سنة خمس وعشرين ومائتين
ومن سنة خمس وعشرين ومائتين فيها توفي أصبغ بن الفرج الفقيه ، وأبو عمر الحوضي ، وسعدويه الواسطي ، وشاذ بن فياض ، وأبو عمر الجرمي ، وعمر بن سعيد الدمشقي الأعور ، وفروة بن أبي المغراء ، وأبو دلف الأمير ، ومحمد بن سلام البيكندي ، ويحيى بن هاشم السمسار . وفيها استوزر المعتصم محمد بن عبد الملك الزيات . وفيها قبض المعتصم على الأفشين لعداوته لعبد الله بن طاهر ، ولأحمد بن أبي دؤاد ، فعملا عليه ، وما زالا حتى ألقيا في قلب المعتصم أن الأفشين يريد قتله .
ونقل إليه ابن أبي دؤاد أنه يكاتب المازيار . فطلب المعتصم كاتبه وتهدده بالقتل ، فاعترف وقال : كتبت إليه بأمره يقول : لم يبق غيري وغيرك وغير بابك . وقد مضى بابك ، وجيوش الخليفة عند ابن طاهر ، ولم يبق عند الخليفة سواي ، فإن هزمت ابن طاهر كفيتك أنا المعتصم ، ويخلص لنا الدين الأبيض ، يعني المجوسية .
وكان يتهم بها ، فوهب المعتصم للكاتب مالا وأحسن إليه ، وقال : إن أخبرت أحدا قتلتك . فروي عن أحمد بن أبي دؤاد قال : دخلت على المعتصم وهو يبكي ويقلق ، فقلت : لا أبكى الله عينك ، ما بك ؟ قال : يا أبا عبد الله ، رجل أنفقت عليه ألف ألف دينار ، ووهبت له مثلها يريد قتلي . قد تصدقت لله بعشرة آلاف ألف درهم ، فخذها ففرقها .
وكان الكرخ قد احترق ، فقلت : نفرق نصف المال في بناء الكرخ ، والباقي في أهل الحرمين ، قال : افعل . وكان الأفشين قد سير أموالا عظيمة إلى مدينة أشروسنة ، فهم بالهرب إليها ، وأحس بالأمر . ثم هيأ دعوةً ليسم المعتصم وقواده ، فإن لم يجبه دعا لها الأتراك مثل إيتاخ ، وأشناس فيسمهم ويذهب إلى أرمينية ، ويدور إلى أشروسنة .
فطال به الأمر ، ولم يتهيأ له ذلك ، فأخبر بعض خواصه المعتصم بعزمه ، فقبض حينئذ المعتصم عليه وحبسه ، وكتب إلى ابن طاهر بأن يقبض على ولده الحسن بن الأفشين . وفيها أسر المازيار ، وقدم به إلى بين يدي المعتصم . وعن هارون بن عيسى بن المنصور قال : شهدت دار المعتصم وقد أتي بالأفشين ، وبالمازيار ، وبموبذ موبذان أحد ملوك السغد ، وبالمزربان ، وأحضروا رجلين فعُرِّيا ، فإذا أجنابهما عارية عن اللحم ، فقال الوزير ابن الزيات : يا حيدر ، تعرف هذين ؟ قال : نعم .
هذا مؤذن ، وهذا إمام بنيا مسجدا بأشروسنة ، فضربت كل واحد منهما ألف سوط . قال : ولم ؟ قال : بيني وبين ملوك السغد عهد ، أن أترك كل قوم على دينهم ، فوثب هذان على بيت فيه أصنام أهل أشروسنة ، فأخرجا الأصنام واتخذاه مسجدا ، فضربتهما على تعديهما . فقال ابن الزيات : فما كتابٌ عندك قد زينته بالذهب والجواهر ، وجعلته في الديباج ، فيه الكفر بالله ؟ فقال : كتاب ورثته عن أبي ، فيه آداب وحكم من آداب الأكاسرة ، فآخذ منه الأدب ، وأدفع ما سواه ، مثل كتاب كليلة ودمنة ، وما ظننت أن هذا يخرجني عن الإسلام .
