فصل فِي معرفَة حَال الإِمام الرَّافِعِيّ وشيوخه ومولده ووفاته ومصنفاته
فصل فِي معرفَة حَال الإِمام الرَّافِعِيّ ، وشيوخه ، ومولده ، ووفاته ، ومصنفاته ، فإنَّه كَانَ فِي الإِسلام بِمحل خطير ، وَبِكُل فَضِيلَة جدير ، و (معرفَة) بَيته الطَّاهِر ، وسلفه الْكِرَام ، فَإِنَّهُم من الْعلمَاء الْأَعْلَام ، وَالسَّلَف الْكِرَام ، رجَالًا وَنسَاء . أما هُوَ : فَهُوَ الإِمام ، (الْعَالم) ، العلَّامة ، الْمُجْتَهد ، إِمَام الملَّة والدِّين ، حجَّة الإِسلام وَالْمُسْلِمين ، أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم ابْن الإِمام أبي الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل بن الْحسن بن الْحُسَيْن . كَذَا سَاق فِي نسبه فِي أَمَالِيهِ ، وَكَذَا كتب لَهُ بِمَا قَدَّمناه من الْأَلْفَاظ أهلُ زمانِهِ .
القَزْوِيْنيّ الرَّافِعِيّ الشَّافِعِي ، خَاتِمَة الْأَئِمَّة من أَصْحَابه المرجوعِ إِلَى قَوْلهم . و قَزوين : بِفَتْح الْقَاف ، مَدِينَة مَعْرُوفَة ، كَذَا قَالَه ابْن السَّمْعَانِيّ . وَقَالَ غَيره : هِيَ مَدِينَة كَبِيرَة فِي عراق الْعَجم ، عِنْد قِلاَع الإِسماعيلية .
وَقد اخْتُلِف فِي نِسْبَة الرَّافِعِيّ إِلَى مَاذَا ؟ فَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : هُوَ مَنْسُوب إِلَى رافعان ، قَرْيَة من بِلَاد قزوين . وَذكر الإِمام ركن الدَّين عبد الصَّمد بن مُحَمَّد الديلمي ، الْقزْوِينِي ، أَنه سَأَلَ القَاضِي مظفر الدَّين ، قَاضِي قزوين : إِلَى مَاذَا ينْسب الرَّافِعِيّ ؟ فَقَالَ : كتب بِخَطِّهِ ، وَهُوَ عِنْدِي فِي كتاب التدوين فِي أَخْبَار قزوين أَنه مَنْسُوب إِلَى رَافع بن خديج رَضِيَ اللَّهُ عَنْه . وَقَالَ ركن الدَّين الْمَذْكُور : وَكنت سَمِعت قبل ذَلِكَ من الشَّيْخ شرف الدَّين أَنه مَنْسُوب إِلَى أبي رَافع ، مولَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَضي عَنهُ .
وَذكر ركن الدَّين هَذَا أنَّه لم يسمع بِبِلَاد قزوين بقرية يُقَال لَهَا : رافعان . ولَمَّا ذكر ابْن السَّمْعَانِيّ هَذِه النِّسْبَة - وَهِي الرَّافِعِيّ - فِي كِتَابه ، قَالَ : هِيَ نِسْبَة إِلَى أبي رَافع . وَفِي تَارِيخ خوارزم شاه لأبي الْفضل المنسي - فِي أثْنَاء حِكَايَة ذكر الإِمَام الرَّافِعِيّ هَذَا فَقَالَ : الشَّيْخ إِمَام الدَّين (الرَّافِعِيّ) .
قَالَ شَيخنَا (بَقِيَّة) الْحفاظ صَلَاح الدَّين العلائي شيخ الْقُدس الشريف - أبقاه الله فِي خير وعافية - : وَكَأَنَّهُ - وَالله أعلم - شُبِّه عَلَى من نسبه إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا : رافعان ، وَإِنَّمَا هَذَا اللَّفْظ نِسْبَة أَعْجَمِيَّة إِلَى رَافع ، وَالظَّاهِر أَنه رَافع بن خديج ، الصَّحَابِيّ ، أحد الْأَنْصَار رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم كَمَا كتب هُوَ بِخَطِّهِ . وأخبرت أَيْضا عَن قَاضِي الْقُضَاة جلال الدَّين الْقزْوِينِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَنه كَانَ يَقُول : إنَّ رافعان بالعجمي ، مثل الرَّافِعِيّ بالعربي ، فإنَّ الْألف وَالنُّون فِي آخر الِاسْم عِنْد الْعَجم (كياء النّسَب) فِي آخِره عِنْد الْعَرَب . فرافعان نِسْبَة إِلَى رَافع ، وَهَذَا مَشْهُور عِنْد الْعَجم بالإِمام رافعان .
قَالَ : ثمَّ إِنَّه لَا يعرف بنواحي قزوين بلد يُقَال لَهَا : رَافع ، بل هُوَ مَنْسُوب إِلَى (جد من) أجداده . فَظهر بِهَذَا أَن مَا ادَّعاه النَّوَوِيّ لَا أصل لَهُ ، فالرافعي (أعرف) بِنَفسِهِ ، وَكَذَا أهل قزوين أعرف ببلادهم . ولد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه تَقْرِيبًا سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة ؛ فإنَّه قَالَ فِي الْأَرْبَعين الَّتِي خرَّجها فِي الرَّحْمَة - وَلنَا بهَا رِوَايَة - أبنا وَالِدي حضورًا وَأَنا فِي الثَّالِثَة ، سنة ثَمَان وَخمسين .
أَفَادَ (ذَلِك) شَيخنَا صَلَاح الدَّين الْمَذْكُور . (وَرَأَيْت) فِي أَمَالِيهِ - أَعنِي الرَّافِعِيّ - فِي أَوَائِل الْمجْلس الأول ، مَا نَصه : - فِي تَرْجَمَة سعد الْخَيْر (بن) مُحَمَّد بن سهل الْأنْصَارِيّ المغربي الأندلسي - أَن سَعْدا هَذَا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة . قَالَ : وَسمع وَالِدي مِنْهُ الْكثير ، وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يغلب عَلَيْهِ فِي آخر عمره مَا يغلب عَلَى المشتاقين .
