فصل نبذةٌ من أحوالِ الْحفاظ
فصل فَهَذِهِ نبذةٌ من أحوالِ هَؤُلَاءِ الْحفاظ ، الَّذين تتنزل الرَّحْمَة بذكرهم ، وَهِي مختصرة بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا تَرَكْنَاهُ . ذكرتها لَك مَجْمُوعَة أَيهَا النَّاظر فِي هَذَا الْموضع ؛ لتعرف مَنَازِلهمْ ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَكَيف حَالهم فِي اجتهادهم فِي هَذَا الْعلم ، والإِكباب عَلَيْهِ . فَلَعَلَّ ذَلِكَ يكون محركًا فِي المسارعة إِلَى تتبع أَثَرهم ، وَالسير إِلَيْهِ ، لَعَلَّك تصل إِلَى بعض بعض مَا وصلوا إِلَيْهِ ، أَو إِلَى كلّه ، ففضل الله وعطاؤه وَاسع ، لَا زَالَ مُنْهَلًّا لَدَيْهِ .
ثمَّ وفَّق الله الْعَظِيم - وَله المِنَّة - هَؤُلَاءِ الحفَّاظ ، الْأَئِمَّة النقَّاد إِلَى وُصُول مَا حفظوه إِلَيْنَا ، وتقريب مَا تقلَّدوه علينا ، فصنَّفوا فِي ذَلِكَ مصنفات مبتكرة ، مُطَوَّلَة ومختصرة . وَاخْتلف الْعلمَاء فِي أول من صنَّف الْكتب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : أَحدهَا : عبد الْملك بن جريج . ثَانِيهَا : الرّبيع بن صَبِيح .
ثَالِثهَا : (سعيد) بن أبي عرُوبَة . حَكَاهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد . وَاخْتلف فِي ذَلِكَ مقاصدهم ، وتشعَّبت آراؤهم ، وَكلهَا مَقَاصِد حَسَنَة ، وأفعال مستحسنة .
فَمنهمْ من رَأَى أَن تدوينه عَلَى مسانيد الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أقرب إِلَى ضَبطه ، فرتَّبه كَذَلِك ، كالإِمام أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده ، ونظرائه . (قَالَ الْحَاكِم : أول من صنَّف الْمسند عَلَى [ تراجم الرِّجَال ] : عبيد الله بن مُوسَى العَبْسي ، وَأَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ) . وَمِنْهُم من رَأَى أَن تدوينه عَلَى تَرْتِيب أَبْوَاب الْفِقْه أسْرع لتنَاوله ، فرتَّبه كَذَلِك .
وَقيل : أول من فعل ذَلِكَ الرّبيع بن صبِيح . وَقيل : مَالك بن أنس فِي موطئِهِ وَبِه جزم الإِمام الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ . ثمَّ مِنْ بعدهمْ جمع كَبِير ، وجمٌّ غفير ، كَعبد الرَّزَّاق ، وَابْن أبي شيبَة ، وَغَيرهمَا .
وهلم جرًّا إِلَى زمن الإِمامين ، الحافظين ، الناقدين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ ، وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن (الْحجَّاج) الْقشيرِي ، فصنفا كِتَابَيْهِمَا الصَّحِيحَيْنِ ، والتزما ألَّا يوردا فيهمَا إلَّا حَدِيثا صَحِيحا ، وتلقَّتهما الْأمة بِالْقبُولِ . ثمَّ ألَّف جمَاعَة فِي زمنهما كتبا أُخر عَلَى الْأَبْوَاب ، من غير الْتِزَام فِيهَا مَا التزماه ، فَلم تلتحق بهَا ، كسنن أبي دَاوُد سُلَيْمَان بن الْأَشْعَث السجسْتانِي ، وجامع أبي عِيسَى مُحَمَّد بن سَوْرة التِّرْمِذِيّ (الضَّرِير) ، وَسنَن أبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ ، وَسنَن أبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي . وألَّف جمَاعَة أُخر كتبا كَذَلِك : فبعضهم شَرط أَن يكون مُصَنفه مُخرَّجًا عَلَى أَحَادِيث الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا ، ككتاب أبي نعيم ، وَالْبرْقَانِي ، والإسماعيلي ، وَأبي عَوَانَة .
وَبَعْضهمْ شَرط أَن يسْتَدرك مَا أهمله الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا ، كَمَا فعل الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْكتاب الَّذِي سَمَّاه ب الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ . وَبَعْضهمْ شَرط فِي مُصَنفه الصِّحَّة مُطلقًا ، لَا عَلَى رأيٍ ، بل عَلَى رَأْيهمْ ، كصحيح إِمَام الْأَئِمَّة ، أبي بكر مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وصحيح أبي حَاتِم بن حبَان ، الْمُسَمَّى ب التقاسيم والأنواع ، وَهَذَا لم يرتبه مُصَنفه عَلَى التَّرْتِيب الْمَذْكُور ، وَإِنَّمَا رتَّبه عَلَى ترتيبٍ خَاص بديع . (وَبَعْضهمْ لم يَشْتَرِطْ) شَرْطًا ، وإنَّما أودعا فِي تصانيفهما الصَّحِيح والضعيف ، مبينين ذَلِكَ ، ك سنَن أبي الْحسن الدَّارَقُطْنِيّ) ، و السّنَن الْكَبِير لِلْحَافِظِ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، المرتَّب عَلَى تَرْتِيب الْمَبْسُوط الَّذِي صنَّفه عَلَى تَرْتِيب (مُخْتَصر) الْمُزنِيّ .
هَذَا كُله كَانَ (عَلَى) رَأْي السّلف الأول ، يذكرُونَ الْأَحَادِيث بِالْأَسَانِيدِ فِي هَذِه التصانيف ، إذْ عَلَيْهِ المُعَوَّل . وَأما الْمُتَأَخّرُونَ ، فاقتصروا عَلَى إِيرَاد الْأَحَادِيث فِي تصانيفهم بِدُونِ الْإِسْنَاد ، مقتصرين عَلَى الْعزو إِلَى الْأَئِمَّة الأُوَل - [ إلاّ أفرادًا ] من ذَلِكَ وآحادًا - : كأحكام عبد الْحق الْكُبْرَى ، و الصُّغْرَى و الْوُسْطَى . وَعَلَى الْوُسْطَى اعتراضات لِلْحَافِظِ أبي الْحسن بن الْقطَّان ، وَمَا أَكثر نَفعه .
وَعَن بَعْضهَا أجوبة لبَعض الْمُتَأَخِّرين . وَأَحْكَام (الْحَافِظ) أبي عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد ، الْمَعْرُوف ب الضياء الْمَقْدِسِي ، وَلم يتمم كِتَابه ، وصل فِيهِ إِلَى أثْنَاء الْجِهَاد ، وَهُوَ أكثرها نفعا . وَأَحْكَام الْحَافِظ عبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي : الْكُبْرَى ، و الصُّغْرَى .
وَأَحْكَام الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية ، الْمُسَمَّى ب المُنْتَقَى ، وَهُوَ كاسمه ، وَمَا أحْسنه ، لَوْلَا إِطْلَاقه فِي كثير من الْأَحَادِيث الْعزو إِلَى (كتب) الْأَئِمَّة دون التحسين والتضعيف ، يَقُول مثلا : (رَوَاهُ أَحْمد) ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَيكون الحَدِيث ضَعِيفا ، وَأَشد من ذَلِكَ : كَون الحَدِيث فِي جَامع التِّرْمِذِيّ مُبَيَّنًا ضعفه ، فيعزيه إِلَيْهِ من غير بَيَان ضعفه . وَيَنْبَغِي لِلْحَافِظِ جمع هَذِه الْمَوَاضِع ، وكتبها عَلَى حَوَاشِي هَذَا الْكتاب ، أَو جمعهَا فِي مُصَنف لتكمل فَائِدَة الْكتاب الْمَذْكُور .
وَقد شَرَعْتُ فِي كَتْبِ ذَلِكَ عَلَى حَوَاشِي نُسْخَتي ، وَأَرْجُو إِتْمَامه . وَأَحْكَام الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ - نزيل مَكَّة ، شرَّفها الله تَعَالَى - وَهُوَ أبسطها وأطولها . وَأَحْكَام بَقِيَّة الْمُجْتَهدين فِي هَذَا الْفَنّ : تَقِيّ الدَّين أبي الْفَتْح الْقشيرِي ، الْمُسَمَّى ب الْإِلْمَام ، وشَرَطَ فِيهِ - كَمَا قَالَ فِي خطبَته - أَن لَا يُخرج إلَّا حَدِيثا قد صحَّحه أحدٌ من الْأَئِمَّة ، أَو زَكَّى (رُواته) واحدٌ مِنْهُم ، وإنْ كَانَ غَيره قد ضعَّفه .
وَأما كِتَابه الإِمام : فَهُوَ للْمُسلمين إِمَام ، وَلِهَذَا الْفَنّ زِمَام ، لَا نَظِير لَهُ ، لَو تمَّ جَاءَ فِي خَمْسَة وَعشْرين مجلدًا ، كَمَا قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه سير النبلاء . وَهُوَ حقيق بذلك ؛ فقد رَأَيْت من أوَّلِه إِلَى أثْنَاء كتاب الصَّلَاة فِي الْكَلَام عَلَى رفع الْيَدَيْنِ فِي ثَلَاث مجلداتٍ ضخماتٍ ، وَنقل (الذَّهَبِيّ) فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، عَن شَيخنَا قطب الدَّين (عبد الْكَرِيم) الْحلَبِي - رَحْمَة الله عَلَيْهِ - أنَّه كَمَّل تسويد هَذَا الْكتاب . وَكَذَلِكَ سمعته من بعض مَشَايِخنَا ، يَحْكِي عَن الهمذاني عَن المُصَنّف أَنه أكمله .
وَالْمَوْجُود بِأَيْدِينَا مِنْهُ متواليًا مَا قَدَّمْتُه ، وَقطعَة من الْحَج وَالزَّكَاة . وَلَو بُيِّض هَذَا الْكتاب ، وَخرج إِلَى النَّاس ، لاستغني بِهِ عَن كل كتاب صُنِّف فِي نَوعه ، أَو بقيت مسودته . وَيُقَال : إِن بَعضهم أَفْسَدَ قِطْعَة مِنْهُ حسدًا .
فَلَا حول وَلَا قُوَّة إلَّا بِاللَّه العليّ الْعَظِيم . هَذَا كَلَامهم فِيمَا يتَعَلَّق بمتن الحَدِيث . وَأما متعلقاته : فَأمر غَرِيبه : أفرده بالتصنيف : أَبُو عُبَيْدَة معمر بن المثنَّى ، وتلميذه أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام ، وَالنضْر بن شُمَيْل ، والهروي ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم .
وَأمر أَسمَاء رُوَاته جرحا وتعديلًا : وَأول من تكلَّم فِي ذَلِكَ : شُعْبَة ، ثمَّ تبعه يَحْيَى بن سعيد القطَّان ، ثمَّ أَحْمد بن حَنْبَل ، وَيَحْيَى بن معِين . كَمَا قَالَه صَالح بن مُحَمَّد الْبَغْدَادِيّ - فأفرده بالتصنيف : يَحْيَى بن معِين - وَهُوَ أول من وضع كتابا فِي ذَلِكَ - ثمَّ البُخَارِيّ ، ثمَّ أَبُو زرْعَة ، وَأَبُو حَاتِم ، وَالنَّسَائِيّ . وَمن بعدهمْ : كالعُقَيْلي ، والأزدي ، وَابْن حبَان .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الاقتراح : أَعْرَاض الْمُسلمين حُفْرَة من حفر النَّار ، وَقَفَ عَلَى شَفِيْرِها طَائِفَتَانِ من النَّاس : المحدثون والحكام . قَالَ : وَكَانَ شيخ شُيُوخنَا الْحَافِظ أَبُو الْحسن الْمَقْدِسِي يَقُول فِي الرجل الَّذِي يخرج عَنهُ فِي الصَّحِيح : هَذَا جَازَ القنطرة . يَعْنِي بذلك : أَنه لَا (يلْتَفت) إِلَى مَا قيل فِيهِ .
قَالَ الشَّيْخ : وَهَكَذَا (نعتقد ، و) بِهِ نقُول ، وَلَا نخرج عَنهُ إلَّا ببيانٍ (شافٍ) ، وَحجَّة ظَاهِرَة . وَأمر صحابته أفرده بالتصنيف : أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن قَانِع ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن الْأَثِير ، وَغَيرهم . وَكَذَلِكَ فعلوا - قَدَّس الله أَرْوَاحهم ، ونَوَّر ضرائحهم - بباقي أَنْوَاعه ، وفنونه الزَّائِدَة عَلَى السِّتين نوعا ، أَنْجَحَ الله قصدهم ، وَلَا خَيَّبَ سعينا وسعيهم ، فَلَقَد بذلوا جهدهمْ فِيمَا صنَّفوه ، وأتعبوا فِكْرَهُم فِيمَا وضعوه وحرَّروه ، وَلم يبْق هِمَّةُ أكثرِ الْفُضَلَاء (من) الْمُتَأَخِّرين إلَّا النّظر فِيمَا هَذَّبُوه ، والاقتباس مِمَّا قَيَّدوه وضبطوه ، ولعمري إنَّ ذَلِكَ (الْيَوْم) لمن أشرفِ المطالب ، وأعظمِ الْمَقَاصِد .
وَكنت مِمَّن أَنعمَ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَيْهِ محبَّة الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة ، خُصُوصا هَذَا الْعلم الشريف ، فَكنت أُعلِّق فَوَائده ، وأَضبط شوارده ، وأُقيِّد أوابده ، وأَسمع عاليه ونازله ، كاشفًا عَن فنونه ، باحثًا عَن علومه ، (أَعنِي) : صَحِيحه ، وَحسنه ، وضعيفه ، ومتصله ، ومرسله ، ومنقطعه ، ومعضله ، ومقلوبه ، ومشهوره ، وغريبه ، وعزيزه ، ومنكره ، و (معروفه) ، وآحاده ، ومتواتره ، وأفراده ، وشاذه ، ومعلله ، ومدرجه ، ومبينه ، ومختلفه ، وموضوعه ، إِلَى غير ذَلِكَ من معرفَة حَال أسانيده جرحا وتعديلًا ، وأنسابًا وتاريخًا ، وصدقًا وتدليسًا ، واعتبارًا ومتابعةً ، ووصلًا وإرسالًا ، ووقفًا وانقطاعًا ، وَزِيَادَة الثِّقَات ، وَمَا خُولف فِيهِ الْأَثْبَات ، وَمَعْرِفَة الصَّحَابَة وتابعيهم وتابعي التَّابِعين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أَجْمَعِينَ . ويَسَّر الله - تَعَالَى - لنا - سُبْحَانَهُ ، وَله الْحَمد والْمنَّة - من الْكتب الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا طَالب هَذَا الْفَنّ : زِيَادَة عَلَى مائَة تأليف ، كَمَا سأعدها لَك فِي آخر الْخطْبَة . وأحببت أَن أشتغل بِكِتَابَة الحَدِيث النَّبَوِيّ - عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، وَأعظم التَّحِيَّة والإِكرام - رَجَاء شَفَاعَته (فيَّ) يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الهول والملامة ، وثواب الله الْكَرِيم ، وفضله العميم ، وَقد قَالَ عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِيمَا (روينَا عَنهُ) : اغْدُ عَالما أَو مُتَعَلِّمًا ، وَلَا تَغْدُ الثَّالِثَة فَتَهْلِك .
وَفِي المعجم الْكَبِير للطبراني من حَدِيث عَطاء بن مُسلم ، عَن خَالِد الحَذَّاء ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي [ بكرَة ] ، عَن أَبِيه ، قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : اغْدُ عَالما ، أَو مُتَعَلِّمًا ، أَو مستمعًا ، أَو مُحِبًّا ، وَلَا تكن الْخَامِسَة فتهلك ، قَالَ : يَعْنِي بالخامسة : المُبْغِض . ورجاءَ وُصُول هَذَا (الْعلم) الشريف إِلَى ذهني الركود ، وقريحتي الَّتِي قَلَّ أَن تجود ، وامتثالًا لقَوْل الْعلمَاء أولي الْفضل والتفضيل : التصنيف أحد (طريقَي) التَّحْصِيل . وَلَا شكّ وَلَا مرية أَن أهم أَنْوَاعه - قبل الْخَوْض فِي فهمه - : معرفَة صَحِيحه من سقيمه ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه الاقتراح : نَحن نرَى أَن [ من ] أهم عُلُوم الحَدِيث : مَا يُؤَدِّي إِلَى معرفَة صَحِيح الحَدِيث .
فَبَقيت زَمنا مُتَحَيِّرًا فِيمَ أكتبه ، وَمَا أعلِّقه وأصنِّفه ، إِلَى أَن خار الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - والخيرة بِيَدِهِ ، كَمَا قَالَ فِي كِتَابه : ( مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) ، وَله الْحَمد والمنَّة - بتأليف كتاب نَفِيس ، لم أُسْبَقْ إِلَى وَضعه ، وَلم يُنسج عَلَى منواله وَجمعه ، وَأهل زَمَاننَا وَغَيرهم (شديدو) الْحَاجة إِلَيْهِ ، وكل الْمذَاهب تعتمد فِي الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ ، وَهُوَ : أَن أتكلَّم عَلَى الْأَحَادِيث (والْآثَار الْوَاقِعَة) فِي الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز ، وَهُوَ الشَّرْح الْكَبِير الَّذِي صنَّفه إِمَام الملَّة والدِّين ، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، قدَّس الله روحه ونوَّر ضريحه ، فَإِنَّهُ كتاب لم يصنف فِي الْمَذْهَب عَلَى مثل أسلوبه ، وَلم يجمع أحد سلف كجمعه ، فِي ترتيبه وتنقيحه وتهذيبه ، ومرجع فقهائنا فِي كل الأقطار - الْيَوْم - فِي الْفَتْوَى ، والتدريس ، والتصنيف إِلَيْهِ ، واعتمادهم فِي هَذِه الْأُمُور عَلَيْهِ . لكنه - أَجْزَل الله مثوبته - مَشَى فِي هَذَا الشَّرْح الْمَذْكُور عَلَى طَريقَة الْفُقَهَاء الخُلَّص ، فِي ذكر الْأَحَادِيث الضعيفة والموضوعات ، والمنكرة والواهيات ، وَالَّتِي لَا تعرف أصلا فِي كتاب حَدِيث ، لَا قديم وَلَا حَدِيث ، فِي معرض الِاسْتِدْلَال ، من غير بَيَان ضَعِيف من صَحِيح ، وسليم من جريح . وَهُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - إِمَام فِي الْفَنّ الْمَذْكُور ، وَأحد فرسانه ، كَمَا سَيَأْتِي إيضاحه فِي تَرْجَمته .
فتوكلت - حينئذٍ - عَلَى الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فِي ذَلِكَ ، وسَأَلْتُه التوفيقَ فِي القولِ والعملِ ، والعصمة من الْخَطَأ والخَطَل . وَكنت عزمت عَلَى أَن أرتِّب أَحَادِيث وآثار الْكتاب الْمَذْكُور عَلَى مسانيد الصَّحَابَة ، فأذكر الصَّحَابِيّ وعدة مَا رَوَى من الْأَحَادِيث ، وَمَا لَهُ من الْآثَار ، فثنيت الْعَنَان عَن ذَلِكَ ، لوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَن الإِمام الرَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه فِي كثير من المواطن لَا يذكر إلَّا نَفْس الحَدِيث ، ويحذف الرَّاوِي ، إذْ هُوَ مَوضِع الْحَاجة ، فَلَا يَهْتَدِي طَالب الحَدِيث إِلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يعرف مظنته . الثَّانِي : أَن ذَلِكَ يعسر عَلَى الْفَقِيه ، فإنَّه يَسْتَدْعِي معرفَة جَمِيع الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَاقِعَة فِي شرح الرَّافِعِيّ ، واستحضارها - وَهِي زَائِدَة عَلَى أَرْبَعَة آلَاف بمكررها - وَرُبمَا عسر ذَلِكَ عَلَيْهِم .
فرتبته عَلَى تَرْتِيب شرح الرَّافِعِيّ ، لَا أُغَيِّر مِنْهُ شَيْئا بِتَقْدِيم وَلَا بِتَأْخِير ، فأَذكر كل بَاب وَمَا تضمَّنه من الْأَحَادِيث والْآثَار . فَمَتَى طلب الطَّالِب حَدِيثا أَو أثرا فِي كتاب الطَّهَارَة مِنْهُ ، فَزِعَ إِلَى كتاب الطَّهَارَة من هَذَا التَّأْلِيف ، أَو فِي كتاب الصَّلَاة فَزِعَ إِلَى كتاب الصَّلَاة مِنْهُ ، وَهَكَذَا أَولا فَأول ، عَلَى التَّرْتِيب وَالْوَلَاء ، إِلَى آخر الْكتاب - إِن شَاءَ الله تَعَالَى ذَلِكَ وقَدَّره - مُعْزِيًا إِلَى الْأُصُول الْمخْرج مِنْهَا : فَإِن كَانَ الحَدِيث أَو الْأَثر فِي صحيحي الإِمامين : أبي عبد الله مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَأبي الْحُسَيْن مُسلم بن الْحجَّاج القُشَيْري ، أَو أحدِهِما : اكتفيت بعزوه إِلَيْهِمَا ، أَو إِلَيْهِ ، وَلَا أُعَرِّجُ عَلَى من رَوَاهُ غَيرهمَا من بَاقِي (أَصْحَاب) الْكتب الستَّة ، وَالْمَسَانِيد ، والصحاح ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي الإِطالة بذلك - وَإِن كَانَ الْحَافِظ مجد الدَّين عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية اعْتمد ذَلِكَ فِي أَحْكَامه - لِأَن الْغَرَض الِاخْتِصَار ، وَذَلِكَ عِنْدِي - بِحَمْد الله - من أيسر شَيْء . اللَّهُمَّ إلَّا أَن يكون فِي الحَدِيث زِيَادَة (عِنْد غَيرهمَا) ، وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى ذَلِكَ ، فَأُشْفِعُه (بالعزو) إِلَيْهِم .
وَإِن لم يكن الحَدِيث فِي وَاحِد من الصَّحِيحَيْنِ ، (عزوته) إِلَى من أخرجه من الْأَئِمَّة : كمالك فِي موطئِهِ ، وَالشَّافِعِيّ فِي (الْأُم) ، و مُسْنده الَّذِي جُمع من حَدِيثه ، و سنَنه الَّتِي رَوَاهَا الطَّحَاوِيّ عَن الْمُزنِيّ عَنهُ ، و سنَنه الَّتِي رَوَاهَا أَبُو عبد الله ، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم عَنهُ ، وَأحمد فِي مُسْنده ، وَعبد الله بن وهب فِي موطئِهِ ، وَأبي دَاوُد فِي سنَنه ، وَأبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه ، وَأبي عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكَبِير المُسَمَّى ب المجتنى ، و الصَّغِير المُسَمَّى ب الْمُجْتَبَى ، وَأبي عبد الله بن مَاجَه الْقزْوِينِي فِي سنَنه ، وَأبي عوَانَة فِي صَحِيحه ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي الْقطعَة الَّتِي وقفتُ عَلَيْهَا من صَحِيحه ، وَأبي حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه الْمُسَمَّى ب التقاسيم والأنواع ، وَفِي كِتَابه وصف الصَّلَاة بِالسنةِ ، وَأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي صَحِيحه وَأبي عبد الله الْحَاكِم فِيمَا استدرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَابْن أبي شيبَة ، والحُمَيْدِي ، والدَّارِمِي ، و (أبي) دَاوُد الطَّيَالِسي ، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه ، وَأبي يَعْلَى ، والبَزَّار ، والْحَارث بن أبي أُسَامَة ، فِي مسانيدهم ، وَابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقى ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير ، وانْتَقَد عَلَيْهِ بعض شُيُوخنَا مواضعَ يُمكن الْجَواب عَنْهَا ، و معرفَة السّنَن والْآثَار ، و شعب الإِيمان والمعاجم الثَّلَاثَة للطبراني ، والْكَبِير سِتُّونَ ألف حديثٍ ، كَمَا قَالَه ابْن دحْيَة فِي كتاب الْآيَات الْبَينَات . قَالَ فِي (مَوضِع آخر) مِنْهُ : وَقيل : ثَمَانُون ألفا . وَجمع الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابه خَصَائِص أَعْضَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالَ : وعاش مائَة سنة . وَقَالَ صَاحب مُسْند الفردوس : وَيُقَال : إِن الْأَوْسَط ثَلَاثُونَ ألف حَدِيث . و الطّهُور لأبي عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام ، و سنَن اللالكائي ، و سنَن أبي عَلّي بن السَّكن ، المسمَّى ب (السّنَن) الصِّحَاح المأثورة .
نَاظرا عَلَى ذَلِك من كتب الصَّحَابَة : مَا صنَّفه أَبُو نعيم وَأَبُو مُوسَى الأصبهانيان ، وَابْن عبد الْبر ، وَابْن قَانِع فِي مُعْجَمه ، و (عبد الْكَرِيم الْجَزرِي) فِي كِتَابه (أَسد) الغابة ، وَمَا زَاده الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ (من) طَبَقَات ابْن سعد وَغَيره ، فِي اختصاره للْكتاب الْمَذْكُور وَمَا أهمله . وَمن كتب الْأَسْمَاء جرحا وتعديلًا وَغير ذَلِك : تواريخ البُخَارِيّ ، و الضُّعَفَاء لَهُ ، و الضُّعَفَاء للنسائي ، و الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم ، و الضُّعَفَاء للعقيلي ، و الْكَامِل لِابْنِ عدي ، و الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان ، و الثِّقَات لَهُ ، و الثِّقَات لِابْنِ شاهين ، و المُخْتَلَف فيهم (لَهُ) ، و الضُّعَفَاء (لأبي الْعَرَب) ، و الضُّعَفَاء لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَمَا جمعه الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمَّى ب الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء ، وَمَا ذيَّل عَلَيْهِ ، وَمَا جمعه آخرا وسَمَّاه ب ميزَان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال ، وَهُوَ من أنفس كتبه . و رجال الصَّحِيحَيْنِ لِابْنِ طَاهِر ، غير مُعْتَمِدٍ عَلَيْهِ ، و الكُنى للنسائي ، و الكُنى للدولابي ، و الكُنى لِلْحَافِظِ أبي أَحْمد الْحَاكِم ، وَهُوَ (أكبرها) .
و الْمدْخل إِلَى الصَّحِيحَيْنِ للْحَاكِم أبي عبد الله ، و التذهيب لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، وَأَصله المسمَّى ب تَهْذِيب الْكَمَال لِلْحَافِظِ جمال الدَّين المزيِّ ، وَمَا (نُقد) عَلَيْهِ . والكمال ، و الكاشف ، و الذبّ عَن الثِّقَات ، و من تُكُلِّمَ فِيهِ وَهُوَ موثق لِلْحَافِظِ أبي عبد الله الذَّهَبِيّ ، و الْأَسْمَاء المفردة لِلْحَافِظِ أبي بكر البرديجي ، و أَسمَاء رُوَاة الْكتب لأبي عبد الله بن نقطة ، و كشف النقاب عَن الْأَسْمَاء والألقاب لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، و الْأَنْسَاب لِابْنِ طَاهِر ، و إِيضَاح [ الْإِشْكَال ] لِلْحَافِظِ عبد الْغَنِيّ الْمصْرِيّ ، و غُنْيَة الملتمس فِي إِيضَاح الملتبس للخطيب الْبَغْدَادِيّ ، و مُوَضِّح أَوْهَام الْجمع والتفريق لَهُ ، وَهُوَ كتاب نَفِيس ، وَقع لي بِخَطِّهِ . و تَلْخِيص الْمُتَشَابه فِي الرَّسْم ، وحماية مَا أشكل (مِنْهُ) عَن (بَوَادِر) التَّصْحِيف وَالوهم لَهُ أَيْضا ، و أَسمَاء من رَوَى عَن مَالك لَهُ ، وَكتاب : الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل (لَهُ) ، و التَّهْذِيب للشَّيْخ محيي الدَّين النواوي .
