حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الْفَصْل الثَّالِث فِي الْكَلَام عَلَى شَيْء من إِسْنَاده ومفرداته

[1/560]

الْفَصْل الثَّالِث : فِي الْكَلَام عَلَى شَيْء من إِسْنَاده ومفرداته

قَالَ الإِمام أَبُو عمر بن عبد الْبر : رَوَى هَذَا الحَدِيث يَحْيَى بن يَحْيَى ، عَن مَالك ، عَن إِسْحَاق ، عَن حُميدة ابْنة أبي (عُبَيْدَة) بن فَرْوَة ، عَن خَالَتهَا كَبْشَة ... الحَدِيث . هَكَذَا قَالَ يَحْيَى : عَن حُميدة بنت أبي عُبَيْدَة ، وَلم يُتَابِعه عَلَى قَوْله ذَلِك أحد ، وَهُوَ غلط (مِنْهُ) ، وَأما سَائِر (رُوَاة) الْمُوَطَّأ ، فَيَقُولُونَ : (ابْنة عبيد بن رِفَاعَة . إلاَّ أَن زيد بن الْحباب قَالَ فِيهِ عَن مَالك) : حُميدة ابْنة عبيد بن رَافع . وَالصَّوَاب : رِفَاعَة ، (وَهُوَ رِفَاعَة) بن رَافع الْأنْصَارِيّ .

قُلْتُ : وَهُوَ فِي "صَحِيح ابْن حبَان" من رِوَايَة القعْنبِي ، عَن مَالك : حُميدة بنت عبيد بن رِفَاعَة (ثمَّ) قَالَ : وَانْفَرَدَ يَحْيَى بقوله : عَن خَالَتهَا . وَسَائِر رُوَاة الْمُوَطَّأ يَقُولُونَ : "عَن كَبْشَة" لَا يذكرُونَ خَالَتهَا .

(واخْتُلِفَ) فِي رفع الْحَاء ، ونصبها من "حُميدة" وَأَشَارَ إِلَى أَن الْأَكْثَر ضمهَا ، وتكنى حُميدة : أم يَحْيَى . وَهِي امْرَأَة إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة .

ذكر ذَلِك يَحْيَى الْقطَّان فِي هَذَا الحَدِيث عَن مَالك ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيهِ

[1/561]

ابْن الْمُبَارك : عَن مَالك [ عَن إِسْحَاق ، بِإِسْنَادِهِ مثله ] إلاَّ أَنه قَالَ : "كَبْشَة امْرَأَة أبي قَتَادَة" . وَهَذَا وهمٌ ، وَإِنَّمَا هِيَ امْرَأَة (ابْن) أبي قَتَادَة .

وَنقل النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد (أَنه) وَقع فِي رِوَايَة مَالك وَالتِّرْمِذِيّ : "تَحت أبي قَتَادَة" وَقَالَ : هُوَ مجَاز مَحْمُول عَلَى الرِّوَايَة (الْمَشْهُورَة) "تَحت ابْنه" .

وَرَأَيْت من وَهَّم النَّوَوِيّ فِي نَقله ذَلِك عَن "الْمُوَطَّأ" وَوَهِمَ هُوَ فِي ذَلِك ، (فَكَفَى) بالنووي أَن يُوَافق نَقله مَا نَقله ابْن الْمُبَارك ، لَكِن الْمَشْهُور من رِوَايَة مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" : "تَحت (ابْن) أبي قَتَادَة" وَكَذَلِكَ هُوَ مَوْجُود فِي "المُلَخَّص" للقابسي فَافْهَم ذَلِك .

وَأما لَفْظَة : "أَو الطوافات" فَقَالَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد (الْبَاجِيّ) ، وَصَاحب "الْمطَالع" : يُحتمل أَن يكون عَلَى مَعْنَى الشَّك من الرَّاوِي ، ويُحتمل أَن (يكون) النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ذَلِك ، يُرِيد أَن (هَذَا) الْحَيَوَان لَا يَخْلُو أَن يكون من جملَة الذُّكُور الطوافين أَو الإِناث (الطوافات) .

وَنقل النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" هَذَا عَن صَاحب "الْمطَالع" وَحده ، ثمَّ قَالَ : وَهَذَا الَّذِي قَالَه مُحْتَمل . قَالَ : وَالْأَظْهَر أَنه للنوعين كَمَا جَاءَ فِي (رِوَايَات) "الْوَاو" . قَالَ أهل اللُّغَة : الطوافون : الخدم

[1/562]

والمماليك . وَقيل : هم الَّذين يخدمون بِرِفْق وعناية .

وَإِنَّمَا جَمَعَ الهرَّة بِالْيَاءِ وَالنُّون ، مَعَ أَنَّهَا لَا تعقل ، لِأَن المُرَاد (أَنَّهَا) من جنس الطوَّافين (أَو الطوَّافات) .