قَالَ : وَكنت أتولى خدمته فِي مرض وَفَاته ، ودعا لي بالسعادة غير مرّة (فِيهِ) ، وَأَرْجُو أَن يستجيب الله دعاءه . وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي تِلْكَ المرضة : وبذا الْهَوَى يَمُوت الْكِرَام أَنا إنْ مِتُّ فالهوى حَشْو قلبِي هَذَا نَص مَا ذكر ، فَإِن كَانَ المُرَاد بقوله : وَكنت أتولى خدمته : وَالِد الإِمام الرَّافِعِيّ ، فَلَا إِشْكَال ؛ وَإِن كانَ المُرَاد الإِمام الرَّافِعِيّ نَفسه ، فَهُوَ مُشكل ؛ لِأَن سَعْدا توفّي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة ، وَكَانَ الرَّافِعِيّ إذْ (ذَاكَ) يَخْدمه فِي مَرضه ، وَأَقل من يتأهل للْخدمَة (أَن يكون) بَالغا ، فَيكون مولد الرَّافِعِيّ عَلَى هَذَا - تخمينًا - سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة . وَيبقى مُخَالفا لما أخبر بِهِ فِي أربعينه من أَن وَالِده أخبرهُ حضورًا (وَهُوَ) فِي الثَّالِثَة ، سنة ثَمَان وَخمسين ، فلينقح ذَلِك .
قَرَأَ الحَدِيث عَلَى وَالِده ، قَالَ فِي الْأَرْبَعين : أَخْبرنِي وَالِدي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة ، وَعَلَى أَحْمد بن إِسْمَاعِيل (الطَّالْقَانيِّ) خَال والدته ، الْآتِي ذكره ، وَعَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك . وسَمعه من جماعات : كأحمد بن حسنويه بن حاجي الزبيري الشريف الأديب المناظر الْفَقِيه ، والواقد بن خَلِيل الْحَافِظ ، جد (الزبيري) لأمه ، وَأحمد بن الْحسن العطَّار ، وَالْحسن بن أَحْمد بن الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد العطَّار الهمذاني الْحَافِظ الْكَبِير ، سمع مِنْهُ بهمذان ، وَاللَّيْث بن (سعد الْكشميهني) الهمذاني ، وحامد بن مَحْمُود بن عَلّي الماوراء النَّهْرِي الْخَطِيب الرَّازِيّ الْمُفْتِي المناظر الْمُحدث ، وشهردار بن شيرويه بن فناخسرو الديلمي المتقن الْحَافِظ صَاحب الفردوس وَعبد الله بن أبي الْفتُوح بن عمرَان العمراني أَبُو حَامِد ، أحد الْفُقَهَاء المعتبرين ، وَعبد الْوَاحِد بن عَلّي بن مُحَمَّد ، وَعلي ابن [ عبيد الله ] بن الْحسن بن الْحُسَيْن بن بابويه ، الرَّازِيّ الْحَافِظ وَعلي بن الْمُخْتَار بن عبد الْوَاحِد العربوي ، وَعلي بن سعيد الحَبَّار ، ومبارك بن عبد الرَّحْمَن ، وَمُحَمّد بن أبي طَالب - أَو طَالب - ابْن (بلكويه) ابن أبي طَالب الضَّرِير الْمُقْرِئ العابد ، وَمُحَمّد بن عبد الْبَاقِي بن أَحْمد بن سلمَان أَبُو الْفَتْح [ بن ] (البَطِّي) ، سمع مِنْهُ بِبَغْدَاد ، وَمُحَمّد بن أَحْمد النَّيْسَابُورِي ، وَيَحْيَى بن ثَابت (البَقَّال) ، وَأَبُو الْكَرم الْهَاشِمِي ، وَأَبُو [ عبد الله ] مُحَمَّد [ بن ] النجَّار الْحَافِظ صَاحب [ ذيل تَارِيخ ] بَغْدَاد . وَرَوَى بالإِجازة الْعَامَّة عَن : أبي (سعد) السَّمْعَانِيّ .
والخاصة عَن : أبي (زرْعَة) طَاهِر بن الْحَافِظ أبي الْفضل مُحَمَّد بن عَلّي الْمَقْدِسِي ، وَرَجَب بن مَذْكُور بن (أرنب) ، وَغَيرهمَا . رَوَى عَن هَؤُلَاءِ كلهم - خلا عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك - فِي أَمَالِيهِ ، وَهُوَ فِي أربعينه . رَوَى عَنهُ بِالسَّمَاعِ : وَلَده الإِمام (عَزِيز) الدَّين - مُحَمَّد ، والحافظ زكي (الدَّين) عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ ، سمع مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة - عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - و (حَدَّث عَنهُ) فِي مُعْجَمه ، وَلم يكن حِين اجْتمع بِهِ عرف أَنه ذَلِك الإِمام ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زِيّ الْفُقَرَاء الصَّالِحين ، وَآخَرُونَ .
وبالإِجازة : ابْن أُخْته أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي سعيد الْقزْوِينِي الطاوسي ، وَأَبُو الْفَتْح عبد الْهَادِي بن عبد الْكَرِيم الْقَيْسِي ، خطيب المقياس ، وفخر الدَّين عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة (عماد الدَّين) عبد الرَّحْمَن ، الْمَعْرُوف ب ابْن السكرِي ، وَغَيرهم . وَمن حَدِيثه : مَا أَنا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح الدَّين (أَبُو) سعيد خَلِيل بن (كيكلدي) بن عبد الله العلائي ، بالقدس الشريف ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، قَالَ : أَنا أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أَحْمد الْمُؤَذّن (الواني) بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أَنا أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن (أبي) سعيد بن مَحْمُود بن الناصح الْقزْوِينِي (سَمَاعا) عَلَيْهِ ، أَنبأَنَا (خَالِي) الإِمام أَبُو الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد الرَّافِعِيّ (ح) . وَأَخْبرنِي مشافهة عَالِيا الْأَئِمَّة : أثير الدَّين أَبُو حَيَّان ، وَعبد الْكَرِيم الْحلَبِي ، وَبدر الدَّين مُحَمَّد بن أَحْمد الفارقي قَالُوا : أخبرنَا فَخر الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن قَاضِي الْقُضَاة عماد الدَّين ، الْمَعْرُوف ب (ابْن) السكرِي - الْأَوَّلَانِ سَمَاعا ، وَالثَّالِث إجَازَة - قَالَ : أَنبأَنَا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ - قَدَّس الله روحه ، ونَوَّر ضريحه - قَالَ : قَرَأت عَلَى وَالِدي ، قيل لَهُ : أخْبركُم عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل ، فأقَرَّ بِهِ ، أخبرتنا فَاطِمَة بنت (أبي عَلّي) الدقاق ، أخبرنَا عبد الْملك بن الْحسن ، أَنا أَبُو عوَانَة - يَعْنِي الإِسفراييني - نَا الصغاني ، نَا (عبيد الله) بن مُوسَى ، أَنا طَلْحَة بن يَحْيَى ، عَن أبي بردة ، عَن أبي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إنَّ هَذِه الأُمَّةَ أمة مَرْحُومَة ، لَا عَذَاب عَلَيْهَا ، (عَذَابُها فِي الدُّنْيَا) بأيديها ، فَإِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَة ، أُعطيَ كُلُّ رجلٍ مِنْهُم رجلا من أهلِ الأَدْيانِ ، فَكَانَ فَكَاكَهُ من النَّار .
وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أخبرنَا شيخ الشُّيُوخ فريد الْعَصْر أَبُو المجامع إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد (بن) الْمُؤَيد ابن حمويه الْجُوَيْنِيّ فِيمَا شافهني بِهِ بمنى - شَرَّفَها الله - ثمَّ كتب بِهِ إليَّ . وحدَّثني بعض أَصْحَابنَا الْحفاظ ، أَنا الإِمام (عَزِيز) الدَّين مُحَمَّد ابن الإِمام الْعَلامَة إِمَام الدَّين أبي الْقَاسِم عبد الْكَرِيم بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بقزوين سنة (إِحْدَى وَسبعين) وسِتمِائَة ، نَا وَالِدي من لَفظه سنة إِحْدَى عشرَة قَالَ : قَرَأت عَلَى وَالِدي ، أَنا عبد الله بن مُحَمَّد ، أَنا أَحْمد بن عَلّي الأديب ، أَنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد الزيَادي - يَعْنِي أَبَا طَاهِر بن محسن الْفَقِيه - أَنا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن ، نَا أَحْمد بن يُوسُف ، نَا عبد الرَّزَّاق ، أَنا معمر ، عَن همام بن مُنَبّه قَالَ : هَذَا مَا حَدثنَا أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن مُحَمَّد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لله تِسْعَة وتسْعُونَ اسْمًا - مائَة إلَّا وَاحِدًا - منْ أحْصاها دَخَل الجنَّة ، إنَّه وتْر يُحبُّ الْوتر . وَأخْبرنَا الشَّيْخ صَلَاح (الدَّين) الْمَذْكُور بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ ، أَنا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الأخلاطي ، أَنا مُحَمَّد بن (أبي) سعيد ، أَنا الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ إِذْنا ، قَالَ : قَرَأت عَلَى أبي بكر عبد الله بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك ، وَأَجَازَ لي الْأَئِمَّة : وَالِدي ، وَأحمد بن إِسْمَاعِيل ، وَمُحَمّد بن عبد الْعَزِيز قَالُوا : أخبرنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الْملك بن مُحَمَّد ، سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة ، أَنا الإِمام أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَلّي الفيروزابادي سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة ، أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد البرقاني ، نَا أَبُو بكر الإِسماعيلي الإِمام - لفظا - أَخْبرنِي أَبُو يعْلى - يَعْنِي : أَحْمد بن الْمثنى - نَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن أبي سَمِينَة ، نَا (مُعْتَمر) بن سُلَيْمَان قَالَ : سَمِعت أبي ، نَا قَتَادَة ، أَن أَبَا رَافع حَدثهُ ، أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : إنَّ الله تَعَالَى كَتبَ كِتَابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الْخلق : إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي ، فَهُوَ عِنْده مَكْتُوب فَوق الْعَرْش .
وَرُوِيَ لنا من (طَرِيق آخر) أَعلَى من هَذَا ، إلَّا أنَّ هَذِه [ الطَّرِيق ] حَسَنَة جدًّا ، لتسلسل غَالب رُواتها بالأئمة الْكِبَار من أَصْحَابنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ، وَقد ذكرت بِإِسْنَاد الإِمام الرَّافِعِيّ أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي مناقبه الَّتِي (أفردتها) بالتصنيف ، وَهَذَا الْقدر كافٍ هُنَا ؛ لِأَن الله وتر يحب الْوتر . تفقَّه الإِمام الرَّافِعِيّ عَلَى وَالِده الْمَذْكُور ، (الإِمام) أبي الْفضل ، لَا أعلم أحدا تفقَّه عَلَيْهِ غَيره ، وانتهت إِلَيْهِ رئاسة مَذْهَب الشَّافِعِي ، ومعرفته بدقائقه فِي سَائِر الْبِلَاد . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : أَظن أَنِّي لم أرَ فِي بِلَاد الْعَجم مثله .
قَالَ : وَكَانَ ذَا فنونٍ ، حسن السِّيرَة ، جميلَ الأثرِ . وَقَالَ أَبُو عبد الله (مُحَمَّد) بن (مُحَمَّد بن عمر) بن أبي بكر الصفار الإِسفراييني فِي أَرْبَعِينَ خرَّجَها : شَيخنَا ، إِمَام الدَّين حَقًّا ، وناصرُ السُّنَّةِ صدقا ، أَبُو الْقَاسِم ، عبد الْكَرِيم الرَّافِعِيّ ، كَانَ أوحد عصره فِي الْعُلُوم الدِّينِيَّة ، (أُصُولهَا) وفروعها ، ومجتهد زَمَانه فِي مَذْهَب الشَّافِعِي ، وفريد وقته فِي تَفْسِير الْقُرْآن و (الْمَذْهَب) ، وَكَانَ لَهُ مجْلِس للتفسير ، وإسماع الحَدِيث بِجَامِع قزوين . وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النواوي رَحِمَهُ اللَّهُ : كَانَ إِمَامًا ، بارعًا ، (مُتَبَرعا) ، متبحرًا فِي علم (الْمَذْهَب) وعلوم كَثِيرَة ، وَكَانَ زاهدًا ، ورعًا ، متواضعًا .
قَالَ النَّوَوِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ : هُوَ من الصَّالِحين المتمكنين ، وَكَانَت لَهُ كرامات ظَاهِرَة . قلت : لَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا ريب ، فَمِنْهَا : مَا أَخْبرنِي شَيخنَا بَقِيَّة الحفَّاظ صَلَاح (الدَّين العلائي) ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ قَالَ : حَكَى شَيخنَا قَاضِي الْقُضَاة أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي بكر الدِّمَشْقِي ، أَنه سمع من شَيخنَا الزَّاهِد الْكَبِير وليّ الله أبي الْحسن عَلّي الوَاسِطِيّ - (قَالَ شَيخنَا) : وَسمعتهَا أَيْضا من جمَاعَة آخَرين مُرْسلَة - أَن الإِمامَ أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ بَات (عِنْد) بعض أَصْحَابه بكرم لَهُ خَارج بلد قزوين ، وَكَانَت عَادَته أَنه يكْتب بِاللَّيْلِ فِيمَا يصنف فِيهِ ، فلمَّا كَانَ اللَّيْل لم يُوجد (هُنَاكَ) دهن يُشعل بِهِ السراج ، وَلَا أمكن الدُّخُول إِلَى الْبَلَد لأجل ذَلِك لَيْلًا ، فَجَلَسَ الرَّافِعِيّ إِلَى جنب (دالته) ، فأضاء لَهُ غُصْن مِنْهَا ، فَكتب عَلَيْهِ إِلَى أَن فرغ . قَالَ الشَّيْخ عَلّي الوَاسِطِيّ : وَهَذِه الْحِكَايَة مَشْهُورَة عندنَا بواسط ، وَتلك الْبِلَاد .
