الحَدِيث الثَّالِث عشر إِن النَّبِي كَانَ يسْتَعْمل الْمسك وَكَانَ أحبَّ الطّيب إِلَيْهِ
الحَدِيث الثَّالِث عشر إِن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يسْتَعْمل الْمسك ، وَكَانَ أحبَّ الطّيب إِلَيْهِ . هَذَا صَحِيح ، (يُذكر فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة ) ، وَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من حَدِيث عَائِشَة : كَأَنِّي أنظر إِلَى وبيصِ الْمسك فِي مَفْرِقِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ (مُحْرِمٌ) . اللَّفْظ لمُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ : الطِّيب بدل الْمسك ، وَقَالَ : مفارق (بدل مفرق) .
وَأخرجه مُسلم كَذَلِك ، لكنه قَالَ : و [ هُوَ ] يُهِلُّ ، وَفِي رِوَايَة : وَهُوَ يُلَبِّي . وَهَذَا الحَدِيث ذكره الإِمام الرَّافِعِيّ فِي كتاب الْحَج ، وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ هُنَاكَ - إِن شَاءَ الله تَعَالَى - مَبْسُوطا . وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ، أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : كَانَت امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل قَصِيرَة ، تمشي بَين امْرَأتَيْنِ طويلتين ، فاتخذت رجلَيْنِ من خشب ، و (خَاتمًا) من ذهب [ مغلقٍ ] مُطَبَّقٍ ، ثمَّ حَشَتْهُ مسكًا ، والمسكُ أطيب الطّيب .
وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز مُخْتَصرا بلفظين : أَحدهمَا : الْمسك أطيب الطّيب ، الثَّانِي : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سُئِلَ عَن الْمسك ، فَقَالَ : هُوَ أطيب طيبكم . ثمَّ قَالَ فيهمَا : حسن صَحِيح . وَأخرج ابْن حبَان الأول فِي صَحِيحه ، وَأحمد بِلَفْظ : ذُكر الْمسك عِنْد رَسُول الله فَقَالَ : هُوَ أطيب الطّيب .
وَالْحَاكِم بِاللَّفْظِ الثَّانِي لِلتِّرْمِذِي ، ثمَّ بِلَفْظ : أطيب الطّيب الْمسك ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح الإِسناد . وَأخرجه أَبُو دَاوُد - أَيْضا - فِي الْجَنَائِز (مُخْتَصرا) : أطيب (طيبكم) الْمسك . وَكَذَا النَّسَائِيّ فِيهِ بلفظين : أَحدهمَا : أطيب الطّيب (الْمسك ) .
وَالثَّانِي : من (خير) طيبكم الْمسك . وَأخرجه فِي اللبَاس بِلَفْظ : إِن امْرَأَة من بني إِسْرَائِيل اتَّخذت خَاتمًا من ذهب ، وحَشَتْه مسكًا ، قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَهُوَ أطيب الطّيب . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الشَّمَائِل عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَت للنَّبِي (سُكَّة يتطيب مِنْهَا .
إِسْنَاده صَحِيح وَرِجَاله كلهم ثِقَات مُخَرَّج لَهُم فِي الصَّحِيح . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر فِي الإشراف ، قبيل مَوَاقِيت الصَّلَاة : (رُوي) عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِسْنَاد جيد أَنه كَانَ لَهُ مسك يتطيَّب بِهِ . وَلَعَلَّه أَشَارَ إِلَى هَذَا الحَدِيث .
وَفِي سنَن النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء ، عَن الْحُسَيْن بن عِيسَى القومسي ، عَن عفَّان (بن مُسلم) ، عَن سَلاَّم بن سُلَيْمَان ، عَن ثَابت ، عَن أنس رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (قَالَ) : حُبِّبَ إليَّ من دُنْيَاكُم : النِّسَاء وَالطّيب ، وجُعِلَتْ قُرَّة عَيْني فِي الصَّلاة . كل رجال هَؤُلَاءِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، إلاَّ سلاَّم بن سُلَيْمَان المُزني ، قَارِئ الْبَصْرَة ، فَأخْرج عَنهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : صَالح الحَدِيث .
فَهُوَ إِسْنَاد صَحِيح . وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده فَقَالَ : ثَنَا عبد الْوَاحِد أَبُو عُبَيْدَة ، عَن سَلام [ أبي ] الْمُنْذر ، عَن ثَابت ، عَن أنس رَفعه : حُبِّبَ إليَّ النِّسَاء .. . الحَدِيث .
ثمَّ رَوَاهُ عَن أبي سعيد ، مولَى (بني) هَاشم ، عَن سَلام بِهِ ، بِلَفْظ : إنَّ ممَّا حُبِّبَ إليَّ فِي الدُّنْيَا : النِّسَاء .. . (الحَدِيث) . وفيهَا أَيْضا - أَعنِي سنَن النَّسَائِيّ - فِي (الْموضع الْمَذْكُور) مثله ، عَن عَلّي بن مُسلم ، عَن (سَيَّار) بن حَاتِم ، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضُّبَعِي ، عَن ثَابت ، عَن أنس مَرْفُوعا ، مثله سَوَاء .
وَهَذَا إِسْنَاد حسن ، عليَّ بن (مُسلم احتجَّ بِهِ البُخَارِيّ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِهِ بَأْس . وسيار بن حَاتِم صَدُوق . وجعفر بن) سُلَيْمَان أخرج لَهُ مُسلم ، وَهُوَ ثِقَة ، وَفِيه شَيْء .
لَا جرم أَن الْحَاكِم أَبَا عبد الله ، أخرجه فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ من هَذِه (الطَّرِيقَة) ، فِي كتاب النِّكَاح ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . و (ذكره) ابْن السكن فِي سنَنه الصِّحَاح ، ثمَّ ذكر حَدِيث : وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة من حَدِيث أنس أَيْضا ، والمغيرة . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه فِي بَاب التَّرْغِيب فِي النِّكَاح ، من حَدِيث مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعلي بن الْجَعْد ، عَن سَلاَّم بِهِ ، بِلَفْظ : إنَّما (حُبِّبَ) إليَّ من دنياكم : النساءُ والطيبُ ، وجُعِلَت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة .
لفظ حَدِيث عَلّي ، وَلَفظ حَدِيث مُوسَى : حُبِّبَ إليَّ من الدُّنْيَا ثمَّ قَالَ : تَابعه سَيَّار بن حَاتِم ، عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان ، عَن ثَابت ، عَن أنس ، وَرَوَى ذَلِك جمَاعَة من الضُّعَفَاء عَن ثَابت . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : إِن رِوَايَته عَن ثَابت عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أشبه بِالصَّوَابِ . و (مَا) أَدْرِي مَا وَجه ذَلِك ؟ (وَذكره أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ فِي كتاب أَخْلَاق رَسُول الله فِي موضِعين ، وسَاق فِي الثَّانِي - بعد أَن رَوَاهُ بِلَفْظ : حُبِّبَ إليَّ من الدُّنْيَا .. .
- فِي حَدِيث ابْن عمر ، أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : [ مَا ] أَعْطَيْت من دنياكم هَذِه إِلَّا نُسَيَّاتِكم ) . فَيُؤْخَذ من مَجْمُوع مَا (ذَكَرْتُ) ، مَا ذَكَرَه الإِمام الرَّافِعِيّ - إِن شَاءَ الله - فَتَأَمّله . وَقد (ذكره) الْغَزالِيّ فِي وسيطه فِي الْبيُوع ، فَقَالَ : والمسك كَانَ أحب الطّيب إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
فَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي الْمطلب : مَا ذكره صَحِيح . ثمَّ اسْتدلَّ بِحَدِيث عَائِشَة الْمُتَقَدّم ، ثمَّ قَالَ : وَقَالَ أَبُو الطّيب : إنَّ أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ رَوَى (أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ) : أطيب الطّيب الْمسك . قَالَ : وَهَذَا نَص .
وَقد عرفت أَنْت من أخرج هَذَا الحَدِيث ، وَمَا زدناه عَلَى ذَلِك ، فَوَافَقَ الْحَافِر الْحَافِر بِزِيَادَة ، فَللَّه الْحَمد .