وَمَعْنى الحَدِيث : أَن الطوَّافين من الخدم وَالصغَار الَّذين سَقَطَ فِي حَقهم الْحجاب والاستئذان فِي غير الْأَوْقَات (الثَّلَاثَة) الَّتِي ذكرهَا الله - تَعَالَى - إِنَّمَا سقط فِي حَقهم دون غَيرهم للضَّرُورَة ، وَكَثْرَة (مداخلتهم) ، بِخِلَاف الْأَحْرَار الْبَالِغين ، (وَكَذَا) يُعْفَى عَن الْهِرَّة للْحَاجة ، وَقد أَشَارَ إِلَى نَحْو هَذَا الْمَعْنى أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي كِتَابه "الأحوذي فِي شرح التِّرْمِذِيّ" وَذكر الخطَّابي أَن هَذَا الحَدِيث مؤول عَلَى وَجْهَيْن :

أَحدهمَا : أَنه شَبَّهها بخدم الْبَيْت وَمن يطوف عَلَى أَهله (للْخدمَة) .

وَالثَّانِي : شبهها بِمن يطوف للْحَاجة وَالْمَسْأَلَة ، وَمَعْنَاهُ : الْأجر فِي مواساتها (كالأجر) فِي مواساة من يطوف للْحَاجة (وَالْمَسْأَلَة) .

قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا الثَّانِي قد يأباه سِيَاق قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة

[1/563]

وَالسَّلَام : "إِنَّهَا لَيست بِنَجس" .

وَهُوَ كَمَا قَالَ ، بل قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "شرح الإِلمام" : إِنَّه غَرِيب بعيد .

فإنْ قُلْتَ : فالخدم وَالْعَبِيد لَا يُعفى عَن نَجَاسَة أَفْوَاههم ؟

فَالْجَوَاب : أَن نَجَاسَة (أَفْوَاههم) تندر ، وَلَا يشق الِاحْتِرَاز ، وَفِي هَذَا (بِخِلَافِهِ) .

وَقَوْلها : "فسكبتُ لَهُ وَضوءًا" هُوَ بِفَتْح الْوَاو ، وَهُوَ اسْم للْمَاء الَّذِي يُتَوضأ بِهِ ، و "الوُضُوء" بِالضَّمِّ : اسْم للْفِعْل . قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي : هَذِه اللُّغَة هِيَ قَول الْأَكْثَرين من أهل اللُّغَة .

وَقَوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : "إِنَّهَا لَيست بِنَجَس" هُوَ بِفَتْح الْجِيم ، كَذَا قَيَّده غير وَاحِد ، مِنْهُم : الْمُنْذِرِيّ فِي "مُخْتَصر السّنَن" ، وَالنَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى أبي دَاوُد ، وَالشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "شرح الإِلمام" وَغَيرهم .

قَالَ الله - تَعَالَى - : ( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) .

وَفِي هَذَا الحَدِيث من الْفَوَائِد المستنبطة مَا لَا يُستغنى (عَنهُ) ، [ ذكرت ] بعضه هُنَا ، لِئَلَّا يطول الْكتاب ، وَيخرج عَن مَوْضُوعه ، وَهَذَا الْقدر كَاف .

(وَبَقِي أَمر مُهِمّ) ، وَرَاء (هَذَا) كُله ، وَهُوَ أَن الإِمام الرَّافِعِيّ

[1/564]

وَقع لَهُ فِي هَذَا الحَدِيث نُكْتَة غَرِيبَة ، (وَهِي) : أَنه جعل (المُصْغِي الإِناء) للهرة هُوَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتَبِعَ فِي ذَلِك الْمُتَوَلِي من أَصْحَابنَا فإنَّه ذكر ذَلِك فِي "تتمته" وَالْمَعْرُوف أَنه أَبُو قَتَادَة - فَقَالَ مَا نَصه : سُؤْر الْهِرَّة طَاهِر ؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَة الْعين ، وَمَا هُوَ طَاهِر الْعين ، فَهُوَ طَاهِر السؤر ، وَلذَلِك (لَمَّا تعجبوا) من إصغاء النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الإِناء للهرة قَالَ : "إِنَّهَا لَيست بنجسة ، إِنَّهَا من الطوافين عَلَيْكُم" جعل طَهَارَة الْعين عِلّة طَهَارَة السؤر . (انْتَهَى) ، فَذكرت (أَنا) الحَدِيث بِاللَّفْظِ الْمَعْرُوف فَافْهَم ذَلِك .

نعم ، فِي "سنَن الْبَيْهَقِيّ" من حَدِيث عبد الله بن أبي قَتَادَة قَالَ : " كَانَ أَبُو قَتَادَة يُصْغِي الإِناء (للهرة فَتَشرب) ، ثمَّ يتَوَضَّأ بِهِ ، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك ، فَقَالَ : مَا صنعت إلاَّ مَا رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يصنع " . فقد يَقْتَضِي ظَاهر هَذَا مُوَافقَة مَا أوردهُ المُصَنّف .

يُخرِّج هذا المحتوى1 حديث
موقع حَـدِيث