الرَّشِيدُ
الرَّشِيدُ الْخَلِيفَةُ أَبُو جَعْفَرٍ هَارُونُ بْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيُّ الْعَبَّاسِيُّ . اسْتُخْلِفَ بِعَهْدٍ مَعْقُودٍ لَهُ بَعْدَ الْهَادِي مِنْ أَبِيهِمَا الْمَهْدِيِّ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ بَعْدَ الْهَادِي . رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ ، وَمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ .
رَوَى عَنْهُ : ابْنُهُ الْمَأْمُونُ وَغَيْرُهُ . وَكَانَ مِنْ أَنْبَلِ الْخُلَفَاءِ ، وَأَحْشَمِ الْمُلُوكِ ، ذَا حَجٍّ وَجِهَادٍ ، وَغَزْوٍ وَشَجَاعَةٍ ، وَرَأْيٍ . وَأُمُّهُ أُمُّ وُلِدٍ ، اسْمُهَا خَيْزُرَانُ .
وَكَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا ، جَمِيلًا ، وَسِيمًا ، إِلَى السِّمَنِ ، ذَا فَصَاحَةٍ وَعِلْمٍ وَبَصَرٍ بِأَعْبَاءِ الْخِلَافَةِ ، وَلَهُ نَظَرٌ جَيِّدٌ فِي الْأَدَبِ وَالْفِقْهِ ، قَدْ وَخَطَهُ الشَّيْبُ . أَغْزَاهُ أَبُوهُ بِلَادَ الرُّومِ ، وَهُوَ حَدَثٌ فِي خِلَافَتِهِ . وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالرَّيِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ .
قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي خِلَافَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ إِلَى أَنْ مَاتَ ، وَيَتَصَدَّقُ بِأَلْفٍ ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعُلَمَاءَ ، وَيُعَظِّمُ حُرُمَاتِ الدِّينِ ، وَيُبْغِضُ الْجِدَالَ وَالْكَلَامَ ، وَيَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ وَلَهْوِهِ وَذُنُوبِهِ ، لَا سِيَّمَا إِذَا وُعِظَ . وَكَانَ يُحِبُّ الْمَدِيحَ ، وَيُجِيزُ الشُّعَرَاءُ ، وَيَقُولُ الشِّعْرَ . وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مَرَّةً ابْنُ السَّمَّاكِ الْوَاعِظُ ، فَبَالَغَ فِي إِجْلَالِهِ ، فَقَالَ : تَوَاضُعُكَ فِي شَرَفِكِ أَشْرَفُ مِنْ شَرَفِكَ ، ثُمَّ وَعَظَهُ ، فَأَبْكَاهُ .
وَوَعَظَهُ الْفُضَيْلُ مَرَّةً حَتَّى شَهِقَ فِي بُكَائِهِ . وَلِمَا بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، حَزِنَ عَلَيْهِ ، وَجَلَسَ لِلْعَزَاءِ ، فَعَزَّاهُ الْأَكَابِرُ . وَكَانَ يَقْتَفِي آثَارَ جَدِّهِ إِلَّا فِي الْحِرْصِ .
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ : مَا ذَكَرْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ يَدِي الرَّشِيدِ إِلَّا قَالَ : صَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِي ، وَرَوَيْتُ لَهُ حَدِيثَهُ : وَدِدْتُ أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيى ثُمَّ أُقْتَلُ فَبَكَى حَتَّى انْتَحَبَ . وَعَنْ خُرَّزَاذَ الْعَابِدِ قَالَ : حَدَّثَ أَبُو مُعَاوِيَةَ الرَّشِيدَ بِحَدِيثِ : احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ، فَقَالَ رَجُلٌ شَرِيفٌ : فَأَيْنَ لَقِيَهُ ؟ فَغَضِبَ الرَّشِيدُ ، وَقَالَ : النِّطْعَ وَالسَّيْفَ ، زِنْدِيقٌ يَطْعَنُ فِي الْحَدِيثِ ، فَمَا زَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ يُسَكِّنُهُ وَيَقُولُ : بَادِرَةٌ مِنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، حَتَّى سَكَنَ . وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ قَالَ : صَبَّ عَلَى يَدَيَّ بَعْدَ الْأَكْلِ شَخْصٌ لَا أَعْرِفُهُ ، فَقَالَ الرَّشِيدُ : تَدْرِي مَنْ يَصُبُّ عَلَيْكَ ؟ قُلْتُ : لَا ، قَالَ : أَنَا ؛ إِجْلَالًا لِلْعِلْمِ .
وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : قَالَ لِي الرَّشِيدُ وَأَمَرَ لِي بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ : وَقِّرْنَا فِي الْمَلَأِ ، وَعَلِّمْنَا فِي الْخَلَاءِ ، سَمِعَهَا أَبُو حَاتِمٍ مِنَ الْأَصْمَعِيِّ . قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي اللَّطَائِفِ : قَالَ الصُّولِيُّ : خَلَّفَ الرَّشِيدُ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِهِ : رَامَ الرَّشِيدُ أَنْ يُوصِلَ مَا بَيْنَ بَحْرِ الرُّومِ وَبَحْرِ الْقُلْزُمِ مِمَّا يَلِي الْفَرَمَا ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ : كَانَ يَخْتَطِفُ الرُّومُ النَّاسَ مِنَ الْحَرَمِ ، وَتَدْخُلُ مَرَاكِبُهُمْ إِلَى الْحِجَازِ .
وَعَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ أَنَّ الرَّشِيدَ أَجَازَهُ مَرَّةً بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ . قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : كُنْتُ مَعَ الْفُضَيْلِ بِمَكَّةَ ، فَمَرَّ هَارُونُ ، فَقَالَ الْفُضَيْلُ : النَّاسُ يَكْرَهُونَ هَذَا ، وَمَا فِي الْأَرْضِ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْهُ ، لَوْ مَاتَ لَرَأَيْتُ أُمُورًا عِظَامًا . يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ : حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ لَيْثٍ الْوَاسِطِيُّ ، سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ : مَا مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ أَشَدُّ عَلَيَّ مَوْتًا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ زَادَ مِنْ عُمُرِي فِي عُمُرِهِ .
قَالَ : فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا مَاتَ هَارُونُ ، وَظَهَرَتِ الْفِتَنُ ، وَكَانَ مِنَ الْمَأْمُونِ مَا حَمَلَ النَّاسَ عَلَى خَلْقِ الْقُرْآنِ ، قُلْنَا : الشَّيْخُ كَانَ أَعْلَمَ بِمَا تَكَلَّمَ . قَالَ الْجَاحِظُ : اجْتَمَعَ لِلرَّشِيدِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ ، وُزَرَاؤُهُ الْبَرَامِكَةُ ، وَقَاضِيهِ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ ، وَشَاعِرُهُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ ، وَنَدِيمُهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَمُّ وَالِدِهِ ، وَحَاجِبُهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَتْيَهُ النَّاسِ ، وَمُغَنِّيهِ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ ، وَزَوْجَتُهُ زُبَيْدَةُ . قِيلَ : إِنَّ هَارُونَ أَعْطَى ابْنَ عُيَيْنَةَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَأَعْطَى مَرَّةً أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ سِتَّةَ آلَافِ دِينَارٍ .
وَمَحَاسِنُهُ كَثِيرَةٌ ، وَلَهُ أَخْبَارٌ شَائِعَةٌ فِي اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ وَالْغِنَاءِ ، اللَّهُ يَسْمَحُ لَهُ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : أَرَاهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا الْخَمْرَ الْمُتَّفَقَ عَلَى حُرْمَتِهَا ، قَالَ : ثُمَّ جَاهَرَ جِهَارًا قَبِيحًا . قُلْتُ : حَجَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَلَهُ فُتُوحَاتٌ وَمَوَاقِفُ مَشْهُودَةٌ ، وَمِنْهَا فَتْحُ مَدِينَةِ هِرَقْلَةَ وَمَاتَ غَازِيًا بِخُرَاسَانَ ، وَقَبْرُهُ بِمَدِينَةِ طُوسَ ، عَاشَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَلَدُهُ صَالِحٌ ، تُوُفِّيَ فِي ثَالِثِ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ .
وَزَرَ لَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ مُدَّةً ، وَأَحْسَنَ إِلَى الْعَلَوِيَّةِ ، وَحَجَّ سَنَةَ ( 173 ) ، وَعَزَلَ عَنْ خُرَاسَانَ جَعْفَرَ بْنَ أَشْعَثَ بِوَلَدِهِ الْعَبَّاسِ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَحَجَّ أَيْضًا فِي الْعَامِ الْآتِي ، وَعَقْدَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِوَلَدِهِ الْأَمِينِ صَغِيرًا ، فَكَانَ أَقْبَحَ وَهْنٍ تَمَّ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَرْضَى الْأُمَرَاءَ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ ، وَتَحَرَّكَ عَلَيْهِ بِأَرْضِ الدَّيْلَمِ يَحْيَى بْنُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْحَسَنِيُّ وَعَظُمَ أَمْرُهُ ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ الرَّافِضَةُ ، فَتَنَكَّدَ عَيْشُ الرَّشِيدِ وَاغْتَمَّ ، وَجَهَّزَ لَهُ الْفَضْلَ بْنَ وَزِيرِهِ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا ، فَخَارَتْ قُوَى يَحْيَى ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ ، فَأَجَابَهُ وَلَاطَفَهُ ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ ، وَحَبَسَهُ ، ثُمَّ تَعَلَّلَ وَمَاتَ ، وَيُقَالُ : نَالَهُ مِنَ الرَّشِيدِ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَثَارَ بِالشَّامِ أَبُو الْهِنْدَامِ الْمُرِّيُّ . وَاصْطَدَمَتْ قَيْسٌ وَيَمَنٌ ، وَقُتِلَ خَلْقٌ ، فَوَلَّى مُوسَى بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ ، فَجَاءَ ، وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ .
وَفِي سَنَةِ ( 175 ) وَلَّى خُرَاسَانَ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ وَوَلَّى مِصْرَ جَعْفَرًا الْبَرْمَكِيَّ ، وَاشْتَدَّ الْحَرْبُ بَيْنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْيَمَانِيَةِ بِالشَّامِ ، وَنَشَأَ بَيْنَهُمْ أَحْقَادٌ وَإِحَنٌ إِلَى الْيَوْمِ . وَافْتَتَحَ الْعَسْكَرُ مَدِينَةَ دَبَسَةَ . وَفِي سَنَةِ ( 77 ) عُزِلَ جَعْفَرٌ عَنْ مِصْرَ ، وَوَلِيَ أَخُوهُ الْفَضْلُ خُرَاسَانَ مَعَ سَجِسْتَانَ وَالرَّيِّ ، وَحَجَّ الرَّشِيدُ .
وَفِي سَنَةَ ثَمَانٍ هَاجَتِ الْحَوْفُ بِمِصْرَ ، فَحَارَبَهُمْ نَائِبُ مِصْرَ إِسْحَاقُ ، وَأَمَدَّهُ الرَّشِيدُ بِهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ ، ثُمَّ وَلِيَهَا هَرْثَمَةُ ، ثُمَّ عُزِلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ الْعَبَّاسِيِّ . وَهَاجَتِ الْمَغَارِبَةُ فَقَتَلُوا أَمِيرَهُمُ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحٍ الْمُهَلَّبِيَّ ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ هَرْثَمَةُ ، فَهَذَّبَهُمْ . وَثَارَ بِالْجَزِيرَةِ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْخَارِجِيُّ ، وَعَظُمَ ، وَكَثُرَتْ جُيُوشُهُ ، وَقَتَلَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ خَازِمٍ الْأَمِيرَ ، وَأَخَذَ إِرْمِينِيَّةَ .
