حديث عبد الله بن مسعود في ترك الرفع وتحقيقه بأنه قوى صحيح
( حَدِيثٌ آخَرُ ) : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : أَلَا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَصَلَّى ، فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ انْتَهَى . وَفِي لَفْظٍ : فَكَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ :
حَدِيثٌ حَسَنٌ، انْتَهَى ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ بِهِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " الْإِمَامِ " : وَعَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ أَيْضًا أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَعَلْقَمَةُ ، فَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، انْتَهَى .
وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأُمُورٍ : مِنْهَا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، قَالَ : لَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ ، ج١ / ص٣٩٥وَثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَفَعَ عِنْدَ الرُّكُوعِ ، وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعِ ، وَعِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِمَا " وَذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي " مُخْتَصَرِ السُّنَنِ " ، ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْمُبَارَكِ : لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عَلْقَمَةَ ، انْتَهَى . وَمِنْهَا تَضْعِيفُ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ قَالَ : عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ لَمْ يُخَرَّجْ حَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَ ، وَكَانَ يَخْتَصِرُ الْأَخْبَارَ فَيُؤَدِّيهَا بِالْمَعْنَى ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ ، ثُمَّ لَا يَعُودُ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِي الْخَبَرِ ، انْتَهَى . وَالْجَوَابُ : أَمَّا الْأَوَّلُ : فَقَالَ الشَّيْخُ فِي " الْإِمَامِ " : وَعَدَمُ ثُبُوتِ الْخَبَرِ عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ لَا يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ فِيهِ ، وَهُوَ يَدُورُ عَلَى عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، قَالَ : وَقَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ الْمُنْذِرِيِّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَمْ يَسْمَعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلْقَمَةَ ، فَغَيْرُ قَادِحٍ أَيْضًا ، فَإِنَّهُ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ ، وَقَدْ تَتَبَّعْت هَذَا الْقَائِلَ فَلَمْ أَجِدْهُ ، وَلَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " مَرَاسِيلِهِ " ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ فِي " كِتَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ " ، فَقَالَ : وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ، وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ .
وَعَلْقَمَةَ ، وَلَمْ يَقُلْ : إنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " كِتَابِ الثِّقَاتِ " ، وَقَالَ : إنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَكَانَ سِنُّهُ سِنَّ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، فَإِذَا كَانَ سِنُّهُ سِنَّ النَّخَعِيّ ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ سَمَاعِهِ منْ عَلْقَمَةَ ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى سَمَاعِ النَّخَعِيّ مِنْهُ ؟ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي " كِتَابِ الْمُتَّفِقِ وَالْمُفْتَرِقِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَن هَذَا " ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ . وَعَلْقَمَةَ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي " كِتَابِهِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " : ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ :
حَدِيثُ وَكِيعٍ لَا يَصِحُّ ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا النُّكْرُ فِيهِ عَلَى وَكِيعٍ زِيَادَةُ : ثُمَّ لَا يَعُودُ ، وَقَالُوا : إنَّهُ كَانَ يَقُولُهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ، وَتَارَةً لَمْ يَقُلْهَا ، وَتَارَةً أَتْبَعَهَا الْحَدِيثَ ، كَأَنَّهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ :
إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، إلَّا هَذِهِ اللَّفْظَةَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ اعْتَنَى الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ بِتَضْعِيفِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي " كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ " انْتَهَى كَلَامُهُ .
قُلْتُ : قَدْ تَابَعَ وَكِيعًا عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ ، وَأَيْضًا ، فَغَيْرُ ابْنِ الْقَطَّانِ يَنْسُبُ الْوَهْمَ فِيهَا لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لَا لِوَكِيعٍ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " كِتَابِهِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ " : وَيُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، فَذَكَرَهُ بِسَنَدِهِ وَمَتْنِهِ ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ : نَظَرْتُ فِي " كِتَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إدْرِيسَ " عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ : ثُمَّ لَمْ يَعُدْ ، قَالَ الْبُخَارِيُّ : ج١ / ص٣٩٦وَهَذَا أَصَحُّ ، لِأَنَّ الْكِتَابَ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، انْتَهَى . فَجَعَلَ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ سُفْيَانَ ، لِأَنَّ ابْنَ إدْرِيسَ خَالَفَهُ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " كِتَابِ الْعِلَلِ " : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فَكَبَّرَ ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ لَمْ يَعُدْ فَقَالَ أَبِي :
هَذَا خَطَأٌ ، يُقَالُ : وَهَمَ فِيهِ الثَّوْرِيُّ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَاصِمٍ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَتَحَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ رَكَعَ ، فَطَبَّقَ ، وَجَعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مَا رَوَى الثَّوْرِيُّ انْتَهَى . فَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ جَعَلَا الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ سُفْيَانَ ، وَابْنُ الْقَطَّانِ ، وَغَيْرُهُ يَجْعَلُونَ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ وَكِيعٍ ، وَهَذَا اخْتِلَافٌ يُؤَدِّي إلَى طَرْحِ الْقَوْلَيْنِ ،
وَالرُّجُوعِ إلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ لِوُرُودِهِ عَنْ الثِّقَاتِ، وَأَمَّا الثَّانِي : وَهُوَ تَضْعِيفُ عَاصِمٍ ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ ، وَأَنَّ ابْنَ مَعِينٍ ، قَالَ فِيهِ : ثِقَةٌ ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي " الْإِمَامِ " ، قَالَ الشَّيْخُ : وَقَوْلُ الْحَاكِمِ : إنَّ حَدِيثَهُ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ ، فَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ فِي " الْهَدْيِ " ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ عَنْ عَلِيٍّ : نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَجْعَلَ خَاتَمِي فِي هَذِهِ .
وَاَلَّتِي يَلِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَأَيْضًا فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ التَّخْرِيجُ عَنْ كُلِّ عَدْلٍ ، وَقَدْ أَخْرَجَ هُوَ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يُخَرَّجْ لَهُمْ فِي الصَّحِيحِ ، وَقَالَ : هُوَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : لَمْ يُخَرَّجْ حَدِيثُهُ فِي " الصَّحِيحِ " ، أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ ، فَلَيْسَ ، ذَلِكَ بِعِلَّةٍ ، وَإِلَّا لَفَسَدَ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ كُلُّهُ مِنْ كِتَابِهِ " الْمُسْتَدْرِكِ " ، انْتَهَى .