وَمن كتب الْعِلَل : مَا أودعهُ أَحْمد ، وَابْن الْمَدِينِيّ ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْن القَطَّان ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي عللهم . قَالَ ابْن مهْدي الْحَافِظ : لِأَن أَعْرِف عِلَّة حَدِيث هُوَ عِنْدِي ، أحبّ إليَّ من أَن أَكتبَ عشْرين حَدِيثا لَيْسَ عِنْدِي . وَمن كتب الْمَرَاسِيل : مَا أودعهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن أبي حَاتِم ، وَابْن بدر الْموصِلِي ، وَشَيخنَا صَلَاح الدَّين العلائي ، حَافظ زَمَانه - أبْقَاه الله فِي خير وعافية - فِي مراسيلهم .
وَمن كتب الموضوعات : مَا أودعهُ ابْن طَاهِر ، والجَوْرَقَاني ، وَابْن الْجَوْزِيّ ، والصَّغَانيّ ، وَابْن بدر الْموصِلِي : فِي موضوعاتهم . وَمن كتب الْأَطْرَاف : أَطْرَاف الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، حَافظ الْوَقْت ، الْمُسَمَّاة ب تحفة الْأَشْرَاف بِمَعْرِِفَة الْأَطْرَاف . اقْتَصَرْتُ عَلَيْهَا ؛ لكَونه هَذَّبَ الْأَطْرَاف المتقدِّمة قبله ، (مَعَ جمعهَا لَهَا) ك أَطْرَاف خلف ، وَأبي مَسْعُود ، وَابْن عَسَاكِر ، وَابْن طَاهِر ، واستدرك جملَة عَلَيْهِم .
وأطراف خلف أقلُّ وهما وَخطأ من أَطْرَاف أبي مَسْعُود ، وأطراف ابْن طَاهِر كَثِيرَة الْوَهم ، كَمَا شهد بذلك حَافظ الشَّام ابْن عَسَاكِر . وَمن كتب الْأَحْكَام : أَحْكَام عبد الْحق الْوُسْطَى ، و الصُّغْرَى ، و أَحْكَام الضياء الْمَقْدِسِي ، و الْأَحْكَام الْكُبْرَى لعبد الْغَنِيّ الْمَقْدِسِي ، وَأَحْكَام أبي عبد الله مُحَمَّد (بن فرج) الْمَعْرُوف ب الطَلَّاع ، و الْمُنْتَقَى لمجد الدَّين ابْن تَيْمِية ، و الإِلمام للشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، وَالْمَوْجُود من الإِمام (لَهُ) ، و الْخُلَاصَة للشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ ، وَهِي مفيدة ، وَلم يُكَمِّلها . وَمَا ذكره الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كتاب اخْتِصَار سنَن أبي دَاوُد ، من اعتراضات وفوائد .
وَمن كتب الخلافيات الحديثية : خلافيات الْحَافِظ أبي بكر الْبَيْهَقِيّ ، وَلم أرَ مثلهَا ، بل وَلَا صُنِّف . وخلافيات الْحَافِظ جمال الدَّين أبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، الْمُسَمَّاة ب التَّحْقِيق فِي أَحَادِيث التَّعْلِيق ، وَهِي مفيدة ، وَمَا نقب عَلَيْهَا . وَمن كتب الأمالي : (أمالي) ابْن السَّمْعَانِيّ ، أمالي ابْن مَنْدَه ، أمالي ابْن عَسَاكِر ، أمالي إِمَام الْملَّة وَالدّين أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - الَّذِي تصدينا لإِخراج أَحَادِيث شَرحه الْكَبِير - وَهِي مفيدة جدًّا لم أرَ أحدا مَشَى عَلَى مِنْوَالِها ، فإنَّه أملاها فِي ثَلَاثِينَ مَجْلِسا ، ذكر فِي أول كل مجلسٍ مِنْهَا حَدِيثا بِإِسْنَادِهِ ، عَلَى طَريقَة أهل الْفَنّ ، ثمَّ تكلم (عَلَيْهِ) بِمَا يتَعَلَّق بِإِسْنَادِهِ ، وحالِ رواتِه ، وغريبِه ، وعربيته ، وفقههِ ، ودقائقه ، ثمَّ يختمه بفوائد ، (وأشعار) ، وحكايات ، ورتبها ترتيبًا بديعًا عَلَى نظم كَلِمَات الْفَاتِحَة ، بإرداف كلمة آمين لِأَنَّهَا بهَا ثَلَاثُونَ كلمة ، فَاشْتَمَلَ الحَدِيث الأول عَلَى كلمة الِاسْم ، وَالثَّانِي عَلَى اسْم الله الْعَظِيم ، وَالثَّالِث عَلَى الرَّحْمَن ، وهلم جرًّا إِلَى آخرهَا .
وَهَذَا تَرْتِيب بديع ، وسمَّاها : الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة ، ومَنْ نَظَر فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَرَفَ قدر هَذَا الإِمام ، وَحكم لَهُ بتقدمه فِي (هَذَا) الْعلم خُصُوصا . وَمن كتب النَّاسِخ والمنسوخ : مَا أودعهُ الإِمام الشَّافِعِي فِي اخْتِلَاف الحَدِيث ، والأثرم ، والحازمي ، وَابْن شاهين ، وَابْن الْجَوْزِيّ : فِي تواليفهم . وَمن كتب المبهمات فِي الحَدِيث : (مَا) أودعهُ الْحَافِظ الْخَطِيب أَبُو بكر الْبَغْدَادِيّ ، وَابْن بشكوال ، وَابْن طَاهِر : فِي تواليفهم .
