الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ إِذا وَلَغَ الكلبُ فِي إناءِ أحدكُم فَلْيُرِقْه
الحَدِيث الثَّانِي وَالْعشْرُونَ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذا وَلَغَ الكلبُ فِي إناءِ أحدكُم فَلْيُرِقْه ، وليغسله سبعا ، أولَاهُنَّ - أَو إِحْدَاهُنَّ - بِالتُّرَابِ . هَذَا الحَدِيث أصل من الْأُصُول الْمُعْتَمد عَلَيْهَا ، وَهُوَ مَشْهُور ، فلنذكره من جَمِيع طرقه ، فَنَقُول : رَوَى البُخَارِيّ ، وَمُسلم ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذا شرب الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات . وَرَوَاهُ كَذَلِك قبلهمَا (مَالك) فِي الْمُوَطَّأ .
قَالَ ابْن عبد الْبر : كَذَا قَالَ مَالك فِي هَذَا الحَدِيث : إِذا شرب وَغَيره من الروَاة يَقُولُونَ : إِذا ولغَ . وَهُوَ الَّذِي يعرفهُ أهل اللُّغَة . وَكَذَا استغربَ هَذِه اللَّفْظَة الحافظان ، أَبُو بكر الإِسماعيلي فِي صَحِيحه ، والحافظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه .
وَقد تَابع مَالِكًا عَلَى لَفظه : إِذا شرب : الْمُغيرَة بن عبد الرَّحْمَن وورقاء بن عمر ، عَن أبي الزِّنَاد ؛ رَوَى الطَّرِيق الأول أَبُو الشَّيْخ الْحَافِظ ، وَالثَّانِي أَبُو بكر الجوزقي فِي كِتَابه . وَرَوَاهُ أَيْضا هِشَام بن حسان ، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة ، وَفِيه أَيْضا إِذا شرب . وَقد اختُلف عَلَى مَالك فِي لفظ الشّرْب ، و الولوغ وَالْمَشْهُور (عَنهُ) ، مَا قَالَ أَبُو عمر .
أَفَادَ ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليرقه ، ثمَّ ليغسله سبع (مرارٍ) . قَالَ ابْن مَنْدَه : وَهَذِه الزِّيَادَة - وَهِي : فليرقه - تَفَرَّد بهَا عَلّي بن مسْهر ، وَلَا تُعْرف عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَجْه من الْوَجْه إلاَّ من هَذِه الرِّوَايَة .
قُلْتُ : وَلَا يضرّ تفرُّده بهَا ، فإنَّ عَلّي بن مسْهر إِمَام حَافظ ، متَّفق عَلَى عَدَالَته والاحتجاج بِهِ ، وَلِهَذَا (قَالَ) - بعد تَخْرِيجه لَهَا - الدَّارَقُطْنِيّ : إسنادها حسن ، ورواتها ثِقَات . وأخرجها إِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَلَفظه : فليهرقه . وَفِي رِوَايَة لمُسلم : طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب ، أَن يغسلهُ سبع مَرَّات ، أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ .
وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، فاغسلوه سبع مَرَّات ، السَّابِعَة بِالتُّرَابِ . ورجالها ثِقَات . كَمَا قَالَه صَاحب الإِمام .
وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة للشَّافِعِيّ ، ( وَالْبَيْهَقِيّ ) : أُولاهن - أَو أُخراهن - بِالتُّرَابِ . وَفِي رِوَايَة لِلتِّرْمِذِي : أُولاهن - أَو قَالَ : أولهنَّ - بِالتُّرَابِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَفِي رِوَايَة للبزار : إِذا ولغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، يُغسل سبع مَرَّات ، آخِره بِالتُّرَابِ .
وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَغَيره عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي الْكَلْب يلغ فِي الْإِنَاء : أَنه يُغسل ثَلَاثًا ، أَو خمْسا ، أَو سبعا . وَهِي ضَعِيفَة ، بَيَّن الْبَيْهَقِيّ ضعفها (وَاضحا) فِي سنَنه ، و خلافياته . وَفِي أَفْرَاد مُسلم من حَدِيث عبد الله بن مُغفل مَرْفُوعا : إِذا وَلَغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فاغسلوه سبعا ، وعَفِّرُوه الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ .
وَقَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاده مُجْمَع عَلَى صحَّته . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي التَّحْقِيق : انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ . وَهُوَ سبق قلم مِنْهُ قطعا ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَن يكْتب : انْفَرد بِهِ مُسلم ، فَسبق الْقَلَم إِلَى البُخَارِيّ ، فليصلح .
وَرَدَّ الْبَيْهَقِيّ هَذِه الرِّوَايَة (بِأَن) قَالَ : أَبُو هُرَيْرَة أَحْفَظ من رَوَى الحَدِيث فِي دهره ، فروايته أَولى . وَأما الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا المُصَنّف - وَهِي : أُولاهن أَو إِحْدَاهُنَّ - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - فَغَرِيبَة . وَقد أخرجهَا كَذَلِك - (عَلَى [ مَا ] وجدته خطا) - أَبُو عبيد فِي كِتَابه الطّهُور عَن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم ، عَن أَيُّوب ، عَن ابْن سِيرِين ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذا وَلَغَ الْكَلْب فِي الإِناء ، غُسل سبع مَرَّات ، أُولاهن أَو (إِحْدَاهُنَّ) بِالتُّرَابِ .
وَهَذِه الرِّوَايَة سندها كسند الشَّافِعِي فِي رِوَايَة : أُولاهن أَو أُخراهن ، فإنَّ الشَّافِعِي أخرجهَا فِي مُسْنده عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أَيُّوب (بِهِ) . فَيتَوَقَّف حينئذٍ فِي لفظ : إِحْدَاهُنَّ بِالْحَاء الْمُهْملَة ، وَيُقَال : لَعَلَّهَا أُخراهن بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة ، لِأَن السَّنَد وَاحِد ، وَقد يقُال : لَا يلْزم ذَلِك ؛ لِأَن التِّرْمِذِيّ أخرج بِهَذَا السَّنَد - أَعنِي طَرِيق أَيُّوب - رِوَايَته (السالفة) : أُولاهن ، أَو قَالَ : أولهنَّ ، فابحث عَن ذَلِك . نعم ، رِوَايَة : إِحْدَاهُنَّ - من غير شكّ - (مَشْهُورَة) ، مَوْجُودَة من ثَلَاث طرق - وَقد ذكرهَا الرَّافِعِيّ بعد هَذَا وَحدهَا - : الأول : (رَوَى) الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث مَحْمُود ابن مُحَمَّد الْمروزِي ، نَا الْخضر بن (أَصْرَم) ، نَا الْجَارُود ، عَن إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن هُبَيْرَة بن يريم ، عَن عَلّي بن أبي طَالب رَضِي اللهُ عَنْهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( إِذا) وَلَغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات ، إِحْدَاهُنَّ بالبطحاء .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : هَذِه الرِّوَايَة (لَيست) فِي الصَّحِيح وَلَا فِي الْكتب الْمُعْتَمدَة ، رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ ، وَهِي غَرِيبَة . قُلْتُ : وَمَعَ غرابتها ، فَفِي إسنادها جمَاعَة يجب معرفَة حَالهم : أحدهم : الْخضر بن أَصْرَم ، لَا أعرفهُ ، وَلم أره فِي (كتاب) (ابْن) أبي حَاتِم ، وَلَا غَيره . الثَّانِي : الْجَارُود ، وَهُوَ ابْن يزِيد ، أَبُو عَلّي النَّيْسَابُورِي ، مَتْرُوك الحَدِيث بإجماعهم .
الثَّالِث : هُبَيْرَة بن يريم ، قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : هُبَيْرَة هَذَا شَبيه بالمجهولين . وَقَالَ ابْن حزم فِي محلاه فِي كتاب الْحَضَانَة : مَجْهُول . وَقَالَ ابْن سعد : لَيْسَ بِذَاكَ .
وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقَالَ ابْن خرَاش : ضَعِيف . وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي فِي أَحْكَامه - مُعْتَرضًا عَلَى أبي حَاتِم الرَّازِيّ فِي قَوْله السالف - : قد صَحَّح التِّرْمِذِيّ (حديثين) من طَرِيقه ، ووثَّقه ابْن حبَان .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فإنَّه ذكره فِي ثقاته وَقَالَ : رَوَى عَنهُ أَبُو إِسْحَاق السبيعِي . وَقَالَ الْحَافِظ جمال (الدَّين) الْمزي : رَوَى عَنهُ أَيْضا أَبُو فَاخِتَة . قَالَ الذَّهَبِيّ : وَلم يَرْوِ عَنهُ غَيرهمَا .
وَقَالَ أَحْمد : لَا بَأْس بِهِ ، هُوَ أحبّ إِلَيْنَا (من) الْحَارِث . فَإِذن ارْتَفَعت عَنهُ جَهَالَة الْعين وَالْحَال ، فلولا مَا مَضَى ، (لَكَانَ حسنا ) . أما [ مَحْمُود بن مُحَمَّد ] الْمروزِي (السَّابِق) : فقد ذكره الْخَطِيب فِي تَارِيخه وحَسَّن حَاله .
الطَّرِيق الثَّانِي : رَوَاهُ أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هِلَال الرَّاسِبِي ، وَيزِيد بن إِبْرَاهِيم ، عَن مُحَمَّد ، عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، ليغسله سبع مَرَّات ، إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ . وَأَبُو هِلَال الرَّاسِبِي اسْمه مُحَمَّد بن سليم ، بَصرِي ، وَلم يكن من بني راسب ، وإنَّما نزل فيهم ، رَوَى لَهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَفِيه مقَال ، كَانَ يَحْيَى بن سعيد لَا يعبأ بِهِ ، وَقَالَ يزِيد بن زُرَيْع : عَدَلت عَنهُ عمدا . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
ووثَّقه ( أَبُو دَاوُد ) . وَقَالَ ابْن معِين : صَدُوق . الطَّرِيق الثَّالِث : رَوَاهُ الْبَزَّار أَيْضا (فِي مُسْنده) ، عَن عباد بن يَعْقُوب ، عَن الْوَلِيد بن أبي ثَوْر ، عَن السُّدي ، عَن أَبِيه ، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذا وَلَغ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم ، فليغسله سبع مَرَّات - أَحْسبهُ قَالَ - : إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ .
وعَبَّاد بن يَعْقُوب هَذَا هُوَ الراوجني ، أخرج لَهُ البُخَارِيّ مَقْرُونا ، وَقَالَ ابْن حبَان : هُوَ رَافِضِي دَاعِيَة . والوليد بن أبي ثَوْر ضَعَّفه النَّسَائِيّ وَغَيره . والسُّدي هُوَ إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن ، مُخْتَلَف فِيهِ ، وثَّقه أَحْمد ، وضعَّفه ابْن معِين ، ورُمي بالتشيع ، وَهُوَ السُّدي الْكَبِير ، صَاحب التَّفْسِير ، وَأما السُّدي الصَّغِير فَهُوَ مُحَمَّد بن مَرْوَان ، يروي عَن الْأَعْمَش ، وَهُوَ مُتَّهم هَالك .
ووالده : لَا أعرف حَاله ، وَقد أخرج لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ . (ثمَّ) اعْلَم أَن مُقْتَضَى كَلَام النَّوَوِيّ (فِي شرح الْمُهَذّب) - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمسَائِل المنثورة ثُبُوت هَذِه اللَّفْظَة - أَعنِي لَفْظَة : إِحْدَاهُنَّ - وَقد عرفت حَاله ، وَكَلَامه فِيهَا فِي شرح الْمُهَذّب كَمَا سلف .