فصل سنَن أبي دَاوُد
فصل وَأما سنَن أبي دَاوُد - رَحِمَهُ اللَّهُ - فقد حَكَى عَنهُ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ - كَمَا أَفَادَهُ ابْن طَاهِر - أَن (شَرطه) إِخْرَاج أَحَادِيث أقوامٍ لم يُجْمَع عَلَى تَركهم ، إِذا صَحَّ الحَدِيث باتصال الإِسناد من غير قطع وَلَا إرْسَال . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي فِي (كتاب) (شُرُوط) الْأَئِمَّة : قَالَ أَبُو دَاوُد : كتبت عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسمِائَة ألف حَدِيث ، انتخبت مِنْهَا مَا ضمنته كتاب السّنَن ، جمعت فِيهِ أَرْبَعَة (آلَاف) حَدِيث ، (وَثَمَانمِائَة حَدِيث) ، ذكرت الصَّحِيح وَمَا يُشبههُ ، وَمَا يُقَارِبه . وَقد اشْتهر عَنهُ من غير وَجه مَا مَعْنَاهُ : أَنه يذكر فِي كل بَاب أصح مَا عرفه فِي ذَلِكَ الْبَاب .
وَقَالَ : مَا كَانَ فِي كتابي من حَدِيث فِيهِ (وَهَنٌ) شَدِيد فقد بَيَّنْتُه ، وَمَا لم أذكر فِيهِ شَيْئا فَهُوَ صَالح ، وَبَعضهَا أصح من بعض . نقل ذَلِكَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كِتَابه عُلُوم الحَدِيث ، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَنه عَنهُ . وَذكر الْحَازِمِي فِي كِتَابه شُرُوط الْأَئِمَّة الْخَمْسَة بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ ، أَنه قَالَ فِي رسَالَته الَّتِي كتبهَا إِلَى أهل مَكَّة وَغَيرهَا جَوَابا لَهُم : سَأَلْتُم أَن أذكر لكم الْأَحَادِيث الَّتِي فِي كتاب السّنَن (أَهِي) أصح مَا عرفت فِي هَذَا الْبَاب ؟ فاعلموا [ أَنه كَذَلِك ] كُله ، إِلَّا أَن يكون قد رُوِيَ من وَجْهَيْن صَحِيحَيْنِ ، وَأَحَدهمَا أقدم إِسْنَادًا ، وَالْآخر صَاحبه [ أقوم ] فِي الْحِفْظ ، فَرُبمَا أكتب ذَلِكَ ، وَلَا أرَى فِي كتابي [ من ] هَذَا عشرَة أَحَادِيث .
وَلم أكتب فِي الْبَاب إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا أَو حديثين ، وإنْ كَانَ فِي الْبَاب أَحَادِيث صِحَاح ، فإنَّه يكبر ، وإنَّما أردْت (قرب) منفعَته . وَلَيْسَ فِي كتاب السّنَن الَّذِي صنَّفته عَن رجلٍ مَتْرُوك الحديثِ شيءٌ ، فإنْ ذُكِرَ لَك عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ لَيْسَ فِيمَا خَرَّجْتُه ، فاعْلَم أنَّه حَدِيث واهٍ ، إلَّا أَن يكون فِي كتابي من طَرِيق (آخر) ، (فإنِّي) لم أخرج الطّرق (بِهِ) ، (فإنَّه يكثر) عَلَى المتعلم . وَلَا أعرف أحدا جَمَعَ عَلَى الاستقصاءِ غَيْرِي .
وَنقل النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّص الْمُتَقَدّم عَن أبي دَاوُد - الَّذِي (شَارك) ابْن الصّلاح فِيهِ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد - ثمَّ قَالَ : وَهَذَا يُشْكِل ؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يُبَيِّنْها ، مَعَ أَنَّهَا مُتَّفق عَلَى ضعفها عِنْد الْمُحدثين ، كالمرسل ، والمنقطع ، وَرِوَايَة مَجْهُول . كـ شيخ ، و رجل ، وَنَحْوه ، فَلَا بدّ من تَأْوِيل هَذَا الْكَلَام . قَالَ : وليعلم أَن مَا وَجَدْنَاهُ فِي سنَنه ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا ، وَلَا نَص عَلَى صِحَّته أَو حسنه أحد مِمَّن يعْتَمد ، وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ حسن عِنْد أبي دَاوُد أَو صَحِيح ، فَيحكم بِالْقدرِ الْمُحَقق ، وَهُوَ أَنه حسن .
فإنْ نصَّ عَلَى ضعفه من يُعْتَمد ، أَو رَأَى الْعَارِف فِي سَنَده مَا يَقْتَضِي الضعْف ، وَلَا جابِرَ لَهُ حَكَمْنَا بضعفه . وَقد قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه : إِن أَبَا دَاوُد يخرج الإِسنادَ الضَّعِيف إِذا لم يجدْ فِي الْبَاب غَيره ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى عِنْده من رَأْي الرِّجَال . وَقَالَ الْخطابِيّ : كتاب أبي دَاوُد جَامع للصحيح وَالْحسن ، وأَمَّا الضَّعِيف فإنَّه خَليٌ مِنْهُ .
قَالَ : وإنْ وَقع مِنْهُ شيءٌ - لضرب من الْحَاجة - فإنَّه لَا يَأْلُو أَن يبِّين أمره ، وَيذكر علته ، ويَخْرُجَ من عهدته . قَالَ : ويُحكى لنا عَن أبي دَاوُد أنَه قَالَ : مَا ذكرت فِي كتابي حَدِيثا اجْتمع الناسُ عَلَى تَركه . وَقَالَ ابْن عَسَاكِر فِي أول أَطْرَافه : صنف أَبُو دَاوُد كِتَابه الَّذِي سمَّاه السّنَن ، فأجاد فِي تصنيفه وَأحسن ، وَقصد أَن يَأْتِي فِيهِ بِمَا كَانَ صَحِيحا مشتهرًا ، أَو غَرِيبا (حسنا) مُعْتَبرا ، ويطرح مَا كَانَ مطَّرحًا مستنكرًا ، (ويجتنب) مَا كَانَ شاذًّا مُنْكرا .
قلت : وَمَا حَكَاهُ الْخطابِيّ فِيهِ نظر ؛ فإنَّ فِي سنَنه أَحَادِيث ظَاهِرَة الضعْف لم يبينها ، مَعَ أنَّها ضَعِيفَة كالمرسل ، والمنقطع ، وَرِوَايَة مَجْهُول : كشيخ ، وَرجل ، وَنَحْوه ، كَمَا سَلَفَ . وَأجَاب النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَنه (عَنهُ) : بِأَنَّهُ - (وَهُوَ) مُخَالف أَيْضا لقَوْله : وَمَا كَانَ فِيهِ وَهن شَدِيد بَيَّنْتُه - لَمَّا كَانَ ضَعْفُ هَذَا النوعِ ظَاهرا ، اسْتَغنَى بظهوره عَن التَّصْرِيح ببيانه . قلت : فعلَى كل حَال لَا بُد من تَأْوِيل كَلَام أبي دَاوُد ، والحقُّ فِيهِ مَا قَرَّره النَّوَوِيّ .
وَأما قَول الْحَافِظ أبي طَاهِر السلَفِي : سنَن أبي دَاوُد من الْكتب الْخَمْسَة الَّتِي اتّفق عَلَى صِحَّتهَا عُلَمَاء الشرق والغرب ، فَفِيهِ تساهلٌ كبيرٌ . وتَأَوَّلَ النوويُّ عَلَى إِرَادَة الْمُعظم .