سَيْفُ الدَّوْلَةِ
سَيْفُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَانَ صَاحِبُ حَلَبَ مَقْصِدُ الْوُفُودِ وَكَعْبَةُ الْجُودِ وَفَارِسُ الْإِسْلَامِ وَحَامِلُ لِوَاءِ الْجِهَادِ . كَانَ أَدِيبًا مَلِيحَ النَّظْمِ ، فِيهِ تَشَيُّعٌ . وَيُقَالُ : مَا اجْتَمَعَ بِبَابِ مَلِكٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ مَا اجْتَمَعَ بِبَابِهِ .
وَكَانَ يَقُولُ : عَطَاءُ الشُّعَرَاءِ مِنْ فَرَائِضِ الْأُمَرَاءِ . وَقَدْ جُمِعَ لَهُ مِنَ الْمَدَائِحِ مُجَلَّدَانِ . أَخَذَ حَلَبَ مِنَ الْكِلَابِيِّ نَائِبِ الْإِخْشِذِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ ، وَقَبْلَهَا أَخَذَ وَاسِطًا ، وَتَنَقَّلَتْ بِهِ الْأَحْوَالُ ، وَتَمَلَّكَ دِمَشْقَ مُدَّةً ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْإِخْشِيذِيَّةِ ، وَهَزَمَ الْعَدُوَّ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً .
يُقَالُ : تَمَّ لَهُ مِنَ الرُّومِ أَرْبَعُونَ وَقْعَةً ، أَكْثَرُهَا يَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : إِنَّهُ فِي عِيدٍ نَفَّذَ إِلَى النَّاسِ ضَحَايَا لَا تُعَدُّ كَثْرَةً ، فَبَعَثَ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ إِنْسَانٍ ، فَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَبْعَثُ إِلَى الْكَثِيرِ مِنْهُمْ مِائَةَ رَأْسٍ . وَتُوُفِّيَتْ أُخْتُهُ ، فَخَلَّفَتْ لَهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ ، فَافْتَكَّ بِجَمِيعِهَا أَسْرَى .
الْتَقَاهُ كَافُورٌ ، فَنُصِرَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ بِظَاهِرِ حِمْصَ ، وَنَازَلَ دِمَشْقَ ، ثُمَّ الْتَقَاهُ الْإِخْشِيذُ ، فَهُزِمَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ ، وَأَدْرَكَ الْإِخْشِيذُ الْأَجَلَ بِدِمَشْقَ ، فَوَثَبَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يُنْصِفْ أَهْلَهَا ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بَعْضِ أَرْضِهِمْ ، فَكَاتَبَ الْعَقِيقِيُّ وَالْكُبَرَاءُ بَعْدَ سَنَةٍ صَاحِبَ مِصْرَ ، فَجَاءَ إِلَيْهِمْ كَافُورٌ . مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ غَزْوٌ مَا اتَّفَقَ لِمَلِكٍ غَيْرِهِ ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِشَجَاعَتِهِ الْمَثَلُ ، وَلَهُ وَقْعٌ فِي النُّفُوسِ ، فَاللَّهُ يَرْحَمُهُ . مَاتَ بِالْفَالِجِ - وَقِيلَ : بِعُسْرِ الْبَوْلِ - فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَلَمَّا احْتُضِرَ أَخَذَ عَلَى الْأُمَرَاءِ الْعَهْدَ لِابْنِهِ أَبِي الْمَعَالِي .
مَاتَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَغَسِّلَ ، ثُمَّ عُمِلَ بِصَبِرٍ ، وَمُرٍّ ، وَمَنَوَيْنِ كَافُورٍ ، وَمِائَةِ مِثْقَالٍ غَالِيَةٍ ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابٍ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ . وَكَبَّرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْعَلَوِيُّ خَمْسًا . وَلَمَّا بَلَغَ مُعِزَّ الدَّوْلَةِ بِالْعِرَاقِ مَوْتُهُ ، جَزِعَ عَلَيْهِ وَقَالَ : أَيَّامِي لَا تَطُولُ بَعْدَهُ ، وَكَذَا وَقَعَ .
ثُمَّ نَقَلُوهُ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ فَدُفِنَ عِنْدَ أُمِّهِ . وَكَانَ قَدْ جَمَعَ مِنَ الْغُبَارِ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ وَقْتَ الْمَصَافَّاتِ مَا جُبِلَ فِي قَدْرِ الْكَفِّ ، وَأَوْصَى أَنْ يُوضَعَ عَلَى خَدِّهِ . وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ نَيِّفًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَبَقِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سَعْدُ الدَّوْلَةِ فِي وِلَايَةِ حَلَبَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً .
وَقَدْ أُسِرَ ابْنُ عَمِّهِمُ الْأَمِيرُ شَاعِرُ زَمَانِهِ ، أَبُو فِرَاسٍ الْحَارِثُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَمْدَانَ ، فَبَقِيَ فِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ سَنَوَاتٍ ، ثُمَّ فَدَاهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ ، وَكَانَ بَدِيعَ الْحُسْنِ ، وَكَانَ صَاحِبَ مَنْبِجَ ، ثُمَّ تَمَلَّكَ حِمْصَ ، فَقُتِلَ عَنْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ .