الحَدِيث الثَّالِث خَلَقَ اللهُ الماءَ طهُورا
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن أبي أُمَامَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : "إنَّ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه وطعمه ولونه " .
وَهَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين :
أَحدهمَا مُسندَة : رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مَحْمُود بن خَالِد ، وَغَيره ، عَن مَرْوَان بن مُحَمَّد ، نَا رشدين ، نَا مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد بن سعد ، عَن أبي أُمَامَة مَرْفُوعا كَمَا تقدم .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" كَذَلِك .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي "مُعْجَمه الْأَوْسَط" ، من حَدِيث مُحَمَّد بن يُوسُف الغضيضي ، عَن رشدين (بن) سعد ، عَن مُعَاوِيَة بِهِ . وَلم يذكرَا : "ولونه" .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ : لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن مُعَاوِيَة بن صَالح إلاَّ رشدين ، تَفرَّد بِهِ مُحَمَّد بن يُوسُف .
قلت : لَا ، فقد تَابعه مَرْوَان بن مُحَمَّد ، كَمَا أخرجه ابْن مَاجَه ، وَالْبَيْهَقِيّ فِيمَا سلف .
وَقد أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" - أَيْضا - من حَدِيث مَرْوَان بن مُحَمَّد الطاطري ، عَن رشدين بِهِ .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ - أَيْضا - من رِوَايَة ثَوْر بن يزِيد ، عَن [ رَاشد ] بن سعد بِهِ ، وَلَفظه : "إِذا كَانَ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يُنجسهُ شَيْء ، إلاَّ مَا غلب رِيحه أَو طعمه" . وَقَالَ : كَذَا وجدته ، وَلَفظ الْقلَّتَيْنِ فِيهِ غَرِيب .
قَالَ ابْن عدي : وَهَذَا الحَدِيث لَيْسَ يرويهِ عَن ثَوْر إلاَّ حَفْص بن عمر .
قلت : قد رَوَاهُ بَقِيَّة أَيْضا عَنهُ ، أخرج ذَلِك الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه"
وَلَفظه : "إنَّ المَاء طَاهِر ، إلاَّ إنْ تغيَّر رِيحه ، أَو طعمه ، أَو لَونه بِنَجَاسَة تحدث فِيهِ" .
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة : مُرْسلَة رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث الْأَحْوَص بن حَكِيم ، عَن رَاشد بن سعد قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء إلاَّ مَا غلب عَلَى رِيحه أَو طعمه " .
وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِزِيَادَة : "أَو لَونه" .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا مُرْسل ، قَالَ : وَوَقفه أَبُو أُسَامَة عَلَى رَاشد . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سَأَلت أبي عَنهُ فَقَالَ : الصَّحِيح أَن هَذَا الحَدِيث مُرْسل . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " : هَذَا حَدِيث يرويهِ رشدين بن سعد ، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن رَاشد ، (عَن) أبي أُمَامَة مَرْفُوعا ، وَخَالفهُ الْأَحْوَص بن حَكِيم فَرَوَاهُ عَن رَاشد بن سعد مُرْسلا ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَالَ أَبُو أُسَامَة : عَن الْأَحْوَص ، عَن رَاشد قَوْله وَلم (يُجَاوز بِهِ راشدًا) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : وَلَا يثبت الحَدِيث .
قلت : فَتَلَخَّصَ أَن الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور ضعيفٌ ، لَا يحلّ الِاحْتِجَاج بِهِ ، لِأَنَّهُ مَا بَين مُرْسل وَضَعِيف .
وَنقل النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " اتِّفَاق الْمُحدثين عَلَى تَضْعِيفه .
وَقد أَشَارَ إمامنا الْأَعْظَم ، أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي
إِلَى ضعفه فَقَالَ : وَمَا قلت من أنَّه إِذا تغيَّر طعم المَاء وريحه ولونه كَانَ نجسا ، يُروى عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وَجه لَا يُثْبِتُ أهل الحَدِيث مثله ، وَهُوَ قَول الْعَامَّة ، لَا أعلم بَينهم (خلافًا ) . وَتَابعه عَلَى ذَلِك الْبَيْهَقِيّ ، فَقَالَ فِي " سنَنه " : هَذَا حَدِيث غير قوي ، (إلاَّ أنَّا) لَا نعلم (فِي) نَجَاسَة المَاء إِذا تغيَّر خلافًا .
وَابْن الْجَوْزِيّ ، (قَالَ) فِي " تَحْقِيقه " : هَذَا حَدِيث لَا يَصح .
فَإِذا عُلم ضعف الحَدِيث ، تعيَّن الِاحْتِجَاج بالإِجماع ، كَمَا قَالَه الشَّافِعِي وَالْبَيْهَقِيّ ، وَغَيرهمَا ، (من الْأَئِمَّة) .
قَالَ ابْن الْمُنْذر : أَجمع الْعلمَاء عَلَى أنَّ المَاء الْقَلِيل أَو الْكثير ، إِذا وَقعت فِيهِ نَجَاسَة ، فغيَّرت طعمًا أَو لونًا أَو ريحًا فَهُوَ نجس .
وَنقل الإِجماع كَذَلِك جمع (غَيره) .
وَذكر الإِمام الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الحَدِيث بعد هَذَا الْبَاب بِلَفْظ : "الطّعْم والرائحة" دون "اللَّوْن" ثمَّ قَالَ : نُصَّ عَلَى الطّعْم وَالرِّيح ، وقاس الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه اللَّوْن عَلَيْهِمَا .
وَكَأَنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ قلَّد فِي ذَلِك الشَّيْخ أَبَا إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ ، فإنَّه قَالَ فِي "(الْمُهَذّب") ، (كقولته) ، وَلم يقفا رحمهمَا الله عَلَى الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا "اللَّوْن" الَّتِي قَدَّمناها من طَرِيق ابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ .
فَإِن قلت : لعلهما رأياها فتركاها لأجل ضعفها ونَزَّلا وجودهَا وَالْحَالة هَذِه كعدمها ؟ قلت : هَذَا لَا يصحّ ، لِأَنَّهُمَا لَو رَاعيا الضعْف واجتنباه ، لتركا جملَة الحَدِيث ، لضَعْفه الْمُتَّفق عَلَيْهِ .
وَاعْلَم : أَن هَذَا الحَدِيث ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب الْآتِي ، وَوَقعت لنا مَعَه فِيهِ مناقشة ، فإنَّه قَالَ : وَقَالَ مَالك : لَا ينجس المَاء الْقَلِيل إلاَّ بالتغيُّر كالكثير ، لقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : "خُلَقَ المَاء طهُورا ، لَا يُنَجِّسه شَيْء ، إلاَّ مَا غَيَّر طعمه أَو رِيحه" ، وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ ، وَالشَّافِعِيّ حمل هَذَا الْخَبَر عَلَى الْكثير ؛ لِأَنَّهُ ورد فِي بِئْر بضَاعَة ، وَكَانَ ماؤهاكثيرًا . انْتَهَى .
وَهَذِه الدَّعْوَى : أَن هَذَا الْخَبَر ورد فِي (بِئْر) بضَاعَة لَا تُعرف ؛ نعم صَدْرُه ورد فِيهَا كَمَا قَدمته ، وَأما هَذَا الِاسْتِثْنَاء فَفِي حَدِيث آخر كَمَا قَرّرته لَك فاعلمه .
والإِمام الرَّافِعِيّ ، الظَّاهِر أَنه تبع الْغَزالِيّ فِي هَذِه الدَّعْوَى ، فقد ذكر
ذَلِك فِي "الْمُسْتَصْفَى" حَيْثُ قَالَ (لما) سُئِلَ عَن بِئْر بضَاعَة فَقَالَ : خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غيَّر طعمه أَو لَونه أَو رِيحه" .
وَوَقع فِي "الْكِفَايَة" لِابْنِ الرّفْعَة ، عزو الِاسْتِثْنَاء إِلَى رِوَايَة أبي دَاوُد ، (فَقَالَ : وَرِوَايَة أبي دَاوُد) : "خلق الله المَاء طهُورا لَا يُنجسهُ إلاَّ مَا غير طعمه أَو رِيحه" وَهَذَا لَيْسَ فِي أبي دَاوُد فاعلمه .