صلة بن أشيم
صلة بن أشيم ، أبو الصهباء البصري العابد ، من سادة التابعين . يروى له عن ابن عباس حديث واحد . روى عنه الحسن البصري ، ومعاذة العدوية وهي زوجته ، وثابت البناني ، وحميد بن هلال ، وغيرهم حكايات .
روى ابن المبارك في الزهد عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يكون في أمتي رجل يقال له : صلة ، يدخل الجنة بشفاعته كذا وكذا . حديث منقطع كما ترى . جعفر بن سليمان ، عن يزيد الرشك ، عن معاذة قالت : كان أبو الصهباء يصلي حتى ما يستطيع أن يأتي فراشه إلا زحفا .
وقالت معاذة : كان أصحاب صلة إذا التقوا عانق بعضهم بعضا . وقال ثابت : جاء رجل إلى صلة بن أشيم بنعي أخيه فقال له : ادن فكل ؛ فقد نعي إلي أخي منذ حين ، قال الله تعالى : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾وقال حماد بن سلمة : أخبرنا ثابت أن صلة كان في الغزو ، ومعه ابن له ، فقال : أي بني ، تقدم فقاتل حتى أحتسبك ، فحمل فقاتل حتى قتل ، ثم تقدم هو فقتل . فاجتمع النساء عند امرأته معاذة العدوية ، فقالت : إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحبا بكن ، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن .
وفي الزهد لابن المبارك عن جرير بن حازم ، عن حميد بن هلال ، عن صلة بن أشيم قال : خرجنا في بعض قرى نهر تيرى وأنا على دابتي في زمان فيوض الماء ، فأنا أسير على مسناة ، فسرت يوما لا أجد شيئا آكله ، فلقيني علج يحمل على عاتقه شيئا ، فقلت : ضعه ! فوضعه ، فإذا هو خبز ، فقلت : أطعمني ! قال : إن شئت ، ولكن فيه شحم خنزير . فتركته ، ثم لقيت آخر يحمل طعاما ، فقلت : أطعمني ، فقال : تزودت هذا لكذا وكذا من يوم ، فإن أخذت منه شيئا أجعتني ، فتركته ومضيت . فوالله ، إني لأسير إذ سمعت خلفي وجبة كوجبة الطير فالتفت ، فإذا هو شيء ملفوف في سب أبيض أي خمار ، فنزلت إليه ، فإذا هو دوخلة من رطب في زمان ليس في الأرض رطبة ، فأكلت منه ، ثم لففت ما بقي ، وركبت الفرس وحملت معي نواهن .
قال جرير : فحدثني أوفى بن دلهم قال : رأيت ذلك السب مع امرأته ملفوفا فيه مصحف ، ثم فقد بعد . قلت : هذا حديث صحيح ، روى نحوه عوف الأعرابي ، عن أبي السليل ، عن صلة . وقال ابن المبارك : حدثنا المستلم بن سعيد الواسطي قال : أخبرنا حماد بن جعفر بن زيد أن أباه أخبره ، قال : خرجنا في غزاة إلى كابل ، وفي الجيش صلة بن أشيم ، فنزل الناس عند العتمة ، فقلت : لأرمقن عمله ، فصلى .
ثم اضطجع ، فالتمس غفلة الناس ، ثم وثب فدخل غيضة ، فدخلت في إثره ، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة . وجاء أسد حتى دنا منه ، فصعدت في شجرة قال : أفتراه التفت إليه أو عذبه حتى سجد ؟ فقلت : الآن يفترسه فلا شيء ، فجلس ، ثم سلم ، فقال : أيها السبع ، اطلب الرزق من مكان آخر ، فولى وإن له لزئيرا ، أقول : تصدع منه الجبال . فما زال كذلك ، حتى إذا كان عند الصبح جلس ، فحمد الله بمحامد لم أسمع بمثلها ، إلا ما شاء الله ، ثم قال : اللهم ، إني أسألك أن تجيرني من النار ! أومثلي يجترئ أن يسألك الجنة ؟! ثم رجع ، فأصبح كأنه بات على الحشايا ، وقد أصبحت وبي من الفترة شيء الله به عليم .
روى نحوها أبو نعيم في الحلية بإسناد له ، إلى مالك بن مغول . وروى ابن المبارك عن السري بن يحيى قال : حدثني العلاء بن هلال الباهلي أن رجلا قال لصلة : يا أبا الصهباء ، إني رأيت أني أعطيت شهادة ، وأعطيت شهادتين ! فقال : تستشهد ، وأستشهد أنا وابني ! فلما كان يوم يزيد ابن زياد لقيهم الترك بسجستان ، فكان أول جيش انهزم من المسلمين ذلك الجيش . فقال صلة : يا بني ، ارجع إلى أمك ، فقال : يا أبت تريد الخير لنفسك وتأمرني بالرجوع ؟ بل ارجع أنت ، قال : أما إذ قلت هذا فتقدم ، فتقدم فقاتل حتى أصيب ، فرمى صلة عن جسده ، وكان رجلا راميا ، حتى تفرقوا عنه ، وأقبل حتى أقام عليه فدعا له ، ثم قاتل حتى قتل رحمه الله .
قلت : وذلك سنة اثنتين وستين .