وَمِنْهَا : مَا قرأته عَلَى شَيخنَا الْمَذْكُور قَالَ : حَكَى شيخ شُيُوخنَا العلَّامة تَاج الدَّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْفَزارِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تاريخٍ علَّقه عَن القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان ، أَنه حدَّثه أَن الْملك جلال الدَّين خوارزم شاه ، غزا الكُرْج بتِفْليس سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَقتل فيهم بِنَفسِهِ حَتَّى جمد الدَّم عَلَى يَده ، فَلَمَّا مرَّ بقزوين ، خرج إِلَيْهِ الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ ، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما عَظِيما ، فَقَالَ (لَهُ) الشَّيْخ : سَمِعت أَنَّك قَاتَلتَ الْكفَّار حَتَّى جَمُدَ الدَّم عَلَى يدك ، فَأحب أَن تخرج إليَّ يدك لأقبِّلها . فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان : بل أَنا (أقبِّل يدك) . فقبَّل السُّلْطَان يَده ، و (تحادثا) ، ثمَّ خرج الشَّيْخ ، وَركب دَابَّته ، وَسَار قَلِيلا ، فَعَثَرَتْ بِهِ الدَّابَّة ، فَوَقع فتأَذَّت يَده الَّتِي قبَّلها السُّلْطَان ، فَقَالَ الشَّيْخ : سُبْحَانَ الله ! لما قَبَّل هَذَا الْملك يَدي حصل فِي نَفسِي شَيْء من العظمة ، فعوقبت بِالْوَقْتِ بِهَذِهِ الْوَقْعَة .
وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ طَاهِر اللِّسَان فِي تصنيفه ، كثير الْأَدَب ، شَدِيد الِاحْتِرَاز فِي النقول ، فَلَا يُطلق نقلا عَن أحد إلَّا إِذا وقف عَلَيْهِ من كَلَامه ، فإنْ لم يقف عَلَيْهِ عبَّر بقوله : وَعَن فلَان كَذَا ، شَدِيد الِاحْتِرَاز - أَيْضا - فِي مَرَاتِب التَّرْجِيح ، وَلِهَذَا يُطلق تَارَة : (عَلَى) الْأَصَح ، وَنَحْوه . وَتارَة يَقُول : الْأَصَح عِنْد الْأَكْثَرين . وَتارَة يَقُول : الْأَصَح عَلَى مَا قَالَه فلَان وَفُلَان .
أَو : كَلَام الْأَكْثَرين يمِيل إِلَى كَذَا . وَمرَّة يذكر مَا يشْعر بِأَنَّهُ من جِهَته ، كَقَوْلِه : الْأَحْسَن ، والأعدل ، وَالْأَشْبَه ، والأمثل ، وَالْأَقْرَب ، (والأنسب) ، وَيَنْبَغِي كَذَا ، وَيُشبه كَذَا ، وَنَحْو ذَلِك . صّنَّف - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، وَأعَاد علينا من بركاته ، وبركات سلفه الطَّاهِر - كُتبًا أضحت للدّين والإِسلام أَنْجُمًا وشُهبًا ، مِنْهَا : الْكتاب الَّذِي خار الله لنا - وَله الْحَمد والمنَّة - (بالْكلَام) عَلَى أَحَادِيثه ، وآثاره - يَسَّر الله إكماله ، ونفع بِهِ - وَهُوَ : الْفَتْح الْعَزِيز (فِي) شرح الْوَجِيز ، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : لم يشْرَح الْوَجِيز بِمثلِهِ .
قلت : بل لم يصنف فِي الْمَذْهَب مثله ، قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين - بالقدس الشريف - قَالَ : سَمِعت شَيخنَا الْعَلامَة الرباني أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْفَزارِيّ - غير مرّة - يَقُول : مَا يعرف قدر الشَّرْح للرافعي إِلَّا بِأَن يجمع الْفَقِيه المتمكن فِي الْمَذْهَب الْكتب الَّتِي كَانَ الإِمام الرَّافِعِيّ يستمد مِنْهَا ، ويصنف شرحًا للوجيز ، من غير أَن يكون كَلَام الرَّافِعِيّ عِنْده ، فَحِينَئِذٍ يعرف كل أحد (قصوره عمَّا) وصل إِلَيْهِ (الإِمام) الرَّافِعِيّ . هَذَا أَو مَعْنَاهُ . وَمِنْهَا : الشَّرْح الصَّغِير للوجيز أَيْضا ، قَالَ الإِسفراييني - الْمُتَقَدّم ذكره - : وَقع موقعًا عَظِيما عِنْد الْخَاصَّة ، والعامة .
قَرَأت عَلَى شَيخنَا صَلَاح الدَّين قَالَ : سَمِعت قَاضِي الْقُضَاة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْقزْوِينِي - تغمده الله بعفوه - يَحْكِي عَن مَشَايِخ بَلَده ، أَن سَبَب تصنيف الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ الشَّرْح الصَّغِير أَن بعض الْفُقَهَاء قصد أَن يختصر الشَّرْح الْكَبِير ، فَبلغ ذَلِك الإِمام الرَّافِعِيّ ، فخاف أَن يُفْسده عَلَيْهِ بالتغيير ، لقُصُور (عبارَة) ذَلِك الرجل ، فَقَالَ لَهُ الإِمام أَبُو الْقَاسِم : أَنا أَخْتَصِرهُ لَك ، وَلَكِن لَا أقدر عَلَى الْوَرق . وَكَانَ ذَلِك الرجل - أَيْضا - فَقِيرا ، فَلم يُمكنهُ إلَّا أنْ أحضر للإِمام أبي الْقَاسِم من الْوَرق الْمَكْتُوب الَّذِي يُبَاع شَيْئا كثيرا ، فَكتب الإِمام الشَّرْح الصَّغِير فِي ظُهُوره ، حَتَّى أَكْمَلَه ، ثمَّ نُقِلَ من تِلْكَ الظُّهُور . قلت : وَهَذِه الْحِكَايَة ، مِمَّا يدل عَلَى زهد الإِمام الرَّافِعِيّ ، وتَقلُّلِهِ من الدُّنْيَا .
