الحَدِيث الرَّابِع يَا سلمَان كل طَعَام وشراب وَقعت فِيهِ دابةٌ لَيْسَ لَهَا دم
الحَدِيث الرَّابِع عَن سلمَان رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : يَا سلمَان كل طَعَام وشراب ، وَقعت فِيهِ (دابةٌ) لَيْسَ لَهَا دم ، فَمَاتَتْ ، فَهُوَ حلالٌ أَكْلهُ وشربهُ ووضوؤه . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، فِي سُنَنهمَا ، من رِوَايَة بَقِيَّة (بن الْوَلِيد) ، أبي يُحمد - بِضَم الْيَاء ، وَأَصْحَاب الحَدِيث فتحوها ، كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ - عَن سعيد بن أبي سعيد ، (الزبيدِيّ ، عَن بشر بن مَنْصُور ، عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان ، عَن سعيد) بن الْمسيب ، عَن سلمَان بِهِ . وَهُوَ مَعْلُول من أوجه : أَولهَا : أَن بَقِيَّة ضَعِيف من وَجْهَيْن ، أَحدهمَا : التَّدْلِيس .
وَالثَّانِي : الضعْف مُطلقًا . قَالَ الإِمام أَحْمد : إِذا (حَدَّث) عَن قوم لَيْسُوا بمعروفين فَلَا . (أَي) : لَا يقبل .
وَقَالَ أَبُو مسْهر : أَحَادِيث بَقِيَّة غير نَقِيَّة ، فَكُن مِنْهَا عَلَى تَقِيَّة . وَقَالَ ابْن حبَان : سمع من شُعْبَة وَمَالك وَغَيرهمَا أَحَادِيث مُسْتَقِيمَة ، ثمَّ سمع من أَقوام كَذَّابين عَن شُعْبَة ، وَمَالك ، فروَى عَن الثِّقَات بالتدليس مَا سمع من الضُّعَفَاء ، وَكَانَ أَصْحَابه يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي حَدِيثه ، فَلَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : إِذا قَالَ نَا ، وأنبأنا فَهُوَ ثِقَة .
وَكَذَا قَالَ ابْن معِين ، والرازيان : إِذا حدث عَن ثِقَة . وَأخرج لَهُ مُسلم مستشهدًا بِهِ فِي حَدِيث وَاحِد ، وَهُوَ حَدِيثه عَن الزبيدِيّ ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر رَفعه : من دُعِي إِلَى (عرس) وَنَحْوه فليجب . (قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان) : لَيْسَ لبَقيَّة فِي الصَّحِيح سواهُ .
و (قيل) أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة ، وَقيل : أصلا ، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الْأَدَب ، (خَارج الصَّحِيح) ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي الصَّحِيح فِي بَاب : من [ أخفَّ ] الصَّلَاة عِنْد بكاء الصَّبِي . قَالَ ابْن دحْيَة فِي (كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير ) : الْعجب مِنْهُ كَيفَ أخرج لبَقيَّة فِي صَحِيحه وَهُوَ يُدَلس أقبح التَّدْلِيس ، وَكَانَ يُسَوِّي ويحذف اسْم الضَّعِيف ، وَقد كَانَ لَهُ رُوَاة يَفْعَلُونَ ذَلِك . (قَالَ) : وَقد كَانَ أَخَذَ عَلَى مُسلم فِي ذَلِك الحافظُ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ ، (قَالَ) : مَعَ أَنه إنَّما خَرَّج (عَنهُ) من طَرِيق الشاميين ، وَرِوَايَته عَنْهُم صَالِحَة عِنْد بَعضهم .
(قَالَ ابْن عدي فِي كَامِله : إِذا رَوَى بَقِيَّة عَن أهل الشَّام فَهُوَ ثَبت ، وَقَالَ ابْن طَاهِر : حكم الْحَافِظ بِأَن بَقِيَّة إِذا رَوَى عَن غير الشاميين لَا يعْتد بروايته) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : مَا يرويهِ بَقِيَّة عَن الضُّعَفَاء والمجهولين لَيْسَ بمقبول مِنْهُ ، كَيفَ وَقد أَجمعُوا عَلَى أَن بَقِيَّة لَيْسَ بِحجَّة . هَذَا لَفظه برمتِهِ .
وَقَالَ ابْن الْقطَّان : بَقِيَّة يدلِّس عَن الضُّعَفَاء ، ويستبيح ذَلِك ، (وَهُوَ) - إنْ صحَّ - مُفسد لعدالته . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : نعم وَالله ، صحَّ هَذَا عَنهُ . وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : بَقِيَّة ثِقَة ، إلاَّ (أَنه) يكْتب ويروي عَن كل أحد .
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء : بَقِيَّة ثِقَة فِي نَفسه ، لكنه يدلِّس (عَن) الْكَذَّابين . الْوَجْه الثَّانِي : أَن سعيد بن أبي سعيد الزبيدِيّ : مَجْهُول ، كَمَا قَالَه أَبُو أَحْمد الْحَاكِم ، وَكَذَلِكَ ابْن عدي ، وَنَقله ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ فِي كِتَابيه : الضُّعَفَاء ، و التَّحْقِيق ، وأقرَّه . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف .
(وَلَا تنَافِي بَينه وَبَين الأول ، لِأَن الْمَجْهُول ضَعِيف أَيْضا) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي هَذَا الْبَاب : قَالَ ابْن عدي : الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا سعيد الزبيدِيّ عامتها لَيست بمحفوظة . وَقَالَ فِيهَا ، فِي بَاب الصَّائِم يكتحل : سعيد الزبيدِيّ من مَجَاهِيل شُيُوخ بَقِيَّة ، ينْفَرد بِمَا لَا يُتابع عَلَيْهِ .
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : لَا يُعرف ، وَأَحَادِيثه سَاقِطَة . وَقَالَ فِي الضُّعَفَاء : قَالَ ابْن عدي : هُوَ مَجْهُول . ثمَّ قَالَ : لَا سِيمَا وَقد تفرد عَنهُ بَقِيَّة .
وَخَالف الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب (فوثقه) ، فَقَالَ - عَلَى مَا نقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام - : إِن اسْم أبي سعيد : عبد الْجَبَّار ، قَالَ : وَكَانَ (سعيد) بن أبي سعيد ثِقَة . قَالَ الشَّيْخ : وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ : هُوَ ضَعِيف . لَا يُريدهُ ، وَيُرِيد بَقِيَّة .
وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان ، فَذكره فِي ثقاته ، وَأَنه من أهل الشَّام ، وَأَن أهل بَلَده رووا عَنهُ . الْوَجْه الثَّالِث : أَن عَلّي بن زيد بن جدعَان : ضَعَّفه ابْن عُيَيْنَة . وَقَالَ حَمَّاد بن زيد : كَانَ يقلب الْأَحَادِيث .
وَذكر شُعْبَة أَنه اخْتَلَط . وَقَالَ أَحْمد وَيَحْيَى : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ يَحْيَى مرّة : ضَعِيف فِي كل شَيْء .
وَقَالَ الرَّازِيّ : لَا يحْتَج بِهِ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِقَوي . [ وَقَالَ ابْن حبَان ] : (يهم) ويخطئ ، فَكثر ذَلِك فَاسْتحقَّ التّرْك .
وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِثَابِت (الْبنانِيّ) . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي الضُّعَفَاء : حسن الحَدِيث (صَاحب غرائب) ، احْتج بِهِ بَعضهم . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَيْسَ بِقَوي .
وَقَالَ أَحْمد : لَيْسَ بِشَيْء . الْوَجْه الرَّابِع : أَنه لَا يُعلم متابع لبَقيَّة عَلَيْهِ ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : هَذَا الحَدِيث لم يروه غير بَقِيَّة ، عَن سعيد بن أبي سعيد الزبيدِيّ . وَلأَجل هَذِه الْعِلَل ، قَالَ الْحَافِظ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ .