نزول سورة الفتح
نزول سورة الفتح قال مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في بعض أسفاره ، وعمر معه ليلا . فسأله عمر عن شيء فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، ثم سأله فلم يجبه ، فقال عمر : ثكلتك أمك ، نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال : فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن ، فلم أنشب أن سمعت صارخا يصرخ ، قال : قلت : لقد خشيت أن يكون نزل في قرآن ، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه ، فقال : لقد أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس ، ثم قرأ : ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر . أخرجه البخاري .
وقال يونس بن بكير ، عن عبد الرحمن المسعودي ، عن جامع بن شداد ، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة ، عن ابن مسعود ، قال : لما أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية ، جعلت ناقته تثقل ، فتقدمنا ، فأنزل عليه : ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾. وقال شعبة ، عن قتادة ، عن أنس : ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ ، قال : فتح الحديبية ، فقال رجل : هنيئا مريئا يا رسول الله هذا لك ، فما لنا ؟ فأنزلت : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات . قال شعبة : فقدمت الكوفة فحدثتهم عن قتادة ، عن أنس ، ثم قدمت البصرة فذكرت ذلك لقتادة ، فقال : أما الأول فعن أنس ، وأما الثاني : ليدخل المؤمنين والمؤمنات ، فعن عكرمة ، أخرجه البخاري .
وقال همام : حدثنا قتادة ، عن أنس ، قال : لما نزلت : ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ إلى آخر الآية على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرجعه من الحديبية ، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة ، فقال : نزلت علي آية هي أحب إلي من الدنيا . فلما تلاها قال رجل : قد بين الله لك ما يفعل بك ، فماذا يفعل بنا ؟ فأنزلت التي بعدها : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار . أخرجه مسلم .
وقال يونس ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن المسور ، ومروان قالا في قصة الحديبية : ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجعا . فلما أن كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح . فكانت القصة في سورة الفتح وما ذكر الله من بيعة الرضوان تحت الشجرة .
فلما أمن الناس وتفاوضوا ، لم يكلم أحد بالإسلام إلا دخل فيه . فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان فيه قبل ذلك . وكان صلح الحديبية فتحا عظيما .
وقال ابن لهيعة : حدثنا أبو الأسود عن عروة ، قالوا : وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية راجعا . فقال رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله ما هذا بفتح ؛ لقد صددنا عن البيت وصد هدينا ، وعكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ورد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من المسلمين خرجا ، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قول رجال من أصحابه : إن هذا ليس بفتح . فقال : بئس الكلام ، هذا أعظم الفتح ، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية ويرغبون إليكم في الأمان ، وقد رأوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتوح .
أنسيتم يوم أحد ، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم ؟ أنسيتم يوم الأحزاب ، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم ؟ فقال المسلمون : صدق الله ورسوله ، هذا أعظم الفتوح والله يا نبي الله . وقال ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، قال : ظهرت الروم على فارس عند مرجع المسلمين من الحديبية . وقال مثل ذلك عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .
وكانت بين الروم وبين فارس ملحمة مشهودة نصر الله - تعالى - فيها الروم . ففرح المسلمون بذلك ، لكون أهل الكتاب في الجملة نصروا على المجوس . وقال مغيرة ، عن الشعبي في قوله : ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾ ؛ قال : فتح الحديبية ، وبايعوا بيعة الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وظهرت الروم على فارس .
ففرح المؤمنون بتصديق كتاب الله ونصر أهل الكتاب على المجوس . وقال شعبة ، عن الحكم ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : وأثابهم فتحا قريبا ، قال : خيبر . وأخرى لم تقدروا عليها ، قال : فارس والروم .
وقال ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : أري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بالحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين ، فقالوا له حين نحر بالحديبية : أين رؤياك يا رسول الله ؟ فأنزل الله : لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق إلى قوله فجعل من دون ذلك فتحا قريبا يعني النحر بالحديبية ، ثم رجعوا ففتحوا خيبر ، فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة . وقال هشيم : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، وعكرمة : ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ، قالا : هوازن يوم حنين . رواه سعيد بن منصور في سننه .