وَمِنْهَا : المُحَرَّر وَهُوَ كاسمه ، وَمَا أَكثر نَفعه ، مَعَ صغر حجمه . وَمِنْهَا : شرح مُسْند الإِمام الشَّافِعِي ، وَهُوَ كتاب نَفِيس ، قَالَ الإِسفراييني الْمُتَقَدّم ذكره : أَسْمَعَه مُصَنفه سنة تسع عشرَة وسِتمِائَة . وَمِنْهَا : الأمالي الشارحة لمفردات الْفَاتِحَة ، الَّتِي تقدم التَّنْبِيه عَلَى عظم شَأْنهَا فِي الْخطْبَة ، ابْتَدَأَ (رَحِمَهُ اللَّهُ) فِي إملائها يَوْم الثُّلَاثَاء ، ثامن عشْرين رَجَب ، سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة ، (وختمها يَوْم الْجُمُعَة ، رَابِع عشْرين ربيع الأول ، سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة) .
وَمِنْهَا : التذنيب عَلَى (الشرحين) ، لما يتَعَلَّق بالوجيز . وبهذه الْكتب الثَّلَاثَة يُعْرفُ محلُّ الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ من معرفَة هَذَا الْعلم - أَعنِي علم (هَذَا) الحَدِيث ، وَالْكَلَام عَلَيْهِ ، عَلَى اصْطِلَاح أَهله فِي عزوه وَرِجَاله ، وفوائده - الْمعرفَة التَّامَّة . وخرَّج لنَفسِهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثا ، كَمَا تقدّمت الإِشارة إِلَيْهَا ، سَاق (فِيهَا) الحَدِيث المسلسل بالأولية من عشرَة طرق ، يذكر مَعَ كل طَرِيق مِنْهَا أَرْبَعَة أَحَادِيث فِيمَا يتَعَلَّق بِالرَّحْمَةِ .
وَمِنْهَا : الإيِجاز فِي أخطار الْحجاز ، صنَّفه فِي سَفْرَتِه إِلَى الْحَج ، أَفَادَهُ بعض الْعَجم من شُيُوخ الْعَصْر . وَله - رَحِمَهُ اللَّهُ ، مَعَ ذَلِك - شعر حسن ، فَمن ذَلِك مَا ذكره فِي أَمَالِيهِ : سَمِّني مَا شئتَ وسِم جبهتي بِاسْمِك ثمَّ اسْمُ بأسمائي فَسَمِّني (عَبدك) أفخرْ بهِ وَيَسْتَوِي عَرْشِي عَلَى الماءِ وفيهَا لَهُ : إنْ كنتَ فِي اليُسْرِ فاحمدْ من حَبَاكَ بِهِ فَلَيْسَ حَقًّا قَضى لكنَّه الجودُ أَو كنت فِي العُسْرِ فاحمده كَذَلِك إذْ مَا فوقَ ذلكَ مصروفٌ و (مردودُ) وَكَيف مَا دارتِ الأَّيام مقبلةً وَغير مقبلةٍ فَالْحَمْد محمودُ وفيهَا لَهُ : إِلَى رضى الربِّ نَسُوق الرِّضَا بِاللَّه ربًّا فارض فِيمَا قَضَى وَلَا تَكُنْ عَنْ شَأْنِهِ غَافِلًا فالوقتُ سيفٌ صَارِمٌ ينتضى وفيهَا لَهُ : العَالمُون ضَعِيفُهُم وقَوِيُّهُم لجلالِ عزته سُجُودٌ رُكَّعُ لَو كُلِّفُوا أَنْ يَعْبُدُوه عمرَهمُ حقَّ العبَادةِ (لَحْظَة) لَتَكعكعوا وفيهَا لَهُ : أَقِيْمَا عَلَى بابِ (الرحيمِ) أَقِيمَا وَلَا تَنِيَا فِي ذكرِه فَتَهِيما وللنَّفَحَاتِ الطَّيِّبَات تَعَرَّضَا لعلكما تستنشقانِ نسيما هُوَ الرَّبُ من يَقْرَعْ عَلَى الصِّدْقِ بَابَهُ يَجدْه رءوفًا بالعبادِ رحِيما وفيهَا لَهُ : تَنَبَّهْ فَحَقٌّ أَن يطولَ بحسرةٍ تلهفُ مَنْ يَسْتَغْرقُ العمرَ نَوْمُهُ لَقدْ نِمْتَ فِي (ليْلِ) الشَّبيبةِ غافِلًا فَهُبَّ لصبحِ [ الشَّيبِ ] إذْ جَاءَ (يَوْمُهُ) وفيهَا لَهُ : سَوَادُ الشبابِ كليلٍ مَضَى وَقد نِمْتَ فِيهِ (لَقى) غَافِلًا وصُبْحُ المَشِيبِ بَدَا فَانْتَبِه فَعَمَّا قليلٍ تُرَى آِفلًا وفيهَا لَهُ : منْ يَسْتَعِنْ بِاللَّه سُبْحانه ويطلبُ العوذة فِيمَا يُعينْ يُعِنْهُ بالفضِل عَلَى مَا بهِ يَقَرُّ عينا ويَفِرُّ اللَّعِينْ فحسبنا الله لِمَا نَابَنَا إيَّاهُ نَرْجُو وَبِهِ نستعينْ وفيهَا لَهُ : لَيْسَ (للدنيا) استقامه ولمن فيها إقامة هِيَ إلمامةُ طَيْفٍ وانتشاء من مُدَامهْ هِيَ مثلُ البرقِ يَبْدُو من تجاويفِ غَمَامَهْ (نائلٌ) مَا أَنْت فِيهِ من هَوَانٍ وكرامهْ حاصلُ المأمولِ فِيهَا تَبِعَاتٌ وغرامهْ تعبٌ فِي الحَالِ صَعْبٌ ثُمَّ فِي العُقْبَى ندامهْ جافِ عَنْهَا الجْنبَ صَفْحًا تنجْ (مِنْهَا) بِسَلاَمهْ وفيهَا لَهُ : أَُفْدي الَّذين سَقَونيِ كَأْس حُبّهمُ وإِنْ جَفَوْنِي وإنْ جَارُوا وإنْ (غَدَرُوا) أَلَيْسَ قد جعلوني أهلَ (وُدهمُ) فَفِي فؤاديَ مِنْهُ الوِرْدُ والصَّدَرُ أَلَيْسَ (لم) يسلبوني مَا أَلُذْ بِهِ ذكرا وحبًّا وإضمارًا وَقد قَدَرُوا وفيهَا لَهُ : صافيتكَ لَا تشب بمطلٍ وبليٍّ ميعادك واحتكم بِمَا شِئْتَ علَيَّ أَتْمِمْ نِعَمًا أَنْتَ تَطَوَّلْتَ بهَا مِنْكَ اليَدُ والقصور مِنِّي وإليَّ (وفيهَا لَهُ) : تَيَمَّمتُ بَابَكَ لَا غَيره فَمَا الخيرُ عِنْدِي سُوَى خَيْرِكم لَئِن لم أُصِبْ مِنْكمُ وابِلًا فَما أرتجي الطلَّ مِنْ غَيْرِكم (وفيهَا لَهُ) : نَفسِي فدًا لَهُم أَحبُّوا أَمْ تَوَلَّوا تَحَوَّلُوا عَنْ حَالهم أَو ثَبَتُوا فَخَوَّلُوا إنْ حَرَمُوا فطالما بفضلهم تَطَوَّلُوا فَتَحْتُ عَيْني بهم فَمَا عَنْهُم محول إعراضهم إنْ أَعْرَضُوا وَشدَّدوا وهَوَّلوا وعَرضوني للنوى (و) مَا عليَّ (طَوَّلُوا) لَيْسَ بثانٍ عَنْهُم إنَّ الحبيب الأولُ عَلَيْهِم فِي كُلِّ مَا أقصده (المُعَوَّلُ) (وفيهَا لَهُ) : قُولوا لَهُم ثمَّ قُولوا مَا عنهمُ لي عُدُولُ (أَحمَّلُوني) أمورًا تَنْهَدّ مِنْهَا العقُولُ (أَو) توَلَّونِي بِخَيْرٍ يَطولُ فِيهِ الفَضُولُ لَا أَجْعَلُ القَلبَ رَهْنًا فالرهنُ مِمَّا يَزُولُ وَقْفٌ عليهمُ فؤَادِي وَالْوَقْف (مَا) لَا يحولُ وفيهَا لَهُ : قد ذَلَّ مَنْ مِنْهُ مَلَّا وبعدَ (ذَلِك) ضَلَّا وفاز مَن فِيهِ يسْعَى وخَابَ من عَنهُ وَلَّى مَن اسْتَقَلَّ سوَاهُ (فَفِي) هُدَاه اسْتَقَلَّا والِمُعْرِضُ المُتَواني نُوَلِّه مَا تَولَّى وإنْ خَضَعْتَ تراهُ (بفضله) يَتَجَلَّى يَا رب عَبْدُك يَرْجُو من ظِلِّ فَضْلِكَ ظِلَّا وَأَنت ربٌّ رَحِيمٌ تُسْدِي الجميلَ فَهَلَّا ثمَّ خَتَم هَذِه الأمالي بِأَن قَالَ : عبدُ الْكَرِيم المُرْتَجِي رَحْمَة تَكْنُفُهُ مِنْ كل أرجائهِ أَمْلَى ثَلَاثِينَ حَدِيثا عَلَى مَا وَفَّق اللهُ بنعمائهِ لَيْسَ يُزَكِّيها ولكنَّه يقولُ قولَ الحائرِ التائهِ فَازَ أَبُو الْقَاسِم يَا رب لَو قَبِلتَ حَرْفَيْنِ من إملاَئِه وللإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ من الْأَوْلَاد : ولد ذكر ، اسْمه : مُحَمَّد ، ولقبه : عَزِيز الدَّين - كَمَا سُقْنَا حَدِيثه عَن وَالِده فِيمَا تقدم من الْأَحَادِيث - وَبنت ، ذكر أَبُو (سعد) النسوي المنشي فِي تَارِيخ خوارزم شاه : أَن الإِمام أَبَا الْقَاسِم الرَّافِعِيّ كَانَت لَهُ بنت ، تزَوجهَا رجل من مَشَايِخ قزوين وأولدها أَوْلَادًا كَثِيرَة . وقرأت عَلَى الشَّيْخ صَلَاح الدَّين - أبقاه الله - قَالَ : رَأَيْت بِدِمَشْق سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة امْرَأَة حضرت عِنْد قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدَّين السُّبْكِيّ ، عجمية ، فصيحة اللِّسَان ، ذَكَرتْ أَنَّها من نسل الإِمام الرَّافِعِيّ ، وَكَانَت تحفظ عقيدته الَّتِي صنّفها ، فَقَرَأت مِنْهَا قِطْعَة ، وَهِي عقيدة بديعة عَلَى طَريقَة أهل السنَّة ، بِعِبَارَة فصيحة عَلَى عَادَته - رَحْمَة الله عَلَيْهِ .
توفّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرضاه ، وَجعل الْجنَّة مَأْوَاهُ - فِي حُدُود سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة ، ودُفن ب قزوين . قَالَه أَبُو عبد الله الصَفَّار ، الإِسفراييني ، وَكَذَا أَرَّخَهُ القَاضِي شمس الدَّين بن خلكان ، وَأفَاد بِأَنَّهَا كَانَت فِي ذِي الْقعدَة . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح : بلغنَا بِدِمَشْق وَفَاته سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَكَانَت وَفَاته فِي أوائلها ، أَو فِي أَوَاخِر السّنة الَّتِي قبلهَا بقزوين .
هَذَا مَا يتَعَلَّق بِحَال الإِمام أبي الْقَاسِم الرَّافِعِيّ . وَأما وَالِده الَّذِي وَعَدْنا بِذكرِهِ : فَقَالَ (ابْن) نقطة الْحَافِظ فِي ذيله عَلَى كتاب الْأَمِير ابْن مَاكُولَا : أَبُو الْفضل ، مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن الْفضل الرَّافِعِيّ الْقزْوِينِي يُقَال (لَهُ) : بابويه . سمع بِبَلَدِهِ من أبي عَلّي الْحسن بن أَحْمد الهمذاني ، قدم عَلَيْهِم ، وَمن ملكداذ بن عَلّي بن أبي عَمْرو ، (و) بِبَغْدَاد من : أبي مَنْصُور بن خيرون ، وَأبي الْفضل الأرموي ، وَأبي عبد الله بن الطرائفي ، وَسعد الْخَيْر الْأنْصَارِيّ .
(و) بنيسابور من : أبي الأسعد الْقشيرِي ، وَعبد الْخَالِق بن زَاهِر الشحامي فِي آخَرين . وَقَالَ وَلَده - أَعنِي الإِمام الرَّافِعِيّ - فِي أَمَالِيهِ : وَالِدي أَبُو الْفضل ، مِمَّن خُصَّ بعفة الذيل ، وحُسن السِّيرَة ، والجدِّ فِي الْعلم وَالْعِبَادَة ، وذلاقة اللِّسَان ، وَقُوَّة الْجنان ، والصلابةِ فِي الدَّين ، والمهابةِ عِنْد النَّاس ، والبراعة فِي الْعلم : حفظا ، وضبطًا ، ثمَّ : إتقانًا ، وبيانًا ، وفهمًا ودرايةً ، ثمَّ : أَدَاء ، وَرِوَايَة . سمع الحَدِيث ، وتفقَّه ب قزوين فِي صِباه ، ثمَّ سَافر إِلَى الرّيّ ، فَسمع ، وتفقَّه ، ثمَّ ارتحل إِلَى بَغْدَاد ، فَسمع ، وتفقَّه ، وحجَّ مِنْهَا ، ثمَّ انْتقل إِلَى نيسابور ، فحصَّل عَلَى الإِمام مُحَمَّد بن يَحْيَى ، وَسمع الحَدِيث الْكثير .
