حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
سير أعلام النبلاء

دَاوُدُ الطَّائِيُّ

دَاوُدُ الطَّائِيُّ ( س ) الْإِمَامُ الْفَقِيهُ ، الْقُدْوَةُ الزَّاهِدُ أَبُو سُلَيْمَانَ ، دَاوُدُ بْنُ نُصَيْرٍ الطَّائِيُّ ، الْكُوفِيُّ ، أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ . وُلِدَ بَعْدَ الْمِائَةِ بِسَنَوَاتٍ . وَرَوَى عَنْ : عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ ، وَجَمَاعَةٍ .

حَدَّثَ عَنْهُ : ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَزَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، وَمُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ ، وَآخَرُونَ . وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَالرَّأْيِ ، بَرَعَ فِي الْعِلْمِ بِأَبِي حَنِيفَةَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى شَأْنِهِ ، وَلَزِمَ الصَّمْتَ ، وَآثَرَ الْخُمُولَ ، وَفَرَّ بِدِينِهِ . سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ حَدِيثٍ ، فَقَالَ : دَعْنِي أُبَادِرُ خُرُوجَ نَفْسِي .

وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يُعَظِّمُهُ ، وَيَقُولُ : أَبْصَرَ دَاوُدُ أَمْرَهُ . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : هَلِ الْأَمْرُ إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ دَاوُدُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ غَرَّقَ كُتُبَهُ .

وَسَأَلَهُ زَائِدَةُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ! انْقَطَعَ الْجَوَابُ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ عَلِمَ وَفَقِهَ وَنَفَذَ فِي الْكَلَامِ ، فَحَذَفَ إِنْسَانًا ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَا أَبَا سُلَيْمَانَ ! طَالَ لِسَانُكَ وَيَدُكَ . فَاخْتَلَفَ بَعْدَ ذَلِكَ سَنَةً ، لَا يَسْأَلُ وَلَا يُجِيبُ .

قُلْتُ : حَرَّبَ نَفْسَهُ وَدَرَّبَهَا ، حَتَّى قَوِيَ عَلَى الْعُزْلَةِ . قَالَ أَبُو أُسَامَةَ : جِئْتُ أَنَا وَابْنُ عُيَيْنَةَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : قَدْ جِئْتُمَانِي مَرَّةً ، فَلَا تَعُودَا . وَقِيلَ : كَانَ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الْفَرِيضَةِ أَسْرَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ .

قَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَوْصِنِي . قَالَ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَبِرَّ وَالِدَيْكَ ، وَيْحَكَ ! صُمِ الدُّنْيَا ، وَاجْعَلْ فِطْرَكَ الْمَوْتَ ، وَاجْتَنِبِ النَّاسَ غَيْرَ تَارِكٍ لِجَمَاعَتِهِمْ . وَعَنْهُ قَالَ : كَفَى بِالْيَقِينِ زُهْدًا ، وَكَفَى بِالْعِلْمِ عِبَادَةً ، وَكَفَى بِالْعِبَادَةِ شُغْلًا .

قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : رَأَيْتُ دَاوُدَ الطَّائِيَّ ، وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ ، وَأَعْلَمِهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ ، يَلْبَسُ قَلَنْسُوَةً طَوِيلَةً سَوْدَاءَ . وَعَنْ حَفْصٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ : وَرِثَ دَاوُدُ الطَّائِيُّ مِنْ أُمِّهِ أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ ، فَمَكَثَ يَتَقَوَّتُ بِهَا ثَلَاثِينَ عَامًا ، فَلَمَّا نَفِدَتْ ، جَعَلَ يَنْقُضُ سُقُوفَ الدُّوَيْرَةِ ، فَيَبِيعُهَا . قَالَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ : عَاشَ دَاوُدُ عِشْرِينَ سَنَةً بِثَلَاثِ مِائَةِ دِرْهَمٍ .

وَقَالَ إِسْحَاقُ السَّلُولِيُّ : حَدَّثَتْنِي أَمُّ سَعِيدٍ ، قَالَتْ : كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ جِدَارٌ قَصِيرٌ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُ حَنِينَهُ عَامَّةَ اللَّيْلِ ، لَا يَهْدَأُ ، وَرُبَّمَا تَرَنَّمَ فِي السَّحَرِ بِالْقُرْآنِ ، فَأَرَى أَنَّ جَمِيعَ النَّعِيمِ قَدْ جُمِعَ فِي تَرَنُّمِهِ ، وَكَانَ لَا يُسْرَجُ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْحَفْرِيُّ : قَالَ لِي دَاوُدُ الطَّائِيُّ : كُنْتَ تَأْتِينَا إِذْ كُنَّا ، ثُمَّ مَا أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَنِي . قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَضَرْتُ دَاوُدَ ، فَمَا رَأَيْتُ أَشَدَّ نَزْعًا مِنْهُ .

وَقَالَ حَسَنُ بْنُ بِشْرٍ : حَضَرْتُ جِنَازَةَ دَاوُدَ الطَّائِيِّ ، فَحُمِلَ عَلَى سَرِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ، تَكَسَّرُ مِنَ الزِّحَامِ . قِيلَ : إِنَّ دَاوُدَ صَحِبَ حَبِيبًا الْعَجَمِيَّ . وَلَيْسَ يَصِحُّ ، وَلَا عَلِمْنَا دَاوُدَ سَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ ، وَلَا قَدِمَ حَبِيبٌ الْكُوفَةَ .

وَمَنَاقِبُ دَاوُدَ كَثِيرَةٌ ، كَانَ رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، وَلَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِ جِنَازَتِهِ ، حَتَّى قِيلَ : بَاتَ النَّاسُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَهُمْ شُهُودَهُ . مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ , وَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ . وَقَدْ سُقْتُ مِنْ حَدِيثِهِ وَأَخْبَارِهِ فِي : تَارِيخِ الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُخَلِّفْ بِالْكُوفَةِ أَحَدًا مِثْلَهُ .

موقع حَـدِيث