وقال بندار : حدثنا غندر ، قال : حدثنا شعبة ، عن هشيم ، فذكره ، وزاد : هوازن وبنو حنيفة . وقال عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، في قوله : أولي بأس شديد ، قال : فارس . وقال : السكينة هي الرحمة .
وقال أبو حذيفة النهدي : حدثنا سفيان ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الأحوص ، عن علي هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين قال : السكينة لها وجه كوجه الإنسان ، ثم هي بعد ريح هفافة . وقال ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : السكينة كهيئة الريح ، لها رأس كرأس الهرة وجناحان . وقال المسعودي ، عن قتادة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : تصيبهم بما صنعوا قارعة ، قال : السرية ، أو تحل قريبا من دارهم ، قال : هو محمد - صلى الله عليه وسلم - .
حتى يأتي وعد الله ، قال : فتح مكة . وعن مجاهد : أو تحل قريبا من دارهم ، قال : الحديبية ونحوها . رواه شريك ، عن منصور ، عنه .
وقال الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، أخبرني عروة أنه سمع مروان بن الحكم ، والمسور يخبران عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كاتب سهيل بن عمرو ، فذكر الحديث ، وفيه : وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ وهي عاتق ، فجاء أهلها يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرجعها إليهم ، فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن : إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار . قال عروة : فأخبرتني عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمتحنهن بهذه الآية : إذا جاءك المؤمنات يبايعنك الآية . قالت : فمن أقر بهذا الشرط منهن قال لها : قد بايعتك ، كلاما يكلمها به ، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ، ما بايعهن إلا بقوله .
أخرجه البخاري . وقال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، قال : ولما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة انفلت من ثقيف أبو بصير بن أسيد بن جارية الثقفي من المشركين ، فذكر من أمره نحوا مما قدمناه . وفيه زيادة وهي : فخرج أبو بصير معه خمسة كانوا قدموا من مكة ، ولم ترسل قريش في طلبهم كما أرسلوا في أبي بصير ، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عير قريش مما يلي سيف البحر ، لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها .
وانفلت أبو جندل في سبعين راكبا أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير ، وقطعوا مادة قريش من الشام ، وكان أبو بصير يصلي بأصحابه ، فلما قدم عليه أبو جندل كان يؤمهم . واجتمع إلى أبي جندل حين سمعوا بقدومه ناس من بني غفار وأسلم وجهينة وطوائف ، حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يبعث إلى أبي بصير ومن معه فيقدموا عليه ، وقالوا : من خرج منا إليك فأمسكه ، قال : ومر بأبي بصير أبو العاص بن الربيع من الشام فأخذوه ، فقدم على امرأته زينب سرا . وقد تقدم شأنه .
وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه إلى أبي بصير أن لا يعترضوا لأحد . فقدم الكتاب على أبي جندل وأبي بصير ، وأبو بصير يموت . فمات وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده يقرؤه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا .
وقال يحيى بن أبي كثير : حدثني أبو سلمة ، أن أبا هريرة حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى العشاء الآخرة نصب في الركعة الآخرة بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ويقول : اللهم نج الوليد بن الوليد ، اللهم نج سلمة بن هشام ، اللهم نج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم نج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر . اللهم اجعلها سنين مثل سني يوسف . ثم لم يزل يدعو حتى نجاهم الله تعالى ، ثم ترك الدعاء لهم بعد ذلك .
وفي سنة ست : مات سعد بن خولة رضي الله عنه في الأسر بمكة . ورثى له النبي صلى الله عليه وسلم لكونه مات بمكة . وفيها : قتل هشام بن صبابة أخو مقيس ، قتله رجل من المسلمين وهو يظن أنه كافر ، فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم مقيسا ديته .
ثم إن مقيسا قتل قاتل أخيه ، وكفر وهرب إلى مكة . وفي ذي الحجة : ماتت أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية ، أم عائشة رضي الله عنهما ، أخرج البخاري من رواية مسروق عنها حديثا وهو منقطع لأنه لم يدركها ، أو قد أدركها فيكون تاريخ موتها هذا خطأ . والله أعلم .