأخرجه من حديث الليث ، عن أبي الزبير ، وقال : فبايعناه وعمر - رضي الله عنه - آخذ بيده تحت الشجرة ، وهي سمرة . وقال خالد الحذاء ، عن الحكم بن عبد الله الأعرج ، عن معقل بن يسار قال : لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يبايع الناس وأنا رافع غصنا من أغصانها عن رأسه ، ونحن أربع عشرة مائة .

ولم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر . أخرجه مسلم . وقال ابن عيينة : حدثنا ابن أبي خالد ، عن الشعبي قال : لما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس إلى البيعة كان أول من انتهى إليه أبو سنان الأسدي فقال : ابسط يدك أبايعك .

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : علام تبايعني ؟ قال : على ما في نفسك . وقال مكي بن إبراهيم ، وأبو عاصم - واللفظ له - عن يزيد بن أبي عبيد ، عن سلمة بن الأكوع قال : بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، ثم عدلت إلى ظل شجرة . فلما خف الناس قال : يا ابن الأكوع ألا تبايع ؟ قلت : قد بايعت يا رسول الله .

قال : وأيضا . فبايعته الثانية . فقلت لسلمة : يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ ؟ قال : على الموت .

متفق عليه . وقال عكرمة بن عمار ، عن إياس بن سلمة ، عن أبيه ، فذكر الحديث ، وقال : ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا إلى البيعة في أصل الشجرة ، فبايعته أول الناس وبايع ، حتى إذا كان في وسط الناس ، قال : بايعني يا سلمة . فقلت : يا رسول الله قد بايعتك .

قال : وأيضا . قال : ورآني عزلا فأعطاني حجفة أو درقة . ثم بايع ، حتى إذا كان في آخر الناس قال : ألا تبايع ؟ قلت : يا رسول الله قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم .

قال : وأيضا . فبايعت الثالثة . فقال : يا سلمة أين حجفتك أو درقتك التي أعطيتك ؟ قلت : لقيني عامر فأعطيتها إياه .

فضحك ثم قال : إنك كالذي قال الأول : اللهم ابغني حبيبا هو أحب إلي من نفسي . ثم إن مشركي مكة راسلونا بالصلح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا . وكنت خادما لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وآكل من طعامه .

وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله . فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها . فأتاني أربعة من أهل مكة ، فجعلوا يقعون في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبغضتهم ، فتحولت إلى شجرة أخرى ، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا .

فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي : يا للمهاجرين ، قتل ابن زنيم . فاخترطت سيفي فشددت على أولئك الأربعة وهم رقد ، فأخذت سلاحهم فجعلته ضغثا في يدي ، ثم قلت : والذي كرم وجه محمد - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه . ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وجاء عمي عامر برجل من العبلات يقال له : مكرز ، يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعين من المشركين ، فنظر إليهم . وقال : دعوهم ، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه . فعفا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنزلت : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم الآية .

أخرجه مسلم . وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، أن رجالا من أهل مكة هبطوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل جبل التنعيم ليقاتلوه . قال : فأخذهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذا ، فأعتقهم .

فأنزل الله : وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية ، أخرجه مسلم . وقال الوليد بن مسلم : حدثنا عمر بن محمد العمري ، قال : أخبرني نافع ، عن ابن عمر ، أن الناس كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، قد تفرقوا في ظلال الشجر . فإذا الناس محدقون برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال - يعني عمر - يا عبد الله انظر ما شأن الناس ؟ فوجدهم يبايعون ، فبايع ثم رجع إلى عمر ، فخرج فبايع .

أخرجه البخاري فقال : وقال هشام بن عمار : حدثنا الوليد . قلت : ورواه دحيم ، عن الوليد . قلت : وسميت بيعة الرضوان من قوله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا .

قال أبو عوانة ، عن طارق بن عبد الرحمن ، عن سعيد بن المسيب قال : كان أبي ممن بايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الشجرة ، قال : فانطلقنا في قابل حاجين ، فخفي علينا مكانها ، فإن كانت تبينت لكم فأنتم أعلم . متفق عليه . وقال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير المكي أنه سمع جابرا يقول : أخبرتني أم مبشر أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند حفصة : لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد .

قالت : بلى يا رسول الله ، فانتهرها ، فقالت : وإن منكم إلا واردها ، فقال : قد قال - تعالى - : ﴿ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا . أخرجه مسلم . قرأت على عبد الحافظ بن بدران : أخبركم موسى بن عبد القادر ، والحسين بن أبي بكر قالا : أخبرنا عبد الأول بن عيسى ، قال : أخبرنا محمد ابن أبي مسعود ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح ، قال : حدثنا أبو القاسم البغوي ، قال : حدثنا العلاء بن موسى إملاء ، سنة سبع وعشرين ومائتين ، قال : أخبرنا الليث بن سعد ، عن أبي الزبير المكي ، عن جابر بن عبد لله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار .

أخرجه النسائي . وقال قتيبة : حدثنا الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن عبدا لحاطب ابن أبي بلتعة جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشكو حاطبا ، قال : يا رسول الله ليدخلن حاطب النار . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كذبت لا يدخلها ، فإنه شهد بدرا والحديبية .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني الزهري ، عن عروة ، عن المسور بن مخرمة ، ومروان في قصة الحديبية ، قالا : فدعت قريش سهيل بن عمرو ، قالوا : اذهب إلى هذا الرجل فصالحه ولا تكونن في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا ، لا تحدث العرب أنه دخلها علينا عنوة . فخرج سهيل من عندهم ، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقبلا ، قال : قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل . فوقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين ، وأن يخلوا بينه وبين مكة من العام المقبل ، فيقيم بها ثلاثا ، وأنه لا يدخلها إلا بسلاح الراكب والسيوف في القرب ، وأنه من أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نرده عليك ، ومن أتاك منا بغير إذن وليه رددته علينا ، وأن بيننا وبينك عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال ولا إغلال .

وذكر الحديث . الاسلال : الخفية ، وقيل : الغارة ، وقيل : سل السيوف ، والإغلال : الغارة . وقال شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : لما صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشركي مكة كتب بينهم كتابا : هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .

قالوا : لو علمنا أنك رسول الله لم نقاتلك . قال لعلي : امحه . فأبى ، فمحاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده ، وكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله .

واشترطوا عليه أن يقيموا ثلاثا ، وأن لا يدخلوا مكة بسلاح إلا جلبان السلاح - يعني السيف بقرابه - متفق عليه . وقال حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس نحوه أو قريبا منه . أخرجه مسلم .

وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني بريدة بن سفيان ، عن محمد بن كعب أن كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلح كان عليا - رضي الله عنه - . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو . فجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا : محمد رسول الله .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اكتب ، فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد ، فكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله . وقال عبد العزيز بن سياه : حدثنا حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي وائل ، قال : قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال : أيها الناس اتهموا أنفسكم ، لقد كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ، ولو نرى قتالا لقاتلنا . فأتى عمر فقال : ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال : بلى .

قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : ففيم نعطي الدنية في أنفسنا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم ؟ قال : يا ابن الخطاب ، إني رسول الله ولن يضيعني الله ، فانطلق متغيظا إلى أبي بكر ، فقال له كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ونزل القرآن ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمر فأقرأه إياه . فقال : يا رسول الله ، أو فتح هو ؟ قال : نعم ، فطابت نفسه ورجع .

متفق عليه . وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري عن عروة عن المسور ، ومروان ، قالا : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند أم سلمة فلم يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحر وحلق ، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا وحلق بعض وقصر بعض . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اللهم اغفر للمحلقين .

فقيل : يا رسول الله والمقصرين ؟ فقال : اغفر للمحلقين ، ثلاثا . قيل : يا رسول الله وللمقصرين ؟ قال : وللمقصرين . وقال يونس ، عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قيل له : لم ظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين ثلاثا وللمقصرين واحدة ؟ فقال : إنهم لم يشكوا .

وقال يونس - هو ابن بكير - ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي إبراهيم ، عن أبي سعيد قال : حلق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية كلهم غير رجلين ، قصرا ولم يحلقا . أبو إبراهيم مجهول . وقال ابن عيينة ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن وهب بن عبد الله بن قارب قال : كنت مع أبي ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : يرحم الله المحلقين .

قال رجل : والمقصرين يا رسول الله ؟ فلما كانت الثالثة ، قال : والمقصرين . وقال يحيى بن أبي بكير : قال : حدثنا زهير بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن عبد الرحمن ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال : نحر يوم الحديبية سبعون بدنة فيها جمل أبي جهل ، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها . ويروى عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى في عمرة الحديبية جملا كان لأبي جهل ، في أنفه برة من ذهب أهداه ليغيظ به قريشا .

وقال فليح بن سليمان ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج معتمرا ، فحال كفار قريش بينه وبين البيت . فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية ، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل ، ولا يحمل سلاحا عليها إلا سيوفا ، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا ، فاعتمر من العام المقبل ، فدخلها كما صالحهم . فلما أن أقام بها ثلاثا ، أمروه أن يخرج فخرج .

أخرجه البخاري . وقال مالك عن أبي الزبير ، عن جابر : نحرنا بالحديبية البدنة عن سبعة ، والبقرة عن سبعة . رواه مسلم .

موقع حَـدِيث