حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الفصل الأول فِيمَن صحَّحه شُبْهَة من أعلَّه

الحَدِيث الثَّالِث وَالْعشْرُونَ قَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الهِرَّة : إنّها لَيست بنجسة ، إنَّها من الطوافين عَلَيْكُم . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَشْهُور ، رَوَاهُ الْأَئِمَّة الْأَعْلَام ، حُفَّاظ الإِسلام : مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ ، وَأحمد ، والدارمي ، فِي مسانيدهم ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ ، وَابْن خُزَيْمَة ، وَابْن حبَان ، فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن ، و الْمعرفَة . من رِوَايَة أبي قَتَادَة رَضِي اللهُ عَنْهُ .

وَليكن كلامنا عَلَى هَذَا الحَدِيث مُلَخصا فِي ثَلَاثَة فُصُول : الأول : فِيمَن صحَّحه ، و (شُبْهَة) من أعلَّه قَالَ التِّرْمِذِيّ فِيهِ : إِنَّه حَدِيث حسن صَحِيح وَإنَّهُ أحسن شَيْء فِي هَذَا الْبَاب ، وَإِن مَالِكًا جَوَّد إِسْنَاده عَن إِسْحَاق [ بن ] عبد الله ، وَأَن أحدا لم يأتْ بِهِ أتم مِنْهُ . قَالَ : وَسَأَلت البُخَارِيّ (عَنهُ) ، فَقَالَ : جَوَّده مَالك بن أنس ، وَرِوَايَته أصحّ من رِوَايَة غَيره . وَقَالَ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك : هَذَا حَدِيث صَحِيح ، وَلم يُخرجهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ، عَلَى أَنَّهُمَا قد استشهدا جَمِيعًا بِمَالك بن أنس ، وَأَنه (الحكم) فِي حَدِيث الْمَدَنِيين ، وَهَذَا الحَدِيث (ممَّا) صحَّحه مَالك واحتجَّ بِهِ فِي الْمُوَطَّأ وَمَعَ هَذَا فَلهُ شَاهد بِإِسْنَاد صَحِيح : نَا أَبُو عبد الله القَاضِي ببخارا (ثَنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب) ، أَنا مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي جَعْفَر الرَّازِيّ ، نَا سُلَيْمَان بن مسافع بن شيبَة الحَجبي ، قَالَ : سَمِعت مَنْصُور بن صَفَيَّة بنت شيبَة يحدِّث عَن أمه صَفِيَّة ، (عَن) عَائِشَة رَضِي اللهُ عَنْهُا أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّها لَيست بِنَجس ، هِيَ كبعض أهل الْبَيْت - يَعْنِي الْهِرَّة .

وَهَذَا الشَّاهِد الَّذِي اسْتشْهد بِهِ الْحَاكِم أخرجه ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه ، وَلَفظه : هِيَ كبعض مَتَاع الْبَيْت - يَعْنِي الْهِرَّة . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تفرَّد بِهِ سُلَيْمَان بن مسافع . قُلْتُ : ذكره الْعقيلِيّ فِي الضُّعَفَاء قَالَ : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ .

وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر فِي كِتَابه معرفَة السّنَن والْآثَار فِي حَدِيث أبي قَتَادَة : إِسْنَاده صَحِيح والاعتماد عَلَيْهِ . وصحَّحه أَيْضا الإِمامان أَبُو بكر بن خُزَيْمَة ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان ، فَإِنَّهُمَا أَخْرجَاهُ فِي صَحِيحَيْهِمَا كَمَا قدَّمناه عَنْهُمَا . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ : هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت .

وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ (فِي علله ) طرقه ، ثمَّ قَالَ : رُوي مَرْفُوعا وموقوفًا . قَالَ : وَرَفعه صَحِيح . قَالَ : ولعلَّ من وَقفه لم يسْأَل أَبَا قَتَادَة : هَل عِنْده عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أثر أم لَا ؟ لأَنهم حَكوا فعل أبي قَتَادَة حسب .

قَالَ : وأحسنها إِسْنَادًا مَا (رَوَى) مَالك ، عَن إِسْحَاق ، عَن امْرَأَته ، عَن أمهَا ، عَن أبي قَتَادَة ، وحَفِظَ أَسمَاء (النِّسَاء وأنسابهن) وجَوَّد ذَلِك ، وَرَفعه إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَخَالف الْحَافِظ أَبُو عبد الله بن مَنْدَه فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث ، فَقَالَ - بعد أَن أخرجه من رِوَايَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، ثمَّ ذكر اخْتِلَاف رواياته - : أم يَحْيَى اسْمهَا حميدة ، وخالتها هِيَ كَبْشَة ، وَلَا يُعرف لَهما رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث ، (ومحلهما مَحل) الْجَهَالَة ، وَلَا (يثبت) هَذَا الْخَبَر من وَجه من الْوُجُوه وسبيله سَبِيل الْمَعْلُول . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي شرح الإِلمام : جَرَى ابْن مَنْدَه عَلَى مَا اشْتهر عَن أهل الحَدِيث أَنه من لَمْ يَرْوِ عَنهُ إلاَّ وَاحِد ، فَهُوَ مَجْهُول .

قَالَ : ولعلَّ من صحَّحه اعْتمد عَلَى كَون مَالك رَوَاهُ وَأخرجه ، مَعَ مَا عُلِمَ من تشدُّده وتحرِّيه فِي الرِّجَال ، وَأَن كل من رَوَى عَنهُ فَهُوَ ثِقَة ، كَمَا صحَّ عَنهُ . ونقلناه فِي مُقَدمَات هَذَا الْكتاب . قَالَ : فإنْ سلكت (هَذَا) الطَّرِيق فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث - أَعنِي عَلَى تَخْرِيج مَالك لَهُ - وإلاَّ فَالْقَوْل مَا (قَالَ) ابْن مَنْدَه ، وَقد ترك الشَّيْخَانِ إِخْرَاجه فِي صَحِيحَيْهِمَا .

وَقَالَ فِي الإِمام : إِذا لم يعرف لحميدة وكبشة رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث ، فلعلَّ طَرِيق من صحَّحه أَن يكون اعْتمد عَلَى إِخْرَاج مَالك لروايتهما ، مَعَ شهرته بالتشدُّد . وَقَالَ شَيخنَا الْحَافِظ أَبُو الْفَتْح (ابْن سيد النَّاس) الْيَعْمرِي : بَقِيَ عَلَى ابْن مَنْدَه أَن يَقُول : (وَلم يُعْرَفْ) حَالهمَا من جارح ، فكثير من رُواة الْأَحَادِيث مقبولون . قُلْتُ : هَذَا لَا بُد مِنْهُ ، (وَأَنا) أستبعد كل الْبعد توارد الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين عَلَى تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث ، مَعَ جهالتهم بِحَال حميدة وكبشة ، فإنَّ الإِقدام (عَلَى التَّصْحِيح) - وَالْحَالة هَذِه - لَا يحلُّ بِإِجْمَاع الْمُسلمين ، فلعلهم اطَّلَعوا عَلَى حَالهمَا ، وخفي علينا .

قَالَ النَّوَوِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد : وَهَذَا الحَدِيث عِنْد أبي دَاوُد حسنٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ سَبَب مُحَقّق فِي ضعفه . قُلْتُ : وَقد ظهر أَن جَمِيع مَا (عَلَّله) بِهِ ابْن مَنْدَه - وتُوبع عَلَيْهِ - فِيهِ نظر . أما قَوْله : إِن حُميدة لَا تُعرف لَهَا رِوَايَة إلاَّ فِي هَذَا الحَدِيث فخطأ ، فلهَا ثَلَاثَة أَحَادِيث ، أَحدهَا : هَذَا .

وَثَانِيها : حَدِيث تشميت الْعَاطِس أخرجه أَبُو دَاوُد مُصَرحًا (باسمها) ، وَالتِّرْمِذِيّ (مُشِيرا) (إِلَيْهِ) ، فإنَّه قَالَ : عَن عمر بن إِسْحَاق بن أبي طَلْحَة ، عَن أمه ، عَن أَبِيهَا . وحَسَّنه التِّرْمِذِيّ عَلَى مَا نَقله ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ : أَنه حَدِيث غَرِيب ، وَإِسْنَاده مَجْهُول . وَثَالِثهَا : حَدِيث رِهان (الْخَيل) طِلْق ، رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة من حَدِيث يَحْيَى بن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة ، عَن أمه ، عَن أَبِيهَا مَرْفُوعا بِهِ .

وَأما قَوْله فِي كَبْشَة فَكَمَا قَالَ ، فَلم أَرَ لَهَا حَدِيثا آخر ، وَلَا يَضرهَا (ذَلِك) فإنَّها ثِقَة كَمَا سَيَأْتِي . وَأما قَوْله : إِن (مَحلهمَا) الْجَهَالَة فخطأ ، أمَّا حُميدة فقد رَوَى عَنْهَا إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة ، (رَاوِي) حَدِيث الْهِرَّة وَابْنه يَحْيَى فِي (حَدِيث) تشميت الْعَاطِس من طَرِيق أبي دَاوُد ، وَقد وَثَّقه ابْن معِين . وَفِي طَرِيق التِّرْمِذِيّ أَن الرَّاوِي عَنْهَا ابْنهَا (عمر) بن إِسْحَاق ، فَإِن لم يكن غَلطا ، فَهُوَ ثَالِث ، وَهُوَ أَخُو يَحْيَى .

وَذكرهَا ابْن حبَان فِي ثقاته فقد زَالَت (عَنْهَا) الْجَهَالَة العينية والحالية . وَأما كَبْشَة (فَلم أعلم) رَوَى عَنْهَا غير حُميدة ، لَكِن ذكرهَا ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقد قَالَ ابْن الْقطَّان : إِن الرَّاوِي إِذا وثق زَالَت جهالته ، وَإِن لم يَرْوِ عَنهُ إلاَّ وَاحِد . وَأَعْلَى من هَذَا أَنَّهَا صحابية ، كَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي ثقاته وَكَذَا نَقله أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ عَن جَعْفَر .

وَأما قَوْله : وَلَا يثبت هَذَا الْخَبَر بِوَجْه من الْوُجُوه . فخطأ ، فقد أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْأَفْرَاد فَقَالَ : ثَنَا مُوسَى بن هَارُون ، ثَنَا عمر بن الْهَيْثَم بن أَيُّوب الطَّالقَانِي ، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن أَسِيْد بن أبي أسيد ، عَن أَبِيه : أنَّ أَبَا قَتَادَة كَانَ يُصْغِي الإِناء للهرة ، فَتَشرب مِنْهُ ، ثمَّ يتَوَضَّأ بفضلها ، فَقيل لَهُ : أتتوضأُ بفضلها ؟ ! فَقَالَ : إنَّ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إنَّها (لَيست) بِنَجس ، (إنَّما هِيَ) من الطوَّافين عَلَيْكُم . فَهَذِهِ مُتَابعَة لكبشة ، وَهَذَا سَنَد لَا أعلم بِهِ بَأْسا .

فقد اتَّضَح وَجه تَصْحِيح الْأَئِمَّة لهَذَا الحَدِيث ، وَخطأ معلله ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ، فاستفده فإنَّه من الْمُهِمَّات .

ورد في أحاديث17 حديثًا
يُخرِّج هذا المحتوى18 حديثًا
موقع حَـدِيث