حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

فصل في سيرته

فصل في سيرته قال الخلال : قلت لزهير بن صالح بن أحمد : هل رأيت جدك ؟ قال : نعم ، مات وقد دخلت في عشر سنين . كنا ندخل إليه كل يوم جمعة أنا وأخواتي ، وكان بيننا وبينه باب . وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى فامي يعامله ، فنأخذ منه الحبتين ، وتأخذ الأخوات .

وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس ، وظهره مكشوف ، وأثر الضرب بين في ظهره . وكان لي أخ أصغر مني اسمه علي ، فأراد أبي أن يختنه ، فاتخذ له طعاما كثيرا ، ودعا قوما ، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي ، فقال له : بلغني ما أحدثته لهذا الأمر ، وقد بلغني أنك أسرفت ، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم ، فلما أن كان من الغد ، وأحضر الحجام أهلنا ، فجاء جدي حتى جلس في الموضع الذي فيه الصبي ، وأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام ، وصريرة دفعها إلى الصبي ، وقام فدخل منزله . فنظر الحجام في الصريرة فإذا درهم واحد .

وكنا قد رفعنا كثيرا مما افترش ، وكان الصبي على مصطبة مرتفعة على شيء من الثياب الملونة ، فلم ينكر ذلك . وقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي ، فنزل على أبي ، وكان يكنى بأبي أحمد ، فدخلت معه إلى جدي ، فجاءت الجارية بطبق خلاف ، وعليه خبز وبقل وخل وملح . ثم جاءت بغضارة فوضعتها بين أيدينا ، فيها مصلية ، فيها لحم وسلق كثير ، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا ، ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما يأكل ، فربما استعجم الشيء على أبي أحمد ، فيكلمه جدي بالفارسية ، ويضع القطعة اللحم بين يديه وبين يدي .

ثم رفع الغضارة بيده ، فوضعها ناحية ، ثم أخذ طبقا إلى جنبه ، فوضعه بين أيدينا ، فإذا تمر برني ، وجوز مكسر ، وجعل يأكل ، وفي خلال ذلك يناول أبا أحمد . وقال عبد الملك الميموني : كثيرا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء فيقول : لبيك لبيك . وعن المروذي قال : لم أر الفقير في مجلس أعز منه عند أبي عبد الله .

كان مائلا إليهم ، مقصرا عن أهل الدنيا . وكان فيه حلم ، ولم يكن بالعجول . وكان كثير التواضع ، تعلوه السكينة والوقار .

إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لا يتكلم حتى يسأل . وإذا خرج إلى مسجده لم يتصدر . يقعد حيث انتهى به المجلس .

وقال الطبراني : حدثنا موسى بن هارون قال : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة ، فأكرى نفسه من جمالين إلى أن وافى صنعاء ، وعرض عليه أصحابه المواساة ، فلم يقبل . قال الفقيه علي بن محمد بن عمر الرازي : سمعت أبا عمر غلام ثعلب قال : سمعت أبا القاسم بن بشار الأنماطي قال : سمعت المزني قال : سمعت الشافعي يقول : رأيت ببغداد ثلاث أعجوبات : رأيت فيها نبطيا يتنحى علي حتى كأنه عربي وكأني نبطي . ورأيت أعرابيا يلحن كأنه نبطي ، ورأيت شابا وخطه الشيب ، فإذا قال : حدثنا .

قال الناس كلهم : صدق . قال المزني : فسألته ، فقال : الأول الزعفراني ، والثاني أبو ثور الكلبي وكان لحانا ، وأما الشاب فأحمد بن حنبل . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : رأيت أبي حرج على النمل أن يخرج النمل من داره .

ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك نملا سودا ، فلم أرهم بعد ذلك . رواها أحمد بن محمد اللنباني ، عنه . قال أبو الفرج بن الجوزي : لما وقع الغرق سنة أربع وخمسين وخمسمائة ، غرقت كتبي ، وسلم لي مجلد ، فيه ورقتان بخط الإمام أحمد .

ومن نهي أبي عبد الله عن الكلام ، قال المروذي : أخبرت قبل موت أبي عبد الله بسنتين أن رجلا كتب كتابا إلى أبي عبد الله يشاوره في أن يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل البدع ، فكتب إليه أبو عبد الله . قال الخلال : وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال : كتب رجل إلى أبي عبد الله . قال : وأخبرني محمد بن علي الوراق قال : حدثنا صالح بن أحمد قال : كتب رجل إلى أبي يسأله عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم ، فأملى علي أبي جواب كتابه : أحسن الله عاقبتك ، الذي كنا نسمع عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله ، لا تعد ذلك .

ولم يزل الناس يكرهون كل محدث ، من وضع كتاب ، وجلوس مع مبتدع ، ليورد عليه بعض ما يلبس عليه في دينه . وقال المروذي : بلغني أن أبا عبد الله أنكر على وليد الكرابيسي مناظرته لأهل البدع . وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : قد جاءوا بكلام فلان ليعرض عليك .

وأعطيته الرقعة ، فكان فيها : والإيمان يزيد وينقص فهو مخلوق ، وإنما قلت إنه مخلوق على الحركة والفعل لا على القول ، فمن قال : الإيمان مخلوق ، وأراد القول ، فهو كافر . فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قوله : الحركة والفعل ، غضب ، فرمى بها وقال : هذا مثل قول الكرابيسي ؛ وإنما أراد الحركات مخلوقة ، إذا قال الإيمان مخلوق ، وأي شيء بقي ؟ ليس يفلح أصحاب الكلام . قلت : إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاض وأفتى وقسم ، وفي هذا عبرة وزاجر ، والله أعلم .

فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصة الرقعة التي في الإيمان ، وهي والله بحث صحيح ، وتقسيم مليح . وبعد هذا فقد ذم من أطلق الخلق على الإيمان باعتبار قول العبد لا باعتبار مقوله ، لأن ذلك نوع من الكلام ، وهو كان يذم الكلام وأهله ، وإن أصابوا ، ونهى عن تدقيق النظر في أسماء الله وصفاته ، مع أن محمد بن نصر المروزي قد سمع إسحاق بن راهويه يقول : خلق الله الإيمان والكفر ، والخير والشر .

موقع حَـدِيث