وَعَدَلَ عَنِ الْخَبْرِ . وَغَزَا الْفَضْلُ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ، وَمَهَّدَ الْمَمَالِكَ ، وَكَانَ بَطَلًا شُجَاعًا جَوَّادًا ، رُبَّمَا وَصَلَ الْوَاحِدَ بِأَلْفِ أَلْفٍ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ خُرَاسَانَ مَنْصُورٌ الْحِمْيَرِيُّ ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ بِابْنِ طَرِيفٍ ، ثُمَّ سَارَ لِحَرْبِهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ ، وَتَحَيَّلَ عَلَيْهِ حَتَّى بَيَّتَهُ ، وَقَتَلَهُ ، وَمَزَّقَ جُمُوعَهُ . وَفِي سَنَةِ ( 79 ) اعْتَمَرَ الرَّشِيدُ فِي رَمَضَانَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى إِحْرَامِهِ إِلَى أَنْ حَجَّ مَاشِيًا مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ .
وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ بَيْنَ قَيْسٍ وَيَمَنٍ بِالشَّامِ ، وَسَالَتِ الدِّمَاءُ . وَاسْتَوْطَنَ الرَّشِيدُ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ الرَّقَّةَ ، وَعَمَّرَ بِهَا دَارَ الْخِلَافَةِ . وَجَاءَتِ الزَّلْزَلَةُ الَّتِي رَمَتْ رَأْسَ مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ .
وَخَرَجَتِ الْمُحَمِّرَةُ بِجُرْجَانَ . وَغَزَا الرَّشِيدُ ، وَوَغَلَ فِي أَرْضِ الرُّومِ ، فَافْتَتَحَ الصَّفْصَافَ ، وَبَلَغَ جَيْشُهُ أَنْقَرَةَ . وَاسْتَعْفَى يَحْيَى وَزِيرُهُ ، وَجَاوَرَ سَنَةً .
وَوَثَبَتِ الرُّومُ ، فَسَمَلُوا مَلِكَهُمْ قُسْطَنْطِينَ ، وَمَلَّكُوا أُمَّهُ . وَفِي ( 183 ) خَرَجَتِ الْخَزَرُ ، وَكَانَتْ بِنْتُ مَلِكِهِمْ قَدْ تَزَوَّجَ بِهَا الْفَضْلُ الْبَرْمَكِيُّ ، فَمَاتَتْ بِبَرْذَعَةَ ، فَقِيلَ : قُتِلَتْ غِيلَةً فَخَرَجَ الْخَاقَانُ مِنْ بَابِ الْأَبْوَابِ ، وَأَوْقَعَ بِالْأُمَّةِ ، وَسَبُوا أَزْيَدَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ ، وَتَمَّ عَلَى الْإِسْلَامِ أَمْرٌ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ ، ثُمَّ سَارَتْ جُيُوشُ هَارُونَ ، فَدَفَعُوا الْخَزَرَ ، وَأَغْلَقُوا بَابَ إِرْمِينِيَّةَ الَّذِي فِي الدَّرْبَنْدِ . وَفِي سَنَةٍ ( 185 ) ظَهَرَ بِعَبَّادَانَ أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَلَوِيُّ ، وَبِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ ، وَبُويِعَ ثُمَّ عَجَزَ وَهَرَبَ ، وَطَالَ اخْتِفَاؤُهُ أَزْيَدَ مِنْ سِتِّينَ عَامًا .
