حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
نصب الراية لأحاديث الهداية

تَحْرِيرُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ في الجهر بالبسملة وإخفائها

هَذَا تَحْرِيرُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ اعْتَمَدَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَنَّفِينَ عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَتِهَا ، وَكَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِكِتَابَةِ الصَّحَابَةِ لَهَا فِي الْمُصْحَفِ بِقلْمِ الْقُرْآنِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الْخُلَاصَةِ " : قَالَ أَصْحَابُنَا : وَهَذَا أَقْوَى الْأَدِلَّةِ فِيهِ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ جَرَّدُوا الْقُرْآنَ عَمَّا لَيْسَ مِنْهُ ، وَاَلَّذِينَ نَازَعُوهُمْ دَفَعُوا هَذِهِ الْحُجَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَقَالُوا : إنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَاطِعٍ ، وَلَوْ كَانَ هَذَا قَاطِعًا لَكَفَرَ مُخَالِفُهُ ، وَقَدْ سَلَكَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ، وَغَيْرُهُ هَذَا الْمَسْلَكَ ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ يَقْطَعُونَ بِخَطَإِ الشَّافِعِيِّ فِي جَعْلِهِ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ، مُعْتَمِدِينَ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْقُرْآنِ إلَّا بِالتَّوَاتُرِ ، وَلَا تَوَاتُرَ هَهُنَا ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِنَفْيِ كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذِهِ حُجَّةٌ مُقَابَلَةٌ بِمِثْلِهَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : بَلْ يُقْطَعُ بِكَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ ، كَمَا قَطَعْتُمْ بِنَفْيِ كَوْنِهَا مِنْهُ ، وَمِثْلُ هَذَا النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ قُرْآنٌ ، فَإِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ آيَةِ وَآيَةٍ يَرْفَعُ الثِّقَةَ بِكَوْنِ الْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامَ اللَّهِ ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ كَتَبُوا

[1/329]

الْمَصَاحِفَ نَقَلُوا إلَيْنَا أَنَّ مَا كَتَبُوهُ بَيْنَ لَوْحَيْ الْمُصْحَفِ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْتُبُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ ، فَإِنْ قَالَ الْمُنَازِعُ : إنْ قَطَعْتُمْ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ فَكَفِّرُوا النَّافِيَ ، قِيلَ لَهُمْ : هَذَا مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ ، إذَا قَطَعْتُمْ بِنَفْيِ كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ فَكَفِّرُوا مُنَازِعَكُمْ ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى نَفْيِ التَّكْفِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ ، مَعَ دَعْوَى كَثِيرٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الْقَطْعَ بِمَذْهَبِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ قَطْعِيًّا عِنْدَ شَخْصٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا عِنْدَ غَيْرِهِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا ادَّعَتْ طَائِفَةٌ أَنَّهُ قَطْعِيٌّ عِنْدَهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَطِيعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ قَدْ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي دَعْوَى الْمُدَّعِي الْقَطْعَ فِي غَيْرِ مَحِلِّ الْقَطْعِ ، كَمَا يَغْلَطُ فِي سَمِعَهُ ، وَفَهْمِهِ ، وَنَقْلِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِهِ ، بَلْ كَمَا يَغْلَطُ الْحِسُّ الظَّاهِرُ فِي مَوَاضِعَ ، وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ : الْأَقْوَالُ فِي كَوْنِهَا مِنْ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةٌ : طَرَفَانِ ، وَوَسَطٌ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاَلَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ هُوَ الْقَوْلُ الْوَسَطُ ، وَهُوَ أَنَّهَا مِنْ الْقُرْآنِ حَيْثُ كُتِبَتْ ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ السُّوَرِ ، بَلْ تُكْتَبُ قَبْلَ السُّورَةِ ، وَتُقْرَأُ كَمَا قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ ، فِي قَوْلِهِ : فَجَاءَهُ الْمَلَكُ ، فَقَالَ لَهُ : اقْرَأْ ، فَقَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ : اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ آيَةً فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ لِكَوْنِهَا لَمْ تُذْكَرْ هُنَا ، قَالَ : وَأُجِيبُ عَنْهُ : أَنَّ الْبَسْمَلَةَ أُنْزِلَتْ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، كَمَا نَزَلَ بَاقِي السُّورَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، انْتَهَى .

موقع حَـدِيث