فقال ابن الزيات للموبذ : ما تقول ؟ فقال : إن كان هذا يأكل المخنوقة ، ويحملني على أكلها ، ويزعم أن لحمها أرطب لحما من المذبوحة . وقال لي : إني قد دخلت لهؤلاء القوم في كل ما أكره ، حتى أكلت الزيت ، وركبت الجمل ، ولبست النعل ، غير أني إلى هذا العام لم يسقط عني شعر ، يعني عانته ، ولم يختتن ، وكان الموبذ مجوسيا ، ثم بعد هذا أسلم على يد المتوكل ، فقال الأفشين : خبروني عن هذا المتكلم ، أثقة هو في دينه ؟ قالوا : لا ، قال : فما معنى قبولكم شهادته ؟ فتقدم المرزبان فقال : يا أفشين ، كيف يكتب إليك أهل مملكتك ؟ قال : كما كانوا يكتبون إلى أبي وجدي . قال ابن الزيات : فكيف كانوا يكتبون ؟ قال : كانوا يكتبون إليه بالفارسية ما تفسيره بالعربية : إلى الإله من عبده ، قال : كذا هو .
قال : نعم ، قال : فما أبقيت لفرعون ؟ قال : خفت أن يفسدوا علي بتغيير ما يعهدونه ، فقال له إسحاق بن إبراهيم الأمير : كيف تحلف لنا بالله فنصدقك ، وأنت تدعي ما ادعى فرعون ، فقال : يا إسحاق ، هذه سورة قرأها عجيف على علي بن هشام ، وأنت تقرؤها علي ، فانظر غدا من يقرؤها عليك . ثم تقدم مازيار ، فقالوا له : تعرف هذا ؟ قال : نعم ، قالوا : هل كاتبته ؟ قال : لا ؟ فقالوا للمازيار : هل كتب إليك ؟ قال : كتب إلي أخوه على لسانه أنه لم يكن ينصر هذا الدين الأبيض غيري وغيرك وغير بابك . فأما بابك فإنه بحمقه قتل نفسه ، فإن خالفت لم يكن للخليفة من يؤم بقتالك غيري ، ومعي الفرسان وأهل النجدة والبأس .
فإن وجهت إليك لم يبق أحد يحاربنا إلا ثلاثة : العرب ، والمغاربة ، والأتراك فأما العربي فبمنزلة الكلب ، اطرح له كسرة ، ثم اضرب رأسه بالدبوس . وهؤلاء الذئاب ، يعني المغاربة ، فإنهم أكلة رأس ، وأما الترك فإنما هي ساعةٌ حتى تنفذ سهامهم ، ثم تجول عليهم الخيل جولةً ، فتأتي على آخرهم ، ويعود الدين إلى ما لم يزل عليه أيام العجم ، فقال الأفشين : هذا يدعي على أخي ، ولو كنت كتبت بهذا إليه لأستميله كان غير مستنكر ، لأني إذا نصرت أمير المؤمنين بيدي ، كنت أن أنصره بالحيلة أحرى لآخذ برقبة ذا . فزجره أحمد بن أبي دؤاد ، وقال : أمطهرٌ أنت ؟ قال : لا ، قال : ما منعك من ذلك ؟ قال : خفت التلف ، قال : أنت تلقى الحروب وتخاف من قطع قلفة .
قال : تلك ضرورة أصبر عليها ، وأما القلفة فلا ، ولا أخرج بها من الإسلام . فقال أحمد : قد بان لكم أمره . قال : فرد إلى الحبس .
وفيها زلزلت الأهواز ، وسقط أكثر البلد والجامع ، وهرب الناس إلى ظاهر البلد ، ودامت الزلزلة أياما ، وتصدعت الجبال منها . وفيها ولي إمرة دمشق دينار بن عبد الله ، وعزل بعد أيام بمحمد بن الجهم السامي ، وكلاهما لم يترجمه ابن عساكر ، ولم يذكر من أخبارهما شيئا .