وَثَارَ بِخُرَاسَانَ أَبُو الْخَصِيبِ ، وَتَمَكَّنَ ، فَسَارَ لِحَرْبِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ ، فَالْتَقَوْا بِنَسَا ، فَقُتِلَ أَبُو الْخَصِيبِ ، وَتَمَزَّقَتْ عَسَاكِرُهُ . وَحَجَّ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ الرَّشِيدُ بِوَلَدَيْهِ : الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ ، وَأَغْنَى أَهْلَ الْحَرَمَيْنِ . وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ قَتَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْبَرْمَكِيَّ ، وَسَجَنَ أَبَاهُ وَأَقَارِبَهُ ، بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَدْ بَلَغُوا رُتْبَةً لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا وَفِيهَا انْتَقَضَ الصُّلْحُ مَعَ الرُّومِ ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ نِقْفُورَ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةٍ جَفْنَةَ الْغَسَّانِيِّ ، وَبَعَثَ يَتَهَدَّدُ الرَّشِيدَ ، فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا ، وَسَارَ فِي جُيُوشِهِ حَتَّى نَازَلَهُ هِرَقْلَةَ ، وَذَلَّتِ الرُّومُ ، وَكَانَتْ غَزْوَةً مَشْهُودَةً .
وَفِي سِنَةِ ثَمَانٍ كَانَتِ الْمَلْحَمَةُ الْعُظْمَى ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ عَدَدٌ كَثِيرٌ ، وَجُرِحَ النِّقْفُورُ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ ، وَتَمَّ الْفِدَاءُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي أَيْدِي الرُّومِ أَسِيرٌ . وَفِي سَنَةِ تِسْعِينَ خَلَعَ الطَّاعَةَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ ، وَغَلَبَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ ، وَهَزَمَ عَسْكَرَ الرَّشِيدِ ، وَفِيهَا غَزَا الرُّومَ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ ، وَافْتَتَحَ هِرَقْلَةَ ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ نِقْفُورُ بِالْجِزْيَةِ ثَلَاثِ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . وَفِي سَنَةٍ ( 191 ) عَزَلَ وَالِيَ خُرَاسَانَ ابْنَ مَاهَانَ بِهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ ، وَصَادَرَ الرَّشِيدُ ابْنَ مَاهَانَ ، فَأَدَّى ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَكَانَ عَاتِيًا مُتَمَرِّدًا عَسُوفًا .
وَفِيهَا أَوَّلُ ظُهُورُ الْخُرَّمِيَّةِ بِأَذْرَبِيجَانَ . وَسَارَ الرَّشِيدُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ إِلَى جُرْجَانَ لِيُهَذِّبَ خُرَاسَانَ ، فَنَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ . وَخَلَّفَ عِدَّةَ أَوْلَادٍ ، فَمِنْهُمْ تِسْعَةُ بَنِينَ اسْمُهُمْ مُحَمَّدٌ ، أَجَلُّهُمُ الْأَمِينُ ، وَالْمُعْتَصِمُ ، وَأَبُو عِيسَى الَّذِي كَانَ مَلِيحَ زَمَانِهِ بِبَغْدَادَ ، وَلَهُ نَظْمٌ حَسَنٌ ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ .
وَأَبُو أَيُّوبَ ، وَلَهُ نَظْمٌ رَائِقٌ ، وَأَبُو أَحْمَدَ كَانَ ظَرِيفًا نَدِيمًا شَاعِرًا ، طَالَ عُمُرُهُ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . وَأَبُو عَلِيٍّ تُوُفِّيَ سَنَةَ 231 وَأَبُو الْعَبَّاسِ ، وَكَانَ بَلِيدًا مُغَفَّلًا ، دَمَّنُوهُ مُدَّةً فِي قَوْلِ : أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكُمْ ، فَذَهَبَ لِيُعَزِّيَ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : مَا فَعَلَ فُلَانٌ ؟ قَالُوا : مَاتَ ، قَالَ : جَيِّدٌ ، وَإَيْشِ فَعَلْتُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : دَفَنَّاهُ ، قَالَ : جَيِّدٌ . وَأَبُو يَعْقُوبَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 223 ، وَتَاسِعُهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ .
ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ .