حُجَّةُ الْخُصُومِ الْمَانِعِينَ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : وَمِمَّا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ السُّورَةِ مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبَّاسٍ الْجُشَمِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ ، وَهِيَ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ انْتَهَى . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : ج١ / ص٣٣٥
حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ " ، وَالْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ "
وَصَحَّحَهُ، وَعَبَّاسٌ الْجُشَمِيُّ ، يُقَالُ : إنَّهُ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " الثِّقَاتِ " ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْنَا ، وَوَجْهُ الْحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ ثَلَاثُونَ آيَةً بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ ، بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الْعَادِّينَ ، وَأَيْضًا فَافْتِتَاحُهُ بِقَوْلِهِ : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْهَا . ( حَدِيثٌ آخَرُ ) : قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي " أَحْكَامِ الْقُرْآنِ " : أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ، ثَنَا الْحَضْرَمِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : مَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَلَا أَبُو بَكْرٍ ، وَلَا عُمَرُ انْتَهَى .
وَهَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، لَكِنَّهُ شَاهِدٌ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَابِرٍ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ* ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ* ، فَهُوَ ضَعِيفٌ وَمُنْقَطِعٌ
، وَالْحَضْرَمِيُّ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ " بِمُطَيِّنٍ " ، وَشَيْخُهُ ابْنُ الْعَلَاءِ : هُوَ أَبُو كُرَيْبٌ الْحَافِظُ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ بِلَا وَاسِطَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي " الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ " مُسْتَدْرِكًا عَلَى الْخَطِيبِ ، قَالَ : وَقَدْ أَفْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِالتَّصْنِيفِ جَمَاعَةٌ : مِنْهُمْ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَآخَرُونَ ، وَلِلْقَائِلِينَ بِالْجَهْرِ أَحَادِيثُ : أَجْوَدُهَا حَدِيثُ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، قَالَ : صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَقَرَأَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، حَتَّى قَالَ : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ : آمِينَ ، وَفِي آخِرِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ : إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي " سُنَنِهِ " ، فَقَالَ : بَابُ الْجَهْرِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكِيمِ ، ثَنَا شُعَيْبٌ ، ثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، فَذَكَرَهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَالْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " وَقَالَ : إنَّهُ
عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي " سُنَنِهِ " ، وَقَالَ :
حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " ، وَقَالَ :
إسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَقَالَ فِي " الْخِلَافِيَّاتِ " :
رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ ، مُجْمَعٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ ، مُحْتَجٌّ بِهِمْ فِي " الصَّحِيحِ" ، انْتَهَى ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ج١ / ص٣٣٦وُجُوهِ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ
حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، فَإِنَّ ذِكْرَ الْبَسْمَلَةِ فِيهِ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُمْ ثَمَانُمِائَةٍ مَا بَيْنَ صَاحِبٍ وَتَابِعٍ ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ ثِقَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَدْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الْبَسْمَلَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَاحِبَا الصَّحِيحِ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، ثُمَّ يَقُولُ : رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يقوم مِنْ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا ، وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بِنَحْوِ ذَلِكَ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَأَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَرَكَ التَّكْبِيرَ فِي رَفْعِهِ وَخَفْضِهِ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ، مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : ثَلَاثٌ كَانَ يَفْعَلُهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَهُنَّ النَّاسُ ، كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَدًّا ، وَكَانَ يَقِفُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ هُنَيْهَةً ، وَكَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فِي " مُوَطَّئِهِ " كَذَلِكَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ " ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ " ،
وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَسَعِيدُ بْنُ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيُّ صَدُوقٌ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَلَا الْتِفَاتَ إلَى قَوْلِ أَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيِّ فِيهِ : ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ الْأَزْدِيَّ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ ، وَالنَّسَائِيُّ أَعْلَمُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لِلتَّسْمِيَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذِكْرٌ ، وَهَذَا مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ وَهْمٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَاهَا نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ ، وَهُوَ ثِقَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، قُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ، بَلْ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقْبَلُ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مُطْلَقًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْبَلُهَا ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ ، وَهُوَ أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ ، فَتُقْبَلُ إذَا كَانَ الرَّاوِي الَّذِي رَوَاهَا ثِقَةً حَافِظًا ثَبْتًا ، وَاَلَّذِي لَمْ يَذْكُرْهَا مِثْلُهُ ، أَوْ دُونَهُ فِي الثِّقَةِ ، كَمَا قَبِلَ النَّاسُ زِيَادَةَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، قَوْلَهُ : " مِنْ الْمُسْلِمِينَ " ، فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ ، وَاحْتَجَّ بِهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ، وَتُقْبَلُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لِقَرَائِنَ تَخُصُّهَا ، وَمِنْ حَكَمَ فِي ذَلِكَ حُكْمًا عَامًّا فَقَدْ غَلِطَ ، بَلْ كُلُّ زِيَادَةٍ لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا ، فَفِي مَوْضِعٍ ج١ / ص٣٣٧يُجْزَمُ بِصِحَّتِهَا ، كَزِيَادَةِ مَالِكٍ ، وَفِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِحَّتُهَا ، كَزِيَادَةِ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ فِي حَدِيثِ : جُعِلَتْ الْأَرْضُ مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا وَكَزِيَادَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى : " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " ، وَفِي مَوْضِعٍ يَجْزِمُ بخطأ الزِّيَادَةِ ، كَزِيَادَةِ مَعْمَرَ ، وَمَنْ وَافَقَهُ ، قَوْلُهُ : " وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ " ، وَكَزِيَادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ ذَكَرَ الْبَسْمَلَةَ فِي حَدِيثِ قَسَّمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَعْمَرُ ثِقَةً . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ ضَعِيفًا ، فَإِنَّ الثِّقَةَ قَدْ يَغْلَطُ ، وَفِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ خَطَؤُهَا ، كَزِيَادَةِ مَعْمَرٍ فِي حَدِيثِ مَاعِزٍ " الصَّلَاةُ عَلَيْهِ " ، رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " ، وَسُئِلَ هَلْ رَوَاهَا غَيْرُ مَعْمَرٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَقَالَ فِيهِ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ، فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فِي ذَلِكَ ، وَالرَّاوِي عَنْ مَعْمَرٍ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ أَيْضًا ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ قَالَ : وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ ، وَفِي مَوْضِعٍ يَتَوَقَّفُ فِي الزِّيَادَةِ ، كَمَا فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ ، وَزِيَادَةُ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ التَّسْمِيَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يُتَوَقَّفُ فِيهِ ، بَلْ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ضَعْفُهُ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا ، فَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِمَنْ قَالَ بِالْجَهْرِ ، لِأَنَّهُ قَالَ : فَقَرَأَ ، أَوْ فَقَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ، وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ قِرَاءَتهَا سِرًّا أَوْ جَهْرًا ، وَإِنَّمَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا ، فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَسَرَّ بِالْبَسْمَلَةِ ، ثُمَّ جَهَرَ بِالْفَاتِحَةِ ، لَمْ يُعَبَّرْ عَنْ ذَلِكَ نعيم بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ مُتَنَاوِلَةٍ لِلْفَاتِحَةِ وَالْبَسْمَلَةِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا ، وَلَقَالَ : فَأَسَرَّ بِالْبَسْمَلَةِ ، ثُمَّ جَهَرَ بِالْفَاتِحَةِ وَالصَّلَاةُ كَانَتْ جَهْرِيَّةً بِدَلِيلِ تَأْمِينِهِ ، وَتَأْمِينِ الْمَأْمُومِينَ ، قُلْنَا : لَيْسَ الْجَهْرِ فِيهِ بصْرِيحٌ وَلَا ظَاهِرٌ يُوجِبُ الْحُجَّةَ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَدَّمُ عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ الْمُقْتَضِي لِلْإِسْرَارِ ، وَلَوْ أُخِذَ الْجَهْرُ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ لَأُخِذَ مِنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : فَقَرَأَ : " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" ، ثُمَّ قَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : فَقَرَأَ ، أَوْ قَالَ ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ أَنَّهُ سَمِعَها مِنْهُ ، إذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَخْبَرَ نُعَيْمًا بِأَنَّهُ قَرَأَهَا سِرًّا ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهَا مِنْهُ فِي مُخَافَتَةٍ لِقُرْبِهِ مِنْهُ ، كَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاسْتِفْتَاحِ ، وَأَلْفَاظِ الذِّكْرِ فِي قِيَامِهِ وَقُعُودِهِ وَرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ ، فَلِمُسْلِمٍ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَقُولُ إذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ : وَجَّهْت وَجْهِي ، إلَى آخِرِهَا ، وَإِذَا رَكَعَ قَالَ : اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت وَبِك آمَنْت وَلَك أَسْلَمْت ، وَيَقُولُ فِي سُجُودِهِ نَحْوَ ذَلِكَ ، وَإِذَا تَشَهَّدَ ، قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، إلَى آخِرِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَمَاعُ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى الْجَهْرِ ، وَكَانَ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا ، وَأَيْضًا فَلَوْ سَاغَ التَّمَسُّكُ عَلَى الْجَهْرِ ج١ / ص٣٣٨بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ : فَقَرَأَ ، لَسَاغَ لِمَنْ لَا يَرَى قِرَاءَتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ ، الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَهَضَ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَسْكُتْ قَالَ الطَّحَاوِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" لَيْسَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَقَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ كَمَا قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ ، وَاَلَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الْجَهْرَ بِهَا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ، اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ أَيْضًا فِي الركعة الثَّانِيَةِ ، فَلَمَّا انْتَفَى بِهَذَا أَنْ يَكُونَ قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ انْتَفَى أَنْ يَكُونَ قَرَأَهَا فِي الْأُولَى ، وَعَارَضَ هَذَا حَدِيثَ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، بَلْ هُوَ أَوْلَى لِاسْتِقَامَةِ طَرِيقِهِ ، وَفَضْلِ صِحَّتِهِ عَلَى حَدِيثِ نُعَيْمٍ ، فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ الِاسْتِفْتَاحَ بِالسُّورَةِ لَا بِالْآيَةِ ، قُلْنَا : هَذَا فِيهِ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَسُوغُ إلَّا لِمُوجِبٍ ، وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ اسْمَ السُّورَةِ لَقَالَ : بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ . أَوْ بِسُورَةِ الْحَمْدِ ، أَوْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي تَسْمِيَتِهَا عِنْدَهُمْ ، كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا : لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَفِي رِوَايَةٍ : بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا بِجُمْلَةِ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " فَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ اسْتِفْتَاحَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ دُونَ الْبَسْمَلَةِ ،
وَهَذَا الْحَدِيثُ أصح إسْنَادُا وأَصْرَحُ دَلَالَةً مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ قَوْلَهُ : إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَصْلَ الصَّلَاةِ وَمَقَادِيرَهَا وَهَيْئَاتَهَا ، وَتَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، بَلْ يَكْفِي فِي غَالِبِ الْأَفْعَالِ ، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ ، دُونَ الْبَسْمَلَةِ ، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ثَابِتٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ مَقْصُودُهُ الرَّدَّ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ ، وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ ، فَفِي صِحَّتِهَا عَنْهُ نَظَرٌ ، فَلْيَنْصَرِفْ إلَى الصَّحِيحِ الثَّابِتِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَمِمَّا يَلْزَمُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّشْبِيهِ منْ كُلِّ وَجْهٍ مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : إنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ ، كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ : قَدْ نَسِيَ ، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ : قَدْ نَسِيَ ، فَهَذَا [ أَنَسٌ ] قَدْ أَخْبَرَ بِشَبَهِ صَلَاتِهِ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُطِيلُ رَكْعَتَيْ الِاعْتِدَالِ ج١ / ص٣٣٩وَالْفَصْلِ إلَى غَايَةٍ يُظَنُّ بِهِ النِّسْيَانُ ، وَمَعَ ذَلِكَ ، فَالشَّافِعِيَّةُ يَكْرَهُونَ إطَالَتَهُمَا ، وَعِنْدَهُمْ وَجْهَانِ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِهَا ، فَهَلَّا كَانَ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ إطَالَتِهِمَا مَعَ صِحَّتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، كَمَا كَانَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ وَالْجَهْرِ بِهَا ، مَعَ عِلَّته ومُخَالَفَتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَأَيْضًا ، فَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا بِالْجَهْرِ بِالتَّعَوُّذِ ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى : أَخْبَرَنَا إبراهيم بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَسْلَمِيُّ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ رَافِعًا صَوْتَهُ فِي الْمَكْتُوبَةِ إذَا فَرَغَ مِنْ أُمِّ الْقُرْآنِ : رَبّنَا إنَّا نَعُوذُ بِك مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَهَلَّا أَخَذُوا بِهَذَا ، كَمَا أَخَذُوا بِجَهْرِ الْبَسْمَلَةِ مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي الصَّحِيحِين عَنْهُ ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْمَعْنَاكُمْ ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ ، وَإِنْ لَمْ تُزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ ، وَكَيْفَ يُظَنُّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُرِيدُ التَّشْبِيهَ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ ، وَهُوَ الرَّاوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : قَسَّمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ : فَنِصْفُهَا لِي . وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي ، وَإِذَا قَالَ : إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ اللَّهُ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ قَالَ اللَّهُ : هَذَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ انْتَهَى . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَعَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَهُ ، وعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْفَاتِحَةِ ، وَإِلَّا لَابْتَدَأَ بِهَا ، لِأَنَّ هَذَا مَحِلُّ بَيَانٍ وَاسْتِقْصَاءٍ لِآيَاتِ السُّورَةِ ، حَتَّى أنَّهُ لَمْ يُخِلَّ مِنْهُمَا بِحَرْفٍ ، وَالْحَاجَةُ إلَى قِرَاءَةِ الْبَسْمَلَةِ أَمَسُّ لِيَرْتَفِعَ الْإِشْكَالُ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَدِيثُ الْعَلَاءِ هَذَا قَاطِعُ تَعَلُّقِ الْمُتَنَازِعِينَ ، وَهُوَ نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ ، وَلَا أَعْلَمُ حَدِيثًا فِي سُقُوطِ الْبَسْمَلَةِ أَبْيَنَ مِنْهُ ، وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرٍين : أَحَدُهُمَا : قَالَ : لَا يُغتر بِكَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ ، فَإِنَّ الْعَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ ، فَقَالَ : النَّاسُ يَتَّقُونَ حَدِيثَهُ ، لَيْسَ حَدِيثُهُ بِحُجَّةٍ ، مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ ، لَيْسَ بِذَاكَ ، هُوَ ضَعِيفٌ ، رُوِيَ عَنْهُ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ .
وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَدْ انْفَرَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ . ج١ / ص٣٤٠الثَّانِي : قَالَ : وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ ذِكْرُ التَّسْمِيَةِ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ ، عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَامٍّ ، فَقُلْت : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ، إنِّي رُبَّمَا كُنْت مَعَ الْإِمَامِ ، قَالَ : فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِك ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : قَسَّمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَنِصْفُهَا لَهُ ، يَقُولُ عَبْدِي إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَيَذْكُرُنِي عَبْدِي ، ثُمَّ يَقُولُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَأَقُولُ : حَمِدَنِي عَبْدِي إلَى آخِرِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ ، وَلَكِنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ أَرَادَ السُّورَةَ لَا الْآيَةَ ، وَهَذَا الْقَائِلُ حَمَلَهُ الْجَهْلُ ، وَفَرْطُ التَّعَصُّبِ عَلَى أَنْ تَرَكَ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَضَعَّفَهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُوَافِقٍ لِمَذْهَبِهِ ، وَقَالَ : لَا يُغتر بِكَوْنِهِ فِي مُسْلِمٍ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَاهُ عَنْ الْعَلَاءِ الْأَئِمَّةُ الثِّقَاتُ الْأَثْبَاتُ ، كَمَالِكٍ . وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَابْنِ جُرَيْجٍ ، وَشُعْبَةَ ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَالْعَلَاءُ نَفْسُهُ ثِقَةٌ صَدُوقٌ ، كَمَا سَيَأْتِي ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ انْفَرَدَ بِهَا عَنْهُ ابْنُ سَمْعَانَ ، وَهُوَ كَذَّابٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجْهَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَلَا فِي " الْمُصَنَّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ .
وَلَا الْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ " ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي " سُنَنِهِ " الَّتِي يَرْوِي فِيهَا غَرَائِبَ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ عَقِيبَه : وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَذَكَرَهُ فِي " عِلَلِهِ " وَأَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ ، وَمُلَخَّصُهُ : أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ الْعَلَاءِ جَمَاعَةٌ أَثْبَاتٌ يَزِيدُونَ عَلَى الْعَشَرَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ الْبَسْمَلَةَ . وَزَادَهَا ابْنُ سَمْعَانَ ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ ، وَحَسْبُك بِالْأَوَّلِ قَدْ أَوْدَعَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " . وَالِاخْتِلَافُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ : عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي السَّائِبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَإِنَّ الْعَلَاءَ سَمِعَهُ مِنْ أَبِيهِ .
وَمِنْ أَبِي السَّائِبِ ، ولِهَذَا يَجْمَعُهُمَا تَارَةً ، وَيُفْرِدُ أَبَاهُ تَارَةً ، وَيُفْرِدُ أَبَا السَّائِبِ تَارَةً ، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَزِيَادَةُ الْبَسْمَلَةِ فِي حَدِيثِ الْعَلَاءِ بَاطِلَةٌ قَطْعًا ، زَادَهَا ابْنُ سَمْعَانَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا ، فَإِنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ ، مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْهُ ، فَقَالَ : كَانَ كَذَّابًا . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر : قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فِيهِ : لَقَدْ كَذَبَ عَلَيَّ ، وَحَدَّثَ عَنِّي بِأَحَادِيثَ لَمْ أُحَدِّثْهُ بِهَا ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، وَسُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَانَ كَذَّابًا ، وَقِيلَ لِابْنِ إِسْحَاقَ : إنَّ ابْنَ سَمْعَانَ يَقُولُ : سَمِعْت مُجَاهِدًا ، فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَنَا وَاَللَّهِ أَكْبَرُ مِنْهُ مَا رَأَيْت مُجَاهِدًا ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ يَرْوِي عَمَّنْ لَمْ يَرَهُ ، وَيُحَدِّثُ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ ، كَانَ مِنْ الْكَذَّابِينَ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوكٌ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : سَكَتُوا عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا شَيْءَ ، وَأَيْضًا ، فَلَا رَيْبَ ج١ / ص٣٤١أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ .
وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ كَانُوا أَعْلَمَ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَشَدَّ تَحَرِّيًا لَهَا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ . وَعُمَرُ . وَعُثْمَانُ .
وَعَلِيٌّ . وَابْنُ مَسْعُودٍ . وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ لَا يَرَوْنَ الْجَهْرَ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ " بَعْدَ ذِكْرِهِ تَرْكَ الْجَهْرِ : وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ : مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ .
وَعُمَرُ . وَعُثْمَانُ . وَعَلِيٌّ .
وَغَيْرُهُمْ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ . وَكَيْفَ يُعَلَّلُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ؟ وَهَلَّا جَعَلُوا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ عِلَّةً لِلضَّعِيفِ ، وَمُخَالَفَةَ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ لِنُعَيْمٍ مُوجِبًا لِرَدِّهِ ؟ ، إذْ مُقْتَضَى الْعِلْمِ أَنْ يُعَلَّلَ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، كَمَا فَعَلْنَا نَحْنُ .