وَكَانَ مشايخه (يوقرونه) ، لحسن سيره ، وشمائله ، ووفور فَضله ، وفضائله . ولَمَّا عَاد إِلَى قزوين أَقبلت عَلَيْهِ المتفقِّهةُ ، فدرَّس ، وأَفاد ، وذاكَر ، وذَكَّر ، وفَسَّرَ ، وَرَوَى ، وأَمْلى ، وصَنَّف : فِي التَّفْسِير ، والْحَدِيث ، وَالْفِقْه ، وانتفع بِهِ الْخَواص والعوام . ثمَّ اسْتَأْثر الله - تَعَالَى - بِهِ فِي شهر رَمَضَان ، سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة .
قَالَ : وَلَعَلَّ الله يوفق لما فِي عزمي من جمع مُخْتَصر فِي مناقبه ، أُسَمِّيهِ ب القَوْل الْفَصْل فِي فضلِ أبي الْفضل . ا . هـ .
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس (من هَذِه الأمالي) : وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - كَانَ جيد الْحِفْظ ، سمعته صَبِيحَة بعض الْأَيَّام يَقُول : سَهِرْتُ البارحة فأجلت الفكرَ فِيمَا أحفظه من الأبيات المفردة ، والمقطعات فبلغت آلافًا . ذكر عددا كثيرا . وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا : سَمِعت عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن المؤذِّن - وَكَانَ رجلا صَالحا يؤذِّن فِي مَسْجده - يَحْكِي أَن وَالِدي - رَحِمَهُ اللَّهُ - خرج فِي لَيْلَة مظْلمَة لصلاةِ العشاءِ ، قَالَ : وَأَنا عَلَى بَاب الْمَسْجِد أنتظره ، فحسبت أَن فِي يَده سِراجًا ، وتعجَّبْتُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لم يكن من عَادَته استصحابُ السراج ، فمَّا بلغ الْمَسْجِد لم أجد السراجَ ، و (دهشت) وَذكرت لَهُ ذَلِكَ من الْغَد فَلم يُعجبهُ وُقُوفِي عَلَى الْحَال ، وَقَالَ : أقبل عَلَى شَأْنك .
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْعَاشِر مِنْهَا : كَتَبَ [ سعد ] بن الْحسن الْكرْمَانِي لوالدي ، رحمهمَا الله - وَكَانَ [ سعد ] من أهل (الْعلم و) الْفضل ، والبيوتات الشَّرِيفَة - : يَا أَبَا الْفضل قَد تَأَخَّرْتَ عنَّا فَأَسَأْنا بِحسن عَهْدك ظَنَّا كمْ تَمَنَّتْ نَفْسي صَدِيقًا صَدُوقًا فَإِذا أنْتَ ذَلِكَ المُتَمَنَّى (فبِغُصنِ) الشَّباب لما تَثَنَّى وبِعَهْدِ الصِّبَا وإنْ بَانَ عَنَّا كُنْ جوابي إِذا قَرأْتَ كِتابي لَا تَقُلْ للرسولِ كانَ وكُنَّا فَبلِّغْتُ أَنه كَانَ جَوَابه . ا . هـ .
وَقَالَ فِي الْمجْلس الْخَامِس عشر : كتب إِلَيّ وَالِدي أَبُو سُلَيْمَان (الزبيري) - حِين عزم عَلَى السّفر للتفقه - : أَبَا الْفضل هَجْرُكَ لَا يُحْمَلُ وَلَسْتَ ملومًا بِمَا تَفْعَلُ وإنَّكَ مِنْ حَسَناتِ الزَّمَانِ وقدمًا علينا بهَا يبخلُ وَأما والدته الَّتِي وعدنا بذكرها أَيْضا ، فَقَالَ فِي أَمَالِيهِ - أَيْضا - : والدتي صَفِيَّة بنت الإِمام أسعد (الركاني) ، - رحمهمَا الله - كَانَت تروي الحَدِيث عَن إجَازَة جمَاعَة من مَشَايِخ أَصْبَهَان ، و بَغْدَاد ، و نيسابور ، عَنِيَ بتحصيل أَكْثَرهَا : خالها أَحْمد بن إِسْمَاعِيل . قَالَ : وَلَا أعرف امْرَأَة فِي الْبَلَد كريمةَ الأطرافِ فِي (الْعلم) مثلهَا ، فأبوها كَانَ حَافِظًا للْمَذْهَب ، والأقوالِ ، وَالْوُجُوه [ فِيهِ ] ، (المستقرب) مِنْهَا والمستبعد ، ماهرًا فِي الْفَتْوَى ، مرجوعًا إِلَيْهِ . وَأمّهَا : زُلَيْخَا بنت القَاضِي إِسْمَاعِيل بن يُوسُف ، كَانَت فقيهةً (يُرَاجِعهَا) النِّسَاء ، فتفتي لَهُنَّ لفظا وخطًّا ، سيّما فِيمَا ينوبهن ، ويستحين مِنْهُ ، كالعدة وَالْحيض .
وأخواها : من معتبري (الْأَئِمَّة) الْمَشْهُورين فِي الْبَلَد ، دَرَجَ أكبرهما ، وأُنسئ فِي أجل (الآخر) . وَزوجهَا الإِمَام وَالِدي ، قد أَشرت إِلَى جملٍ من أَحْوَاله فِيمَا تقدم . وجدّها : القَاضِي إِسْمَاعِيل (بن يُوسُف) ، من أهل (العِلْم و) الحَدِيث ، والجدّ فِي الْعِبَادَة ، وَكَانَ قد تفقَّه عَلَى القَاضِي ، الشَّهِيد : أبي المحاسن الرَّوْيَانِيّ ، وَسمع مِنْهُ الحَدِيث .
وخالها : الإِمَام أَحْمد بن إِسْمَاعِيل ، مَشْهُور فِي الْآفَاق . قَالَ فِي أثْنَاء (أَمَالِيهِ) - بعد أَن رَوَى عَنهُ حَدِيثا - : هُوَ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس الطَّالقَانِي (ثمَّ الْقزْوِينِي) ، أَبُو الْخَيْر ، إِمَام كثير الْخَيْر ، موفر الْحَظ من عُلُوم الشَّرْع : حفظا ، وجمعًا ، ونشرًا ، بالتعليم ، والتذكير ، والتصنيف . وَكَانَ لَا يزَال لِسَانه رطبا من ذكر الله تَعَالَى ، وَمن تِلَاوَة الْقُرْآن ، وَرُبمَا قُرِئَ عَلَيْهِ الحَدِيث وَهُوَ يُصَلِّي ويصغي إِلَى الْقَارئ ، و (ينبهه) إِذا زَلَّ ، وَاجْتمعَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْقبُول التَّام ، عِنْد الْخَواص والعوام ، والصيت الْمُنْتَشِر ، والجاه والرفعة .
وتولَّى تدريس النظامية بِبَغْدَاد مُدَّة ، مُحْتَرمًا فِي حَرِيم الْخلَافَة ، مرجوعًا إليْهِ ، ثمَّ آثَر الْعود (إِلَى) الوطن ، واغتنم النَّاس رُجُوعه إِلَيْهِم ، و [ استفادوا ] من علمه ، وتَبَرَّكُوا بأيامه . وَسمع الْكثير من الفراوي ، وفهرست مسموعاته متداول ، وَكَانَ يعْقد الْمجْلس للعامة فِي الْأُسْبُوع ثَلَاث مَرَّات ، إِحْدَاهَا : صَبِيحَة يَوْم الْجُمُعَة ، (فَتكلم عَلَى عَادَته يَوْم الْجُمُعَة) ، الثَّانِي عشر من الْمحرم سنة تسعين وَخَمْسمِائة فِي قَول الله تَعَالَى : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) . وَذكر أَنَّهَا من أَوَاخِر مَا نزل من الْقُرْآن ، وعَدَّدَ الْآيَات الْمنزلَة آخرا ، مِنْهَا : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) , وَمِنْهَا : سُورَة النَّصْر .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ) . وَذكر أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا عَاشَ بعد نزُول هَذِه الْآيَة إلَّا سَبْعَة أَيَّام ، ولمَّا نَزَلَ من الْمِنْبَر حُمَّ ، وانتقل إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى فِي (يَوْم) الْجُمُعَة الْأُخْرَى ، وَلم يَعِشْ بعد ذَلِكَ الْمجْلس إلَّا سَبْعَة أَيَّام ، وَهَذَا من عَجِيب الاتفاقات . وَكَأَنَّهُ أُعْلِمَ بِالْحَال ، و [ بِأَنَّهُ ] حانَ وَقت الارتحال ، ودُفن يَوْم السبت ، وَلَقَد خرجت من الدَّار بكرةَ (فِي) ذَلِكَ اليومِ عَلَى قصد التَّعْزِيَة ، وَأَنا فِي شَأْنه متفكر ، وَمِمَّا أَصَابَهُ منكسر ، إِذْ وَقع فِي خلدي من غير نِيَّة ، وفكر وروية : لوفاةِ أحمدِهَا بن إسماعيلها بَكَت العلومُ بويلها وعويلها كَأَن أحدا يُكَلِّمُنِي (بذلك) .
وَكَانَت وِلَادَته سنة : (اثْنَتَيْ عشرَة) وَخَمْسمِائة ، وَهُوَ مَعَ كَونه خَال والدتي ، أَبوهَا من الرَّضَاع أَيْضا . قَالَ : وَابْنهَا ، المملي لهَذِهِ الأمالي - يَعْنِي الرَّافِعِيّ نَفسه - : لَا يخرج من زمرة أهل الْعلم ، ويحشر فيهم - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - وَكَذَلِكَ سَائِر بنيها . قَالَ : ثمَّ هِيَ - يَعْنِي والدته - فِي (نَفسهَا) متديِّنة خائفة ، وَبِمَا لَا بُد مِنْهُ للفروض عارفة ، قارئة لكتاب الله تَعَالَى ، (كَثِيرَة) الْخَيْر ، رقيقَة الْقلب ، سليمَة الْجَانِب ، تحمل الكَلَّ ، وترغب فِي الْمَعْرُوف ، وتُحْسِنُ إِلَى الْيَتَامَى والأيامى ، تلِي خيرا ، وتولي جميلًا مَا استطاعت إِلَيْهِمَا سَبِيلا .
وَكَانَت قد ابْتليت بعدة بَنَات ، أنفقت وَاسِطَة الْعُمر عليهنَّ ، حتَّى استكملن من أدبهنَّ ، مَضَيْن لسبيلهنَّ ، (فَتَرَكْنَها) ملهوفة ثَكْلَى بهنَّ ، وَللَّه مَا أَخذ ، وَله مَا أعْطى ، وَلَا راد لما حكم (بِهِ) وَقَضَى . ثمَّ ذكر أَحَادِيث وشعرًا تَسْلِيَة لوالدته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه وعنها . وللإِمام الرَّافِعِيّ أَخ ، اسْمه : مُحَمَّد ، تفقَّه عَلَى أبي الْقَاسِم بن فضلان .
وَسمع الحَدِيث من أَبِيه ، وَأَجَازَ لَهُ : ابْن البَطِّي . ورحل إِلَى أَصْبَهَان و الرّيّ ، و أذربيجان ، و الْعرَاق . وَسمع (الحَدِيث) من : نصر الله القَزَّاز ، وَابْن الْجَوْزِيّ .
واستوطن بَغْدَاد ، وولِّي مشارفة أوقاف النظامية . وَكَانَ فِي ديانَة ، وَأَمَانَة ، وتواضُع ، وتودُّد ، وحُسن خلق . كتب الْكثير - مَعَ ضعف خطه - من التَّفْسِير ، والْحَدِيث ، وَالْفِقْه .
ومعرفته فِي الحَدِيث تَامَّة . قَالَ ابْن النجار : وَكَانَ يذاكرني بأَشْيَاء ، وَله فهم حسن ، (وَمَعْرِفَة) . مَاتَ فِي ثامن عشْرين جُمَادَى الأولَى ، من سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة ، وَقد قَارب (السّبْعين) .
هَذَا آخر مَا أردْت ذكره من هَذِه الْفُصُول ، وَهِي مهمةٌ ، نَافِعةٌ ، سِيَّما مَنَاقِب الإِمامِ الرَّافِعِيّ (ووالده ، ووالدته) ، فإنَّ بذلك يعرف قدرهم ، وفضلهم ، وبسطناها (هُنَا) بسطًا حسنا ، لَا يُوجد كَذَلِك فِي كتاب . وإذْ قد فَرَغْنَا من هَذِه الْفُصُول ، فلنشرع الْآن فِي الْغَرَض الأهم الْمَقْصُود ، متوكلين عَلَى الصَّمد المعبود ، أسألُ الله الْكَرِيم إِتْمَامه مصونًا عَاجلا ، عَلَى أحسن الْوُجُوه ، وأبركها ، وأعمها ، وأنفعها ، وأدومها ، (بِمُحَمد وَآله)