وَمَا زَاده الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي اختصاره لكَلَام الْخَطِيب ، والحافظ : أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي آخر كِتَابه الْمُسَمَّى ب تلقيح فهوم [ أهل ] الْأَثر فِي الْمَغَازِي وَالسير . وَمن كتب شُرُوح الحَدِيث والغريب : مَا ذكره القَاضِي عِيَاض ، والمازري قبله ، وَالنَّوَوِيّ ، والقرطبي : فِي شروحهم لـ مُسلم . وَمَا شرحهُ الْخطابِيّ من : سنَن أبي دَاوُد ، و البُخَارِيّ المسمَّى بـ الْأَعْلَام .
وَمَا شرَحه (النَّوَوِيّ) من : البُخَارِيّ ، و سنَن أبي دَاوُد وَلم يكملهما . وَمَا شرَحه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين من أَوَائِل الإِلمام . وَمَا شَرحه شَيخنَا ، حَافظ مصر فتح الدَّين ابْن سيد النَّاس من جَامع التِّرْمِذِيّ ، وَلَو كَمُلَ كَانَ فِي غَايَة الْحسن .
و شرح مُسْند الإِمَام الشَّافِعِي لِابْنِ الْأَثِير ، وللإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ أَيْضا ، وَهُوَ من جملَة مَا يُعْرَفُ بِهِ قدره فِي هَذَا الْفَنّ . وَمَا أودعهُ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلَّام فِي غَرِيبه (الَّذِي) جمعه فِي أَرْبَعِينَ سنة ، وَكَانَ خُلَاصَة عمره . والحَرْبيّ - صَاحب الإِمام أَحْمد - فِي غَرِيبه الْكَبِير ، والزَّمَخْشَرِيّ فِي فَائِقِه ، وَابْن قُرْقُول فِي مطالعه ، والهَرَوِيّ فِي غَرِيبه ، وَابْن الْأَثِير فِي نهايته .
وَمَا ذكره فِي جَامع الْأُصُول . وَمَا ذكره القَلْعِي ، وَابْن بَاطِيْش ، وَابْن مَعْن : فِي كَلَامهم عَلَى (الْمُهَذّب) . والخَطَّابي فِي كِتَابه : تصاحيف الْمُحدثين ، والصولي فِيهِ أَيْضا ، والعَسْكري فِيهِ أَيْضا .
والمُطَرِّزِيّ فِي مغربه ، وَمَا أَكثر فَوَائده . وَمن كتب أَسمَاء الْأَمَاكِن : مَا أودعهُ الْوَزير أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم من الْبلدَانِ ، (والحافظ أَبُو بكر الْحَازِمِي) فِي تأليفه الْمُسَمَّى بـ الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن وهما غَايَة فِي بابهما . وَمن كتب أُخرى حَدِيثِيَّةٌ : كمعجم أبي (يعْلى) الْموصِلِي ، و جَامع المسانيد بألخص الْأَسَانِيد لأبي الْفرج بن الْجَوْزِيّ ، وَهُوَ تَلْخِيص مُسْند الإِمام أَحْمد بن حَنْبَل ، و نقي النَّقْل لَهُ ، وَكتاب تَحْرِيم الْوَطْء فِي الدبر لَهُ ، و بَيَان خَطَأِ من أَخْطَأَ عَلَى الشَّافِعِي فِي الحَدِيث للبيهقي ، و فِي اللُّغَة لَهُ أَيْضا ، و حَيَاة الْأَنْبِيَاء فِي قُبُورهم لَهُ أَيْضا ، وَكتاب الْأَشْرِبَة للإِمام أَحْمد ، و الْحِلْية لأبي نعيم ، و أَمْثَال الحَدِيث للرَّامَهُرْمُزِيّ ، و الْأَوَائِل للطبراني ، و عُلُوم الحَدِيث للْحَاكِم أبي عبد الله ، وَابْن الصّلاح .
و الدَّعْوَات الكافية فِي الْأَدْوِيَة الشافية لِابْنِ الْقُسْطَلَانِيّ ، و الْأَدْعِيَة لِلْحَافِظِ أبي الْفضل الْمَقْدِسِي ، و الصَّوْم لَهُ ، و الصّيام من السّنَن المأثورة للْقَاضِي يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل . و كَلَام الحافظِ أبي الْفضل بن طَاهِر عَلَى حَدِيث معَاذ ، و أَحَادِيث الشهَاب . و المُحَلَّى شرح المُجَلَّى لأبي مُحَمَّد بن حزم .
وَمَا رَدَّه عَلَيْهِ ابْن عبد الْحق ، وَابْن مُفَوِّز ، وَشَيخنَا قطب الدَّين عبد الْكَرِيم الْحلَبِي ، الْحَافِظ ، فِي جُزْء جيد ، وَمَا أَكثر فَوَائده . و رسائل ابْن حزم فِي الْقيَاس ، و فَضَائِل الْجِهَاد لبهاء الدَّين بن عَسَاكِر ، ابْن الْحَافِظ الْمَشْهُور . وَمن مصنفات أبي الْخطاب بن دِحْيَة : الْآيَات البَيِّنات فِي أَعْضَائِهِ لله ، و مرج الْبَحْرين فِي فَوَائِد المشرقين والمغربين ، و العَلَم الْمَشْهُور فِي فَضَائِل الْأَيَّام والشهور ، و (خَصَائِص) الْأَعْضَاء ، و (التَّنْوِير) فِي مولد السراج الْمُنِير وَغَيرهَا من مؤلفاته المفيدة .
وَمن كتب أُخْرَى مُتَعَلقَة بالفقه : كـ تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب للشَّيْخ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ، رَأَيْت مِنْهُ إِلَى أَوَاخِر الْحَج ، وشأنه إِيرَاد الْأَحَادِيث بأسانيده . وَكَلَام الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ عَلَى الْوَسِيط ، و الْمُهَذّب ، وَكَلَام الإِمام الرَّافِعِيّ فِي التذنيب الَّذِي لَهُ عَلَى الْوَجِيز . وَكَلَام الشَّيْخ نجم الدَّين بن الرِّفْعَة ، فِي شرحي الْوَسِيط ، و التَّنْبِيه ، وَغير ذَلِك .
هَذَا مَا حضرني الْآن من الْكتب الَّتِي نظرتها ، واعتمدت عَلَيْهَا فِي هَذَا التصنيف وانتخبتها . وَأما الْأَجْزَاء الحديثية ، والمصنفات اللطيفة ، والفوائد المنتخبة من الخبايا والزوايا فَلَا ينْحَصر مصنفاتها ، وكل نقولاتها فِي الْكتاب معزوة إِلَى (قَائِلهَا) وناقلها ، فإنْ كَانَ فِي المظنة أطلقته ، وإنْ لم يكن (فِيهَا) قَيَّدتهُ بِبَابِهِ . وَعَدَدْتُ هَذِه الْكتب هَا هُنَا لفائدتين : إِحْدَاهمَا : أَن النَّاظر قد يُشْكِل عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ عَن هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ، فيراجعه من تواليفهم .
(الثَّانِيَة) : ليعرف مِقْدَار هَذَا الْكتاب ، وبذل جهد الطَّاقَة والوسع فِيهِ . فإنْ كَمُلَ مَا رُمْنَاهُ ، وَحصل مَا قَصَدْنَاه حصل عنْدك أَيهَا الطَّالِب خزانَة من أَنْوَاع الْعُلُوم الْمَذْكُورَة فِيهِ ، وكملت فَائِدَة شرح الرَّافِعِيّ ، لِأَن محصلهما حينئذٍ يكون جَامعا للفنين - أَعنِي عِلْمَي : الْفِقْه والْحَدِيث - (وحائِزًا (للمنقبتين) ، ويلتحق بِمن إِذا ذكرُوا فِي الْقَدِيم والْحَدِيث) ، يُقَال فِي حَقهم : الجامعون بَين الْفِقْه والْحَدِيث . وأتوسط فِي الْعبارَة فِيمَا أُورده من علل الحَدِيث ، ومتعلقاته ، وَإِذا توارد عَلَى التَّعْلِيل - أَو غَيره من الْفُنُون الْمُتَعَلّقَة بِهِ - (أَقْوَال) أَئِمَّة ذكرتُ قَول أشهرهم لَئِلَّا يطول الْكتاب .
وأُنَبِّه - مَعَ ذَلِكَ - عَلَى مَا أَظهره الله عَلَى يَدي مِمَّا وَقع للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من وهم ، أَو غلط ، أَو اعْتِرَاض ، أَو (اسْتِدْرَاك) ، قَاصِدا بذلك النَّصِيحَة للْمُسلمين ، حاشا الظُّهُور أَو التنقيص ، معَاذ الله من ذَلِكَ ، فَهَل الْفضل إلَّا للمتقدم ، وغالب ذَلِكَ إِنَّمَا يَقع (من) التَّقْلِيد ، وَنحن (برَاء مِنْهُ) بِحَمْد الله وَمَنِّه . وأُتْبعُ الْكَلَام غَالِبا - بعد بَيَان صِحَة الحَدِيث ، وَضَعفه ، وغرابته ، إِلَى غير ذَلِكَ من فنونه - بِمَا وَقع فِيهِ من ضبط ألفاظٍ ، وَأَسْمَاء ، وفوائدَ ، وإشكالات . وَهَذَا النَّوْع - وَإِن كَانَ كتَابنَا هَذَا غير مَوْضُوع لَهُ - فبه تكمل الْفَائِدَة ، وتتم العائدة ، إلَّا أَنَّا نَتَحَرَّى الِاخْتِصَار فِي إِيرَاده ، ونقتصر فِي إبرازه ، حَذَرَ السَّآمَة (والملل) .
ووسمته ب الْبَدْر الْمُنِير فِي تَخْرِيج أَحَادِيث الشَّرْح الْكَبِير . وقدمت فِي أَوله فصولًا ، تكونُ لِمُحَصِّله وَغَيره قَوَاعِد يَرْجِع إِلَيْهَا ، وأصولًا فِي شُرُوط الْكتب السِّتَّة ، وَغَيرهَا من الْكتب المصنَّفة المتقدِّمة ، ليعتمد عَلَى شَرطهَا من أول الْكتاب إِلَى آخِره . وَفِي آخرهَا فصلا فِي حَال الإِمام (الرَّافِعِيّ) ومولده ، ووفاته ، وشيوخه ، ومصنفاته ، فإنَّه فِي الإِسلام بِمحل خطير ، وَبِكُل فَضِيلَة جدير ، ليُعْرَف قدره ، وَيرد عَلَى (كل) من جَهِلَ حَاله وفضله .
وَبَيَان حَال وَالِده ، ووالدته ، فإنَّهما من الَّذين تتنزَّل الرَّحْمَة بذكرهم ، ويُبْتَهل إِلَى الله ببركتهم . جَعَلَه الله مُقَرِّبًا من رضوانه ، مُبْعِدًا من سخطه وحرمانه ، نَافِعًا لكَاتبه ، وسامعه ، نفعا شَامِلًا فِي الْحَال والمآل ، إنَّه لِمَا يَشَاء فَعَّال ، لَا رب سواهُ ، وَلَا مَرْجُوًّا إلَّا إيَّاه . اللَّهُمَّ انفعني بِهِ يَوْم الْقِيَامَة ، يَوْم الْحَسْرَة والندامة ، ووالدي ، ومشايخي ، وأحبائي ، وَالْمُسْلِمين أَجْمَعِينَ ، إِنَّه عَلَى مَا يَشَاء قدير ، وَبِكُل مأمول جدير .